أنباء وآراء

قنابل كهرومغناطيسية كونية تكشف أسرارها

شُوهِد في الخلفية الكونية ما يُعرف بالانفجارات الفلكية للنجوم المغناطيسية العملاقة، بيد أنها كانت انفجارت شديدة السطوع إلى حد أعمى معه أجهزة الرصد. وأخيرًا، كَشَف انفجار فلكي في نقطة أبعد من سابقيه بعض تفاصيل هذه الانبعاثات. 

كريستوفر تومسون
  • Published online:
شكل 1: مجرة "النحات" Sculptor، أو NGC 253. تشير تحليلات1-3 دفقة من انبعاثات أشعة جاما الصادرة من هذه المجرة إلى أنها ناتجة عن انفجار ضخم من أحد النجوم المغناطيسية، وهي بقايا نجمية عالية المغناطيسية.

شكل 1: مجرة "النحات" Sculptor، أو NGC 253. تشير تحليلات1-3 دفقة من انبعاثات أشعة جاما الصادرة من هذه المجرة إلى أنها ناتجة عن انفجار ضخم من أحد النجوم المغناطيسية، وهي بقايا نجمية عالية المغناطيسية.

Credit: Dylan O'Donnell

يتقصى كثيرٌ من الأبحاث الفلكية في القرن الواحد والعشرين ظواهر مؤقتة وعابرة. وتكشف التلِسكوبات التي تفتش عن جميع أشعة نطاق الطيف الكهرومغناطيسي، بدءًا من الموجات الراديوية إلى أشعة جاما، عن مجموعة مذهلة من التغيرات المفاجئة السريعة، والغامضة -في كثير من الأحيان- التي تطرأ في الفضاء. وقد شاب القصور فهْمنا للعديد من أنواع الانفجارات الكونية، مثل المستعرات العظمى، وأحداث تدفق أشعة جاما. ويرجع ذلك إلى عجزنا عن رصد الآليات الداخلية لهذه الظواهر، وإلى ندرة حدوثها في مجرّتنا. وفي ورقتين بحثيتين2،1 نُشرتا مؤخرًا في دورية Nature، إلى جانب دراسة أخرى ثالثة3 نُشِرت في دورية "نيتشر أسترونومي" Nature Astronomy، يضع باحثون بعض الأسس لدراسة مجموعة من مصادر الانفجارات الفلكية المولِّدة لأشعة جاما خارج مجرّتنا، وهي مصادر توجد نظائر مشابهة لها بالقرب من كوكبنا، ودُرِست جيدًا في حالة السكون. وقد تكون مرتبطة بأحداث التدفق الراديوي السريعة4، التي تُعَد من أكثر موضوعات علم الفلك إثارة للاهتمام.

تتألق بقايا نجمية تُعرف باسم النجوم المغناطيسية على نحو يختلف اختلافًا جوهريًّا عن أي نوع آخر من النجوم، إذ تبدو وكأنها نجوم نيوترونية عادية، مثل النجوم النابضة الراديوية، وتتسم بكثافات أكبر من تلك التي تميز الأنوية الذرية. غير أن مجالاتها المغناطيسية تكون أقوى ألف مرة من المجالات المغناطيسية لأغلب النجوم النابضة (إذ تصل قوتها إلى 1110 تسلا)5. والمحفِّز الرئيس لإشعاعات هذه النجوم ليس عمليات الاندماج النووي (كما في حال الشمس)، ولا عمليات إطلاق الطاقة الحرارية المتبقية (كما في حال الأقزام البيضاء التي تتشكل من بقايا نجوم شبيهة بالشمس)، ولا حتى الدوران النجمي (كما في حال النجوم النابضة الراديوية)، وإنما يؤدي اضمحلال التيارات الكهربية القوية التي تدعم المجالات المغناطيسية لهذه النجوم إلى تعزيز إطلاق فيض هائل إلى حد مذهل من الأشعة السينية وأشعة جاما.

وحتى في حال السكون، قد تبلغ شدة سطوع النجوم المغناطيسية مائة ضعف شدة سطوع الشمس5. وأقوى انفجاراتها أكثر سطوعًا بحوالي تريليون مرة من الشمس، بيد أنه من اللافت أنها قد تُطْلِق في جزء من الثانية طاقة أكبر من تلك التي انبعثت منها تدريجيًّا على مدار العقد السابق مباشرة. وقد أمكن اكتشاف هذه الانفجارات العملاقة بضع مرات داخل مجرة ​​درب التبانة، غير أن قربها منا يجعلها ساطعة إلى حد يشل معه القدرة على الرصد في تلسكوبات الأشعة السينية وأشعة جاما المحمولة في الفضاء6،5.

وقد بيَّن الباحث ديميتري سفينكين، والباحث أوليفر روبرتس مع الفريق البحثي لكل منهما، وجود علاقة وثيقة بين تلك الأحداث المجرِّية، ونبضة من أشعة جاما اكتُشِفت في الخامس عشر من إبريل في عام 2020، نجح سفينكين وزملاؤه في الوصول إلى مصدرها (وهو مجرة NGC 253 القريبة منا، المعروفة أيضًا باسم "مجرة النحات" Sculptor galaxy، في الشكل 1) بتقنية التثليث، وذلك باستخدام مجموعة من الأدوات تشكل معًا ما يُعرف باسم "الشبكة الكوكبية" Interplanetary Network. ومن هذه المسافة، تمكَّن واضعو الدراستين من الوقوف بدقة على بعض تفاصيل طيف أشعة جاما المنبعث من الانفجار والمخطط الزمني الذي سلكه، والذي تَبيَّن أنه يكاد يكون مطابقًا لانفجار آخَر وقع خارج المجرة، ورُصِد سابقًا، حيث يظهر بوضوح دخول عنصرين في تحديد شكل الانفجار المولِّد لأشعة جاما: أحدهما قصير الأمد، ومتغير بسرعة فائقة (يستمر عدة ملّي ثوان)، والآخر أطول أمدًا، ويضمحل بوتيرة ثابتة، وبسرعة أبطأ بعشر مرات، ويحمل طاقة مماثلة لطاقة العنصر الآخر، أو أكبر منها.

إذًا، ما الذي يجعل انبعاثات النجوم المغناطيسية شديدة التقطع، مقارنةً بأنواع النجوم الأخرى؟ بعض النجوم القزمة البيضاء النائية –على سبيل المثال- يكون أيضًا شديدة المغناطيسية7. ومع ذلك، لم تُعْزَ قط إلى أي منها انفجارات كهرومغناطيسية شديدة.

لعل الإجابة مرتبطة بكون النجوم المغناطيسية أجسامًا شديدة البرودة في لبها، رغم أن سطوحها أكثر سخونة من سطوح النجوم الأخرى5. وتحتوي الطبقات الخارجية لهذه النجوم النيوترونية على أنوية ثقيلة غنية بالنيوترونات، تبدأ في التجمُّد لتأخذ شكل مادة صلبة بعد وقت قصير من الانهيار النجمي الذي يُحفِّز تكوُّن النجم النيوتروني8. وتتسم هذه القشرة بخصائص غريبة، إذا ما قورنت بخصائص الطبقة الخارجية للأرض. فقد انخفضت درجة حرارة الجزء العميق منها لتقل كثيرًا عن درجة انصهار المادة النووية التي شكّلتها. وإضافة إلى ذلك، تُعَد هذه المادة موصلًا ممتازًا للكهرباء، وهو ما يجعلها تربط بقوة بين الكهرباء والمجال المغناطيسي المتمعج للنجم. وعليه، لا بد أن يتحرك المجال المغناطيسي والقشرة معًا، إما ببطء في أثناء فترة السكون، أو بسرعة أكبر في أثناء الانفجار.

ولا تزال البحوث جارية للوقوف بدقة على كيفية حدوث انفجارات النجوم المغناطيسية. فعلى النقيض من الغلاف الجوي المغناطيسي الحار للشمس، لا تتسم هذه النجوم بحركات حمل حراري دوّامية تعمل بقوة على تغيير شكل المجال المغناطيسي المتأصل بها. ومع ذلك، ففي حال اندلاع انفجار ضخم بهذه النجوم، يمكننا أن نجزم بدرجةٍ ما بأن قشرتها تشهد اضطرابات شديدة واسعة النطاق؛ ومثالها: حركة للصفائح التكتونية تؤدي إلى تبادُل مدينتَي كاليفورنيا ونيويورك لموضعيهما. والعنصر الأبطأ في هذه الانفجارات، الذي رُصِد في الخامس عشر من إبريل الماضي، ونظائره، يتلازمان مع نواتج سكون عملية تغيُّر قشرة النجم.

ومثل هذه الاضطرابات من شأنها أن تؤدي إلى تحريف المجال المغناطيسي الخارجي للنجم المغناطيسي، وهو ما ينتِج تيارات كهربية غير مستقرة، أقوى بمليار مرة من تلك التي تتدفق عبر هالة الشمس10،9.كما قد تترتب على هذه الاضطرابات نتيجة أخرى، تتمثل في لفظ إحدى الحلقات المغناطيسية بالنجم، مثلما يحدث في الانفجارات الشمسية الكبيرة12،11، لتغدو الاضطرابات المغناطيسية عندئذ قوية بما يكفي لتكوين غاز كثيف متدفق من الإلكترونات، والبوزيترونات، وأشعة جاما. ويُعتقد أن تفاعُل هذا الغاز الموصّل للكهرباء مع المجال المغناطيسي للنجم ينتج طيف أشعة جاما، الذي استطاع رصده كل من ديمتري سفينكين، وأوليفر روبرتس وفريقيهما البحثيين، والذي دام لأقل من ثانية.

وقد أدّت دراسة أخرى3 أجراها مشروع "تلسكوب فيرمي واسع النطاق" Fermi LAT إلى فتح نافذة جديدة، يمكن أن نطل منها على انفجارات النجوم المغناطيسية. وتفيد هذه الدراسة بأن أشعة جاما منخفضة الطاقة المشار إليها في الدراستين الأخريين2،1 قد تبعها –بعد 19 ثانية- انبعاث ذو طاقة أعلى لأشعة جاما، استمر لعدة دقائق. ويُعَد هذا أول اكتشاف لأشعة جاما متأخرة وعالية الطاقة تنبعث من انفجار نجم مغناطيسي. وأحد التفسيرات التي اقترحها الباحثون لهذا الحدث هو انطلاق سحابة من الأيونات (النسبية) سريعة الحركة في أثناء الانفجار؛ حيث تُنتِج أشعة جاما عالية الطاقة في موجة صدمية عندما يضرب الانفجار الوسط الغازي لمجرّة NGC 253. غير أنه لم يتضح بعد ما إذا كانت انفجارات النجوم المغناطيسية تحتوي على كتلة كبيرة من الأيونات، أم لا. والنبضة التي تتكون من إشعاع كهرومغناطيسي محض تقريبًا قد تنتج بدورها موجة صدمية، وقد تتفاعل أولًا مع سديم نسبي من الجسيمات المحصورة حول النجم المغناطيسي.

وإجمالًا، تفيد الأبحاث الثلاثة بأن الانفجارات المولِّدة لأشعة جاما تقدم لنا أدلة مباشرة على الكيفية التي تهدأ بها الاضطرابات المغناطيسية داخل النجوم النيوترونية وحولها. وقد كانت الطاقة المقاسة في هذه الأحداث أقل 1000 مرة أو أكثر من تلك التي تنتجها غالبية أحداث تدفق أشعة جاما الناتجة عن تصادم النجوم النيوترونية، على الرغم من أن مدة انبعاث هذه الطاقة كانت مشابهة لها في هذه التصادمات. وحتى الآن، عجز علماء الفيزياء النظرية الذين يضعون نماذج لأحداث تدفُّق أشعة جاما عن الاتفاق على العملية التي تنتج انبعاثات أشعة جاما المميزة لتلك الانفجارات. وسوف يساعد فهْم أوجه التشابه والاختلاف بين انفجارات النجوم المغناطيسية على تضييق نطاق الاحتمالات. كذلك سوف يؤدي الرصد المستمر للنجوم المغناطيسية في المجرات القريبة إلى تضييق نطاق النماذج المحتملة لأصل أحداث التدفق الراديوي السريعة.

References

  1. Svinkin, D. et al. Nature 589, 211–213 (2021). | article
  2. Roberts, O. J. et al. Nature 589, 207–210 (2021). | article
  3. The Fermi LAT collaboration. Nature Astron. https://doi.org/10.1038/s41550-020-01287-8 (2021). | article
  4. Weltman, A. & Walters, A. Nature 587, 43–44 (2020). | article
  5. Kaspi, V. M. & Beloborodov, A. M. Annu. Rev. Astron. Astrophys. 55, 261–301 (2017). | article
  6. Hurley, K. et al. Nature 434, 1098–1103 (2005). | article
  7. Ferrario, L., de Martino, D. & Gänsicke, B. T. Space Sci. Rev. 191, 111–169 (2015). | article
  8. Ruderman, M. A. Nature 218, 1128–1129 (1968). | article
  9. Thompson, C. & Duncan, R. C. Astrophys J. 561, 980–1005 (2001). | article
  10. Thompson, C., Yang, H. & Ortiz, N. Astrophys. J. 841, 54 (2017). | article
  11. Lyutikov, M. Mon. Not. R. Astron. Soc. 367, 1594–1602 (2006). | article
  12. Parfrey, K., Beloborodov, A. M. & Hui, L. Astrophys. J. 774, 92 (2013). | article

كريستوفر تومسون

يعمل في المعهد الكندي للفيزياء الفلكية النظرية في جامعة تورنتو، تورنتو، أونتاريو M5S 3H4، كندا.

البريد الإلكتروني: thompson@cita.utoronto.ca