كتب وفنون

الأختان اللتان اقتحمتا أبواب الطب في الولايات المتحدة

إليزابيث بلاكويل، وإميلي بلاكويل.. وقصة كفاحٍ من أجل خوض غمار الطب في أواسط القرن التاسع عشر، وإفساح مجاله لمَن أتَيْن بعدهما.

هانا فونش

  • Published online:
إليزابيث بلاكويل  (إلى اليسار): أول امرأة تحصل على شهادة في الطب في الولايات المتحدة، وإلى جوارها أختها الصغرى إميلي، التي سلكَتْ طريق الطب أيضًا.

إليزابيث بلاكويل  (إلى اليسار): أول امرأة تحصل على شهادة في الطب في الولايات المتحدة، وإلى جوارها أختها الصغرى إميلي، التي سلكَتْ طريق الطب أيضًا.

Credits: Colport/Alamy

الأختان الطبيبتان بلاكويل.. كيف فتحت شقيقتان أبواب الطب للنساء في الولايات المتحدة 

The Doctors Blackwell: How Two Pioneering Sisters Brought Medicine to Women and Women to Medicine

جانيس بي. نيمورا، دار نشر "دبليو. دبليو. نورتون" (2021)

أنْ تُدعَيْ إلى إلقاء محاضرة علمية عامة، ومع ذلك يُقدَّم اسمُكِ مسبوقًا بلقب "السيدة"؛ وأنْ تنتهي من شرح البرنامج العلاجي لأحد المرضى، فإذا به يسألكِ: "متى يأتي الطبيب؟!"؛ وأنْ تجلسي ذات يوم إلى طاولة، لتجدي الأطباء من حولكِ كلَّهم من الرجال ذوي البشرة البيضاء: هذه ليست وقائع تاريخية، يعود زمن حدوثها إلى خمسين سنة مضَتْ، أو مئة، وإنما هي لقطات من تجاربي الشخصية، التي مررتُ بها على مدار سنواتٍ عشر، عملتُ فيها طبيبة للرعاية الحرجة، واختصاصية وبائيات. صحيحٌ أن العالَم لم يسبق له أن شهِدَ مثل هذا العدد من النساء العاملات في المجالات الطبية والبحثية (ومن ثمَّ الواقفات في الصفوف الأمامية في مواجهة الجائحة)، إلا أننا -نحن النساء- نُصارع نظامًا ظل على مدى قرون عديدة يرى أن الرجال وحدهم القادرون على امتهان الطب.

تأخذنا الكاتبة والمؤرخة جانيس نيمورا إلى حقبة زمنية كانت فيها مجرد فكرة أن تكون هناك "طبيبة امرأة"، (بتعبير ذلك العصر)، كفيلة بإثارة شعور بالذهول وعدم التصديق، في أحسن الأحوال، وبالاستهجان والاستنكار في أسوئها. في كتابها المعنوَن: "الأختان الطبيبتان بلاكويل" The Doctors Blackwell، تعرض المؤلفة للصعاب والصراعات التي خاضتها إليزابيث بلاكويل، أول امرأة تمارس الطب في الولايات المتحدة، وشقيقتها إميلي، التي امتهنَتْ الطب هي الأخرى. في هذه السردية الصادقة، تُبيِّن المؤلفة كيف أن طريق المرأة في ساحة الطب لم يكن ممهَّدًا، ولم يصنعه أصحاب القلوب الطيبة والعقول المتوافقة، وإنما صنعَتْه نساء جعلن من العزيمة والإصرار شعارًا لهن، وكانت لكل منهن خطتها الخاصة. قد لا تكون هؤلاء النساء من نوع الأبطال الذين يطيب لنا أن ننظر إليهم تلك النظرة المفعمة بالإعجاب من صميم قلوبنا، لكنهن امتلكن الجرأة والجسارة اللازمتين لاقتحام أبواب المؤسسة الطبية الأمريكية، التي كانت حتى ذلك العهد مقتصرة على الرجال، دون النساء.

طاقةٌ حبيسة

كانت إليزابيث بلاكويل أول امرأة في الولايات المتحدة تنال درجة جامعية في الطب. وُلدت في إنجلترا في عام 1821، وكانت واحدة من تسعة إخوة، نشأوا في عائلة شديدة الترابط، مناهِضة للرق والعبودية. تعرَّضت العائلة لضائقة مالية، يمَّمَتْ على إثرها شطر الولايات المتحدة في عام 1832. وما هي إلا سنوات قليلة حتى وجد الأطفال أنفسهم بلا أب، وبلا مال، فصار لزامًا عليهم أن يكسبوا أقواتهم بأيديهم.

وفي عام 1837، عبَّرت إليزابيث عن سخطها إزاء محدودية الخيارات المتاحة أمام المرأة في ذلك الوقت، فكتبت تقول: "القيود المكبِّلة للمرأة تُذهِب كل طموحاتي هباءً". كانت إليزابيث تعمل مُعلِّمة في إحدى المدارس، وكان عملها هذا كفيلًا بإصابتها بحالة من الضجر والقلق، مما جعلها، حسب تعبير نيمورا، بمثابة "طاقة حبيسة". لم تكن لدى إليزابيث رغبة مُلحَّة في تخفيف آلام المرضى، بل وكتبَتْ عن شعورها بالتقزُّز من الأمراض الجسدية. وعندما استقر في وعيها أن امتهان الطب إنما هو "مسعًى فكريٌّ نبيل"، التمسَتْ الالتحاق بإحدى كليات الطب المرموقة.

لم يكن تعليم الطب (وكذلك ممارسته)، في ذلك الوقت، محكومَين بقواعد تنظيمية منضبطة. ففي الولايات المتحدة، كان هناك مزيج من فرص التدريب المهني، والمدارس الهادفة إلى الربح، التي تقدم دورات تعليمية قصيرة، إلى جانب بضع كليات طبية قدَّمت مستوًى تعليميًّا أكثر إحكامًا. أما في أوروبا، فقد كان التعليم الطبي أكثر رسوخًا، حيث تمتد جذوره إلى النقابات المهنية والجامعات؛ وإنْ كان يغلُبُ على تلك الدورات الطابع النظري، لا العملي، غير أنَّ التجربتين، على اختلافهما، اتفقتا على شيء واحد، هو: أنَّ المرأة لم يكن لها مكان.

كتابات على الجدران في أمستردام تحتفي بالطبيبات والمُمرِّضات اللاتي تحارِبن جائحة "كوفيد-19".

كتابات على الجدران في أمستردام تحتفي بالطبيبات والمُمرِّضات اللاتي تحارِبن جائحة "كوفيد-19".

Credit: Paulo Amorim/VW Pics via Zuma/eyevine

ومهما يكُن من شيء، ففي عام 1847، تمكَّنت إليزابيث بلاكويل من الالتحاق بكلية جنيف للطب (التي تَغيَّر اسمها فيما بعد إلى "كليات هوبارت وويليام سميث")، الواقعة في غرب نيويورك، بناءً على تقييم الطلاب الآخرين، الذين كانوا جميعا من الذكور. كان تصويت هؤلاء الطلاب لصالح قبول إليزابيث على سبيل المزاح، لكنها لم تلبث أن تفوَّقت عليهم، حيث احتلت المرتبة الأولى على مستوى الصف بأكمله، ونالت تصفيقًا في حفل التخرج. غير أنَّ حصولها على الشهادة لم يجعل الطريق أمامها ممهَّدًا؛ فلِكَيْ تتمكن من اكتساب خبرة في مجال التوليد في أحد مستشفيات باريس، وبالنظر إلى أنها لم تستطع أن تحظى بالاعتراف كطبيبة مؤهلة، فقد كان عليها أن تعود إلى دراسة عمل القابِلة.

مَنْ شابَه أخاه!

كان مشوار إميلي، الأخت الصغرى لإليزابيث، أيسر قليلًا؛ فقد التحقَتْ بكلية راش الطبية، ومقرُّها في مدينة شيكاغو بولاية إلينوي، وإنْ لم يتسنَّ لها إتمام دراستها هناك. وفي عام 1854، تخرجت في كلية كليفلاند الطبية (التي تتبع الآن جامعة كيس ويسترن ريزيرف)، الواقعة في ولاية أوهايو. وفي النهاية، أصبح لدى الشقيقتين بلاكويل مستشفاهما الخاص، حيث أنشأتا "مستشفى نيويورك للنساء والأطفال المعوزين" في عام 1857.

اعتمدَتْ الأختان فيما أصابتا من نجاح على تفرُّدهما من جهة، ومن جهةٍ أخرى على قلَّةٍ من الرجال ذوي العقول المتفتحة، الذين قُيِّض لهما أن تصادفاهم خلال مسيرتهما، في صفوة المستشفيات وكليات الطب. عندما كانت تلوح فرصة أمام امرأة، أو يُفتح لها باب من الأبواب، لم يكن ذلك يعني أن الباب مفتوح أمام النساء جميعًا، وإنما هو مفتوح لتلك المرأة بعينها، أو نتيجةً لوجود ثغرة ما، حتى إذا مرَّتْ منه، أُوصِد وراءها مرةً أخرى. فما من انتصارٍ من هذه الانتصارات التي تَحقَّقت بشق الأنفس، إلا وكانت له ظروفه الخاصة. كيف لا، وقد كان يُنظر إلى النساء على جملتهن على أنهنَّ غير مؤهَّلات تمامًا لاحتراف مهنة الطب!

على أنَّ النساء القلائل، اللاتي بدأن في الظهور على الساحة الطبية في الولايات المتحدة وأوروبا في خمسينات وستينات القرن التاسع عشر، لم يتفقن على الأدوار التي ينبغي إسنادها إلى النساء، والنُهُج التي كان ينبغي عليهن سلوكها. وعلى سبيل المثال، كانت فلورنس نايتنجيل، التي اشتُهرت بالإصلاحات التي أدخلَتْها على مجالَي الوبائيات والصحة العامة خلال حرب القرم -وهي من معارف الأختين بلاكويل- تعتقد أنَّ على النساء أنْ يعملن ممرضات، أمّا الأطباء، فيجب أن يكونوا جميعا من الذكور. وكانت من بين الأمور المثيرة للخلاف أيضًا الطريقة المُثلى لتعليم الطبيبات.

لم تكن إليزابيث بلاكويل حريصةً على التدريب الطبي بمعزل عن الرجال، إلى أن جاء آخرون، وشرعوا في إنشاء كليات طبية للنساء فقط، مثل كلية الطب للبنات في بنسلفانيا بولاية فيلادلفيا. وفي عام 1868، رضخَتْ الأختان بلاكويل للضغوط (والغياب المستمر لفُرص التعليم المختلط)، وأنشأتا كلية الطب للنساء بمستشفى نيويورك. كان عمل الأختين في تلك المرحلة يتلخَّص في معركة مالية متَّصلة؛ فقد سَعَتْ إليزابيث جاهدةً إلى استقطاب المتبرعين، وكثيرًا ما كانت تدخل في صدامات مع الشركاء المحتمَلين.

في كتابها الذي بين أيدينا، تُقدِّم نيمورا إطلالةً على أفكار الأختين وآرائهما، وتعرِضُ لها بشيءٍ من التفصيل، من خلال استعراض مجموعة نفيسة من الرسائل المتبادلة بينهما (وكذلك بينهما وبين إخوتهما)، إلى جانب المذكِّرات التي تكشف عن صورة معقدة، حيث لم تكن روح الريادة والعزيمة الصلبة التي ميَّزت الأختين تعني اتساق آرائهما على الدوام مع وجهات النظر الحديثة.

والحقُّ أنَّ إليزابيث، على وجه الخصوص، كانت صاحبة شخصية صعبة؛ فرغم أنها كانت تتَّصف بالإخلاص والصراحة، عُرف عنها أيضًا أنها كانت حادة الطبع، وتفتقر إلى الإحسان، وتُفرط في السخرية من معظم النساء من حولها، ومنهنَّ الحاصلات على شهادات طبية. ومن ثمَّ، يمكن اعتبارها "ملكة نحل"، بالتعبير الإنجليزي المعاصر، الذي يُطلَق على الشخص الذي تُعرف عنه الأنانية، أو التعالي على أصحاب المهنة ذاتها.

ظلت الأختان بلاكويل تُشكلان مركز قوة، وتحظيان بالاحترام، بل والحب، نظير ما أنجزتاه في تاريخ الطب. وهذا الكتاب يتتبَّع سيرة حياتهما، حتى وفاتهما في العام نفسه (1910). غير أنَّ السِّتار لم يُسدل عليهما برحيلهما؛ فلنا أن نجد لقصتهما نهايةً أوقع، وأصدق تعبيرًا عن روح الانتصار، تتمثل في قبول النساء بكلّيتين للطب، افتُتحتا في تسعينات القرن التاسع عشر، وهما كلية جونز هوبكنز في مدينة بالتيمور بولاية ميريلاند، وكلية كورنيل الطبية في مدينة نيويورك، وكلتاهما أخذَتْ بنهج التعليم الطبي المختلط. وفي عام 1899، أُغلقت كلية الطب للنساء، التي أنشأتها الأختان بلاكويل، بعدما كان هدف إليزابيث، المتمثل في ضمان المساواة بين الجنسين في إتاحة الفرص التعليمية، قد تحقق أخيرًا.

ومع ذلك.. فقد استغرق الأمر مرور أكثر من 150 عامًا على افتتاح أولى الكليات الطبية للنساء في الولايات المتحدة، لكي تشكل النساء في عام 2017 أكثر من نصف عدد الطلاب المُسجَّلين للالتحاق بكليات الطب في البلاد. ولا تزال الشكوك تساور الكثيرين بشأن قدرة المرأة (أو الطبيب الذي ينتمي إلى إحدى الأقليات) على استخدام المبضع الجراحي، أو تقديم المشورة الطبية، بالكفاءة نفسها التي قد يمتلكها طبيب من ذوي البشرة البيضاء. إنّ العالَم الذي نعيش فيه يشبه في غير قليلٍ من الوجوه ذلك العالَم الذي عاشت فيه الأختان الطبيبتان بلاكويل.

هانا فونش

أستاذة في قسم التخدير وطب الألم، والقسم المشترك لطب الرعاية الحرجة في جامعة تورونتو بكندا، وأستاذة كرسي الأبحاث الكندي في تنظيم الرعاية الحرجة ونتائجها.

عنوان البريد الإلكتروني: hannah.wunsch@sunnybrook.ca