موجزات مهنية

كيف يمكن للقائمين بالإرشاد والتوجيه الأكاديمي كسب ثقة الباحثين؟

حاصدو جوائز في هذا المجال يشاركون استراتيجياتهم، لإلهام وتحفيز الآخرين.

  • Published online:
نيثا إيريز، اختصاصية بيولوجيا السرطان، تبحث عن أفضل أسلوب لتقديم الإرشاد الأكاديمي بما يناسب كل طالب على حدة.

نيثا إيريز، اختصاصية بيولوجيا السرطان، تبحث عن أفضل أسلوب لتقديم الإرشاد الأكاديمي بما يناسب كل طالب على حدة.

Credit: Tel Aviv University

حصد ثلاثة باحثين يعملون في إسرائيل جوائز مجموعة "نيتشر ريسيرش" Nature Research عن إنجازاتهم في مجال الإرشاد الأكاديمي لعام 2020. فقد تقاسمت نيثا إيريز، اختصاصية بيولوجيا السرطان من جامعة تل أبيب، وتال بوبكو، اختصاصي البيولوجيا الجزيئية من الجامعة نفسها، جائزة المجموعة التي تُمنح للباحثين في منتصف مسيرتهم المهنية عن الإرشاد والتوجيه الأكاديمي، في حين حصدت هانا مارجاليت، المتخصصة في نُظُم المعلومات الحيوية من الجامعة العبرية في القدس، الجائزة عن إنجازاتها في المجال نفسه على مدار حياتها المهنية.

وهناك قواسم مشتركة كثيرة تجمع الفائزين بجوائز هذا العام إلى جانب وطنهم المشترك؛ فكل منهم يرى أنّ النصح والإرشاد جزء أساسي من دور العالِم، كما أنهم جميعًا يحرصون على تقديم المشورة إلى غيرهم من الباحثين الرئيسين الذي يرغبون في تحسين مهاراتهم التوجيهية.

ولا شك أن جهود الفائزين في إلهام فِرَقهم البحثية وتحفيزها قد آتت ثمارها، فالمواد التي قُدِّمت دعمًا لترشيحهم لنيل الجائزتين من زملائهم وطلابهم السابقين والحاليين تفيض بمشاعر العرفان بالجميل، والإعجاب والتقدير.

وقد استحق بوبكو الثناء، لحرصه الدائم على جعل طلابه "على رأس أولوياته"، دون أن يخلّ بتميُّزه العلمي، في حين كَتَب أحد طلاب إيريز السابقين عنها أنها تجمع بين "الاحترافية، والحماس الذي لا يفتر"، والصبر وطول الأناة، ورحابة الصدر، والاستعداد للإصغاء للآخرين.

وذكرت طالبة سابقة أخرى أن مارجاليت، إحدى روّاد علم نُظُم المعلومات الحيوية في إسرائيل، قد "تركت بصمة على حيوات العديد من أعضاء هيئة التدريس الحاليين –من الجدد والمخضرمين– وعلى مسيرتهم المهنية، بما تتمتع به من حماس متقد، وحس بالآخَر، وتفكير ناقد".

أُعلِنت أسماء الفائزين الثلاثة في الواحد والعشرين من ديسمبر من عام 2020، إذ حصلت مارجاليت على جائزة نقدية قدرها 10 آلاف دولار أمريكي، وتَقاسَم إيريز وبوبكو جائزة نقدية أخرى قدرها 10 آلاف دولار أمريكي. وقد أَجْرَت دورية Nature مقابلات معهم، لمعرفة المزيد عن أساليبهم في التوجيه والإرشاد، وأبرز نصائحهم من أجل قيادة المختبرات.

نيثا إيريز

جائزة الإنجازات في مجال الإرشاد الأكاديمي في منتصف الحياة المهنية

عزِّزْ المهارات الشخصية. في مجتمعنا العلمي، نادرًا ما يتلقى العلماء تعليمًا رسميًّا يُكْسِبهم كثيرًا من المهارات التي يحتاجون إليها، مثل الكتابة الأكاديمية، وكيفية عرْض أعمالهم، وكيفية تقديم النصح والتوجيه والإرشاد للآخرين. لذا.. أخبر طلاب درجة الدكتوراة بأن عليهم ألا يكتفوا بتعلُّم إجراء التجارب المختبرية. وهذه الجوانب لم تكن جزءًا من منهج دراسي في العلوم. ومن هنا، ساعدت في إنشاء ورشة لتعلُّم "المهارات الشخصية" في الجامعة. وندرِّس في هذه الورشة كيف يمكن إبداء الملاحظات والتعقيبات، وتَلَقِّي الإفادة بالرأي، فهذه مهارة حياتية، وليست مقصورة على العلوم وحدها. كما يتعلم الطلاب كيف يكتبون سيرهم الذاتية، وكيف يراجعون الأوراق البحثية. وتستوعب الورشة 15 طالبًا فقط كل عام، ويتنافس الطلاب دائمًا على الفوز بمقعد فيها.

احرص على اختيار أفراد فريقك بعناية. للنجاح في تقديم التوجيه والإرشاد الأكاديمي، من الأهمية بمكان أن تحيط نفسك بأشخاص على استعداد لأنْ يجدوا الحافز والإلهام فيما يقومون به. لذا، أُجرِي مقابلات شخصية مطوّلة مع الطلاب الواعدين، قبل أن أعرض عليهم منصبًا في مختبري. وأطرح عليهم أسئلة مفتوحة عن شخصياتهم، وأهدافهم، وأترك لهم دفة الحوار. وإذا أصغيتَ بإنصات، فستعرف الكثير عن الشخص الذي تتحدث معه. ولذلك، فإنني أصغي إليهم؛ بحثًا عن حماس متقد، إذ يمكنني أن أُعَلّم الباحثين كيفية صوغ الفرضيات، لكنني لا أستطيع أن أغرس فيهم الشغف. ويجب أن يكون هذا نابعًا من داخلهم. وإذا لم أشعر بارتياح وأنا أتحدث إلى الشخص المعنِيّ، فهو بذلك ليس مناسِبًا للانضمام إلى مختبري، حتى إذا كانت سيرته الذاتية مثالية.

تقبَّل الاختلافات الفردية. كل طالب من طلاب درجة الدكتوراة الذين هم تحت إشرافي جعلني أسلك مسارًا مختلفًا في رحلة الإرشاد والتوجيه الأكاديمي، إذ أحاول ألا أقولبهم على صورتي، بل أهدف إلى اكتشاف المناسب لهم. ولا أملي عليهم من البداية أن يسلكوا نهجًا محددًا واحدًا في البحث العلمي، إذ يجب أن تكون أطروحاتهم لنيل درجة الدكتوراة من صنيعهم هم أنفسهم.

وبعض الطلاب يتمتعون بموهبة كبيرة، لكنهم يواجهون مشكلات في التركيز على أمر بعينه. وربما يحتاج بعضهم إلى أن ينظر بعين النقد أكثر لما يفعله، في حين يحتاج البعض الآخر إلى أن يكف عن المبالغة في انتقاد ذاته. وثمة حدود واضحة للاختلافات الفردية. وفي الواقع، توجد طريقة صحيحة وحيدة لإجراء الإحصاءات، لكنني أَدَع طلابي يُضْفُون قدرًا من لمساتهم الخاصة على أعمالهم البحثية، فالطلاب لديهم أساليبهم المختلفة لإعداد التجارب. والأمر يشبه الطهو، حيث لكل منا ذوقه الخاص به.

تال بوبكو، اختصاصي البيولوجيا الجزيئية

تال بوبكو، اختصاصي البيولوجيا الجزيئية 

Credit: Dorothee Huchon-Pupko

تال بوبكو

جائزة الإنجازات في مجال الإرشاد الأكاديمي في منتصف الحياة المهنية

دع الطلاب يضطلعون بالكتابة الأكاديمية. عندما يكون المرء باحثًا رئيسًا، عليه أن يبدي استعدادًا للتضحية ببعض المكاسب الفورية في مقابل أخرى بعيدة الأجل، تتمثل في تهيئة الطلاب ليكونوا علماء. وكتابة الأوراق البحثية خير مثال على ذلك؛ فطلاب درجة الدكتوراة الجدد لا يتمتعون بخبرة كبيرة في كتابة مسودات الأوراق البحثية. ولا شك أنه من الأسهل والأسرع لي أن أتولى كتابة هذه المسودات، لكنني أصرّ على أن يضطلع طلابي بهذه المهمة، ثم نستعرض كل جملة وكل فقرة مكتوبة. وتكون المسوّدة الأولى -في أغلب الأحيان- مليئة بالأخطاء، ويمكن أن تتكرر إعادة كتابة الأوراق البحثية عدّة مرات قبل أن تكون مهيأة لطرحها. ويمكن أن يستغرق الطالب دهرًا في كتابة مسودته البحثية الأولى، لكن بحلول الوقت الذي يصل فيه إلى نهاية دراسته لنيل درجة الدكتوراة، سيكون قد أصبح قادرًا على كتابة مسوّدات أولى تكاد تخلو من الأخطاء.

شَجِّعْ على تحقيق توازن معقول بين الحياة العملية والشخصية. لديَّ أربعة أطفال. ولذا، أتفهم الضغط الواقع على شباب الآباء الممزقين بين الحاجة إلى رعاية أطفالهم وإيداعهم الفراش ليلًا، والرغبة في مواصلة العمل على أطروحتهم لنيل درجة الدكتوراة. وأشجّع العمل في إطار ساعات تراعي الاحتياجات الإنسانية. وأحرص على أن يحصل طلابي على إجازات الأمومة أو الأبوة التي يحتاجون إليها، حتى وإنْ أدى ذلك إلى تراجع طفيف في الإنتاجية العلمية.

إنه توازن يتطلب تحقيقه عناية بالغة؛ فعندما يطلب أحد طلابي إجازة، أحاول التوصل معه إلى وسيلة للبقاء على اتصال معًا. ويمكنه بعد ذلك أن يعاود مواصلة مساره المهني تدريجيًّا.

ساعِد الطلاب على رؤية الصورة الكليّة. عندما تبدأ مشروعًا بحثيًّا، فأنت حينها لا ترى سوى جزء يسير من الصورة الكلية. ويمكن أن يجد الطلاب صعوبة في رؤية الأسباب التي قد تجعل شخصًا ما يهتم منذ البداية بموضوع البحث العلمي الدقيق الذي يعكفون على دراسته. وقبل أن تفرض الجائحة قيودها على الانتقال، اكتشفتُ أنه من المُجْدي ماليًّا إنفاق ألفي دولار، بهدف إرسال أحد الطلاب لحضور مؤتمر في أوروبا، أو الولايات المتحدة. وعندما يحضر مؤتمره الأول، أرافقه في السفر، وأجلس معه في المحاضرات، وأصطحبه إلى الفعاليات الاجتماعية اللاحقة. وعندما يعود إلى المختبر، تكون قد أصبحَتْ لديه رؤية أفضل لأسباب أهمية عمله البحثي.

وحضور المؤتمرات العلمية، أينما عُقدت، مهم للطلاب، كما أنه في الواقع يحقق منفعة متبادلة، فالطلاب ينتفعون من الانخراط في المجتمع العلمي، وأنا أنتفع من اكتسابهم الحافز وراء المزيد من السعي. وقد تدبرنا أمورنا جميعًا في الأشهر القليلة الماضية من خلال المؤتمرات الافتراضية، لكنني أتطلع إلى وقت نستطيع فيه جميعنا التواصل شخصيًّا مرة أخرى.

هانا مارجاليت، اختصاصية نُظُم المعلومات الحيوية

هانا مارجاليت، اختصاصية نُظُم المعلومات الحيوية 

Credit: Yoray Liberman/Yad Hanadiv

هانا مارجاليت

جائزة الإنجازات في مجال الإرشاد الأكاديمي على مدار الحياة المهنية

لا يتوقف الإرشاد الأكاديمي عند باب المختبر. فعلى مدار السنين، ظل الباحثون الرئيسون من الشباب، ومنهم مَن لم يكونوا قط أعضاءً في مختبري، يقصدونني التماسًا للتوجيه والمشورة؛ فنجلس ونتحدث عن التقدّم الذي أحرزوه، بل وأراجع أوراقهم البحثية إذا طلبوا مني ذلك. وأقدم حاليًّا خدماتي الاستشارية إلى العديد من الباحثين الرئيسين الذين يلتمسون المساعدة بشأن طلبات التقدم للحصول على المنح. وأتساءل أحيانًا: "لِمَ أقوم بذلك؟"، لكنني في الواقع لا أستطيع حتى التفكير في رفض طلب شخص يحتاج إلى مساعدتي، لأن نجاح الطلاب يهمني.

تعاوَنْ مع الطلاب وأنصِتْ إليهم. أقضي وقتًا طويلًا مع طلابي، أناقش فيه معهم عملهم البحثي، ونستكشف المقاربات المحتملة له، ونتجاذب أطراف الحديث وكأننا في مباراة لتنس الطاولة. وفي النهاية، ربما نكتشف أن فكرة البحث واعدة جدًّا، لكننا لا نستطيع حينها أن نقطع بهوية مَن أتى بالفكرة، لأننا ابتكرناها معًا. وهذا يمنح الطلاب شعورًا بالثقة.

وإذا كان أحد الطلاب سيلقي كلمة أمام مؤتمر، فعندئذ أطلب منه إلقاءها أولًا أمام اجتماع للمجموعة البحثية. وأصغي بإنصات إلى هذه الكلمة مرارًا وتكرارًا، وأقدم إلى الطالب نصيحتي ومشورتي بشأنها. وأتبع النهج نفسه مع المسودات البحثية؛ فقد يتكرر العمل على الورقة البحثية 67 مرّة، قبل أن نصوغها كما يجب، لكننا نقوم بذلك معًا.

حافِظْ على تفاؤلك. أتمتع بدرجة كبيرة من الإيجابية والتفاؤل، وأعتقد أن طلابي يتشربون مِنِّي هاتين الخصلتين. فلا شك أن المشروعات البحثية العلمية يصاحبها قدر كبير من الإحباطات، التي أتغلب عليها بالاستعانة بأربع كلمات تشكّل الشعار الذي أسترشد به في حياتي كعالِمة (وفي حياتي بوجه عام): التفاؤل، والإيمان، والشجاعة، والكد. فعلى العالِم أن يتمتع بهذه الخصال الأربع؛ كي يحرز النجاح. وفي اللغة العبرية، تبدأ كل خِصلة منها بأول حرف من أحرف الهجاء العبرية؛ وهو حرف الـ"ألف". ولذلك، فشعارنا داخل المختبر هو: "ألف، ألف، ألف، ألف!"، وهو شعار نأخذه على محمل الجد.

أجرى المقابلات الشخصية كريس وولستون.

تم تحرير نصوص المقابلات مراعاة للطول والوضوح.