أخبار

سلالات كورونا المتحوِّرة تشهد على أهمية جهود الرصد الجينومي

ساعدت الجهود المبذولة لتتبع التسلسلات الجينومية لفيروس "سارس-كوف-2" في اكتشاف سلالاتٍ مثيرة للقلق، لكنَّ الباحثين في بعض المناطق عاجزون عن رصد الطفرات الجديدة التي يكتسبها الفيروس. 

ديفيد سيرانوسكي
  • Published online:
فرضت المملكة المتحدة إجراءات الإغلاق للمرَّة الثالثة، بعدما أسفرت جهود الرصد الجينومي عن اكتشاف سلالةٍ متحوِّرة سريعة الانتشار من فيروس "سارس-كوف-2".

فرضت المملكة المتحدة إجراءات الإغلاق للمرَّة الثالثة، بعدما أسفرت جهود الرصد الجينومي عن اكتشاف سلالةٍ متحوِّرة سريعة الانتشار من فيروس "سارس-كوف-2".

Credit: Oli Scarff/AFP/Getty

يبدو أنَّ عام 2021 سيكون عام السلالات المتحوِّرة لفيروس كورونا المسبِّب للإصابة مرض "كوفيد-19". فخلال شهري نوفمبر وديسمبر الماضيَين، اكتشف العلماء عددًا من السلالات الفيروسية سريعة الانتشار، ما دفع الحكومات إلى فرض قيودٍ على الحركة والتنقل في بلدان شتَّى. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فاكتشاف السلالات الجديدة للفيروس يمضي بوتيرة متسارعة.

لقد فَرَضَت هذه الجائحة بدء عهدٍ جديد من الرصد الجينومي، يتتبع العلماء فيه التغيرات التي تطرأ على جينومات الفيروسات بسرعةٍ غير مسبوقة، وعلى نطاقٍ لم يُشهَد له من قبلُ مثيل. ومع ذلك، لم تَرْقَ الجهود المبذولة على مستوى العالم لرصد جينومات إلى المستوى المقبول، خاصَّةً في الولايات المتحدة، التي تشهد أكبر تفشٍّ لمرض "كوفيد-19" في العالم، وكذلك في كثيرٍ من البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط. ولذا، يحذِّر العلماء من احتمال انتشار سلالات متحوِّرة مثيرة للقلق في تلك المناطق، دون أن يرصدها الباحثون.

وحول هذا الشأن، يقول الباحث أوليفر بايبس، الذي يعكف على دراسة تطور الأمراض المعدية بجامعة أكسفورد في المملكة المتحدة: "لقد ازدهر علم الوبائيات الجينومي، وبرزت أهميته خلال هذه الجائحة". وأوضح أنَّ هذا العلم قد نهض من حالة "الركود النظري" التي كان عليها، ليصبح أداةً تساعد على اتخاذ القرارات المتعلقة بالصحّة العامة بسرعة، غير أن العلماء يرون أنَّه لكي تصل جهود الرصد الجينومي إلى أقصى مستوى ممكن من الفعالية، ينبغي أن تُطبَّق على نطاقٍ واسع، وأن تخضع لمعايير موحدة، وأن تُدمَج في البرامج الوطنية الهادفة إلى مكافحة الجائحة.

شبكات الرصد

تتوقَّف جودة الرصد الجينومي على تحديد تسلسلات عددٍ كافٍ من الجينومات الفيروسية، لتتبُّع الطفرات والسلالات المتحوِّرة المقلقة عند ظهورها، بالإضافة إلى مشاركة بيانات هذه الجينومات. وفي العام الماضي، تمكَّن العلماء من تحديد تسلسلات أكثر من 360 ألف جينوم لفيروس "سارس-كوف-2"، وحُفظت هذه الجينومات في قاعدة GISAID، وهي قاعدة بيانات إلكترونية غير ربحية لمشاركة الجينومات الفيروسية. ورغم اتساع النطاق الجغرافي لتوزيع  التسلسلات المُخزَّنة في هذه القاعدة، إذ يغطِّي أكثر من 140 دولة، يُلاحَظ أن غالبية هذه البلدان لم تُحمِّل على قاعدة البيانات سوى عددٍ قليل من التسلسلات، فيما عدا دولتين اثنتين، هما: المملكة المتحدة، التي وفَّرت 45% من جينومات الفيروس المُخزَّنة على قاعدة البيانات، والدنمارك، التي وفَّرت 7% منها.  

وتتنوع الشبكات المنفِّذة لعمليات الرصد الجينومي بين البرامج الوطنية الضخمة، ومبادرات المجتمع المدني محدودة النطاق. ففي يونيو عام 2020، أطلق باحثون ما يُعرف بشبكة الرصد الجينومي في جنوب أفريقيا، لتحديد تسلسلات جينومات فيروس "سارس-كوف-2" المنتشرة في البلاد. ويقول توليو دي أوليفيرا -أحد أعضاء تلك الشبكة، وهو باحث متخصص في مجال نُظُم المعلومات البيولوجية بجامعة كوازولو-ناتال في مدينة دربان بجنوب أفريقيا- إنَّ المجموعة كانت تفتقر إلى الموارد اللازمة لتحديد تسلسلات عددٍ كبير من الجينومات، ولذا، اكتفت بعينةٍ عشوائية، قوامها يتراوح بين 50 و100 جينوم في الأسبوع. 

كبر الصورة

Source: GISAID; data as of 14 January 2021.

ومع ذلك، كُللَتْ هذه الجهود المتواضعة بالنجاح. ففي نوفمبر الماضي، تَواصَل مشفًى كبير في مقاطعة إيسترن كيب مع دي أوليفيرا، لإبلاغه بارتفاع عدد المصابين بعدوى "كوفيد-19" في المنطقة على نحوٍ يثير الريبة. وحينئذٍ، فَتَّش فريقه بعناية في قاعدة بياناتهم الخاصة بالتسلسلات الجينومية، وسرعان ما اكتشف سلالةً متحوِّرة من الفيروس، لم تكن معروفة، تسبَّبت في إحداث 90% من الإصابات الجديدة في بعض المناطق. كانت هذه السلالة، التي تُعرَف باسم "501Y.V2"، قد خضعت لثماني طفرات في الجينات المتحكمة في البروتين الشوكي الذي يستخدمه الفيروس لدخول الخلايا. ويُعَد هذا عددًا كبيرًا من الطفرات، مقارنةً بالسلالات الأخرى السائدة المنتشرة في جنوب أفريقيا. وافترض دي أوليفيرا أنَّ تلك التغيرات ربما تعزز قدرة الفيروس على إصابة البشر بالعدوى، وهو ما قد يُفسِّر الانتشار السريع لهذه السلالة المتحورة (انظر الشكل: "سلالة متحورة مقلقة").

شارَك دي أوليفيرا تحليله مع أندرو رامباوت، الباحث المتخصص في علم البيولوجيا التطورية بجامعة إدنبره، الذي يسهم في مشروع الرصد الجينومي في المملكة المتحدة، المعروف باسم "اتحاد الجينوميات المعنِيّ بمرض كوفيد-19" COG-UK. وخلال تواصلهما، أشار دي أوليفيرا إلى طفرةٍ معينة تثير القلق أكثر من غيرها، تُعرف باسم "N501Y". انكبَّ فريق رامباوت على البحث في التسلسلات الجينومية المتوفرة لدى اتحاد الجينوميات في المملكة، التي يبلغ عددها عشرات الآلاف، وعثر على سلالةٍ متحوِّرة تحتوي على تلك الطفرة. وضمَّت هذه السلالة كذلك، التي تُعرف حاليًا باسم "B.1.1.7"، مجموعة من الطفرات الأخرى المثيرة للقلق. وأشار فريق رامباوت في أواخر العام الماضي إلى أنَّ تلك التغيرات ربما تُفسِّر الانتشار السريع لهذه السلالة المتحوِّرة في أنحاء المملكة المتحدة وخارجها (انظر الشكل: "سلالة متحوِّرة سريعة الانتشار").

وقد أطْلَع الباحثون المسؤولين في كلا البلدين على ما توصَّلوا إليه، فكان من أثر ذلك أنْ شدَّدَتْ حكومتا البلدين القيود المفروضة على التنقُّل.

ومما يبُثُّ السرور في نفس شارون بيكوك، عالمة البيولوجيا المجهرية بجامعة كامبريدج في المملكة المتحدة، ورئيسة اتحاد الجينوميات المعنِيّ بمرض "كوفيد-19" في المملكة، أنْ تجد أنَّ القرارات السياسية تستند إلى المعلومات المستقاة من جهود الرصد. تقول بيكوك إنَّها قوبِلت بالرفض حين اقترحت تأسيس الاتحاد في شهر مارس الماضي؛ بالنظر إلى أنَّ فيروسات كورونا تتحور ببطء، مقارنةً بالإنفلونزا، وارتأى بعض الباحثين أنَّ جهود الرصد لن تكشف سوى حفنة من الطفرات عديمة الأهمية، غير أنَّ اقتراحها حظي بالدعم في نهاية المطاف، وفاز بمنحةٍ قدرها 20 مليون جنيه استرليني (ما يعادل 27 مليون دولار أمريكي). وترى أنَّ الفائدة الحقيقية لجهود الرصد الجينومي سوف تتجلى حين يتبيَّن للجميع أنَّها قد حالت دون وقوع مزيد من حالات الإصابة والوفاة.

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.

كبر الصورة

Source: GISAID; data as of 14 January 2021.

أما دي أوليفيرا، فيرى أنَّ شبكة الرصد الجينومي في جنوب أفريقيا تُعَد نموذجًا يُحتذى في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط، التي تملك موارد محدودة. وفي تعليقه على تجربتهم، قال: "صحيح أننا لم نحدد تسلسلات أعدادٍ كبيرة من الجينومات، وإنَّما حلَّلنا عددًا محدودًا، لكنَّنا كنا نفعل ذلك بانتظام، وبطريقةٍ منهجيةٍ". 

أوجه القصور

لم تحرز الولايات المتحدة النجاح نفسه في الاستفادة من مجال الوبائيات الجينومي، رغم إطلاقها برنامجًا يُدعى "سفيرز" SPHERES في شهر مايو الماضي، يستعين بمختبرات الصحة الوطنية والمحلية، والشركات الخاصة، والمؤسسات الأكاديمية، من أجل توفير التسلسلات الجينومية الخاصة بالفيروس لفِرَق الاستجابة المعنية بالصحة العامة.

يرجع ذلك إلى أنَّ هذا البرنامج لم يتطوَّر مع الوقت ليتحول إلى منظومةٍ وطنية، كما أنَّ معظم جهود تحديد التسلسلات الجينومية في الوقت الحالي تقوم عليه مختبرات أكاديمية مستقلة، لا مراكز أبحاث الجينوم الكبيرة في الولايات المتحدة، حسبما أوضح ناثان جروبو، عالِم الوبائيات بجامعة ييل في مدينة نيو هايفن بولاية كونيتيكت الأمريكية.

ونتيجةً لذلك لم يُحدَّد سوى عددٍ قليل من التسلسلات الجينومية للفيروس في الولايات المتحدة؛ إذ تبلغ نسبة الجينومات التي أتاحتها الدولة على قاعدة بيانات GISAID أقل من 0.3% من إجمالي حالات الإصابة بعدوى "كوفيد-19" فيها، مقارنةً بنسبة 5% تقريبًا في المملكة المتحدة، و12% في الدنمارك، وقرابة 60% في أستراليا (انظر الشكل: "جهود الرصد حول العالم"). ويوضح جروبو أنَّه في حالة ظهور سلالة متحوِّرة جديدة في الولايات المتحدة، فإنَّها -على الأرجح- ستُرصد سريعًا في ولاياتٍ بعينها، يتوفر لديها الكثير من المختبرات النشطة التي تعمل على تحديد التسلسلات الجينومية للفيروس، مثل ولايتَي نيويورك، وواشنطن، فيما سيستغرق رصدها وقتًا أطول في المناطق التي تفتقر إلى مثل هذه المختبرات. وتُعَد هذه مشكلة؛ لأنَّه كلما ازداد انتشار فيروسٍ ما، زادت فرص تحوُّره. 

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.
كبر الصورة

Source: GISAID and Angie Hinrichs, UC Santa Cruz Genomics Institute; data as of 5 January 2021.

ويَستخدِم بعض الباحثين أدوات التشخيص الرخيصة والسريعة، القائمة على تفاعل البلمرة المتسلسل (PCR)، في تتبُّع سلالة B.1.1.7، غير أنَّ الطلب مرتفع على هذه الأدوات، كما توصَّلت إحدى الدراسات إلى أنَّها قد تخفق في التمييز بين هذه السلالة وغيرها، ولذا، ينبغي استخدامها بحذر (انظر: go.nature.com/3iwimcl). يقول جروبو: "لم نكن لنواجه تلك الفوضى، لو كان لدينا نظامٌ أقوى للرصد الجينومي".

ويستدرك الباحث قائلًا إن الوضع قد يتحسَّن في عهد الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن، ويضيف قائلًا: "أعتقدُ أنَّ تطلُّعاتي سوف تتحقق على يد الإدارة الجديدة، التي ستعمل على الاستفادة من الخبرات التي يتضمنها برنامج «سفيرز» للمساعدة على تطوير منظومةٍ وطنية".

مشكلات عالمية 

جديرٌ بالذكر أن هذه التحديات لا تواجهها الولايات المتحدة وحدها. ففي المنتدى الذي أقامته منظَّمة الصحة العالمية في الأسبوع الثاني من شهر يناير الماضي، أوصت ماريا فان كيركوف -الباحثة المتخصصة في الأمراض المعدية لدى المنظمة- بأنْ تكثف الدول جميعها من جهود الرصد الجينومي التي تبذلها. وقالت: "ما أحوجنا إلى توسيع نطاق هذه الجهود، لكي نملك صورةً أدق عن التغيرات التي تطرأ على هذا الفيروس، لا سيما في المناطق التي يستشري فيها المرض!".

كما حَثّت فان كيركوف الباحثين على رفع التسلسلات الجينومية للفيروس على قواعد البيانات العالمية، كي يتسنَّى تحليلها على المنصَّات المتخصصة، مثل منصة "نيكست ستراين" Nextstrain، التي تساعد الباحثين على اكتشاف الطفرات التي قد تتسم بالأهمية. 

ويقول بايبس إنَّنا نحتاج كذلك إلى وضع إجراءاتٍ موحدة لتسجيل البيانات الوصفية الخاصة بالتسلسلات الجينومية، مثل عُمْر الشخص، وموقعه، ومدى حدة مَرضه؛ إذ من شأن ذلك أن يضمن دقة التحليلات الجينومية التي تخضع لها السلالات المتحوِّرة الجديدة، ومن ثم يجعل تلك التحليلات مجدية.

أمَّا بيكوك، فترى أنَّنا لو نظرنا إلى مراكز تحديد التسلسلات الجينومية باعتبارها جزءًا لا يتجزَّأ من جهود التأهُّب لمكافحة الجوائح، فسوف يُحسِّن ذلك من استجابتنا للسلالات المتحوِّرة المقلقة الخاصة بفيروسات الأمراض المعدية، وهو الطرح الذي تعكف المملكة المتحدة على دراسته في الوقت الراهن. فقد اضطرت الباحثة إلى وضع الترتيبات اللازمة لإنشاء اتحاد الجينوميات في المملكة خلال أسابيع قليلة، و"لم تتوفر أيُّ إرشاداتٍ تعينها على فعل ذلك"، حسب تعبيرها.