افتتاحيات

في مواجهة التغيُّر المناخي.. لا غِنى عن بيانات موثوق بها بشأن التمويل

لا بد من الاتفاق على نظام لتسوية الخلافات القائمة حول مقدار التمويل الذي تقدمه الدول الغنية إلى الدول الفقيرة لإقامة المشروعات صديقة البيئة. 

  • Published online:

قبل أسبوعين من إقرار اتفاق باريس بشأن تغيُّر المناخ، في عام 2015، نشرت الحكومة الهندية تقريرًا كاد يعصف بالمحادثات المؤدية إلى تبنِّي هذا الاتفاق.

كان على الدول النامية الالتزام بخفض انبعاثات الكربون الناجمة عن الاحتباس الحراري. وفي مقابل ذلك، كان من المقرَّر أن تتلقَّى تلك الدول من الدول المتقدمة، بحلول عام 2020، دعمًا ماليًّا يصل إلى 100 مليار دولار أمريكي سنويًّا، يُخصَّص لتمويل جهود مواجهة التغيرات المناخية. وقد كشفت البيانات التي نشرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، التي تمثل عدة دول غنيَّة، أن تلك الدول المتقدمة كانت في طريقها إلى تحقيق تلك الغاية؛ إذ قدَّمَتْ حوالي 50 مليار دولار سنويًّا إلى الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط (go.nature.com/3rrmvoe). غير أنَّ الهند أفادت بأن الرقم الحقيقي لم يزد على 2.2 مليار دولار تقريبًا، وأن الأرقام التي قدَّمتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ربما انطوَتْ على "تلاعب ومبالغة"(go.nature.com/3rx5u0p) ؛ الأمر الذي أدَّى إلى تأجيج الخلافات القائمة بين الجانبين.

لكنَّ اجتماع باريس مرَّ بسلام، بعد تعهُّد كلٍّ من الدول المتقدمة والدول النامية بخفض انبعاثات الكربون الناجمة عن الاحتباس الحراري، والعودة إلى مناقشة التزامات أكثر طموحًا في عام 2020. ومع ذلك، فقد استمر الجدل حول بيانات التمويل. وحتى يومنا هذا، بعد انقضاء خمس سنوات على دخول اتفاق باريس حيز التنفيذ، لا يزال هذا الجدل دائرًا، ويلقي بظلاله على الدورة السادسة والعشرين لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيُّر المناخ (COP26)، المقرر انعقادها في نوفمبر المقبل؛ حيث ستجتمع الدول الأعضاء في مدينة جلاسجو بالمملكة المتحدة، من أجل تقييم الإجراءات المتَّخذة للوفاء بالتزاماتها حيال قضية التغيُّر المناخي.

سوف يكون هذا العام عامًا مفصليًّا فيما يتعلق بجهود مواجهة التغيرات المناخية؛ فقد تعهدت دولٌ عدَّة بالسعي إلى القضاء على انبعاثات الكربون نهائيًّا. على أننا لم نشهد سوى تقدُّم طفيف على طريق تسوية الخلافات القائمة حول التمويل الحكومي لجهود مواجهة التغيرات المناخية. هذا على الرغم من أنَّ الدول المتقدمة قد وفَّرت في عام 2018 دعمًا ماليًّا يُقدر بحوالي 80 مليار دولار، بلغ حجم التمويل الحكومي منه 62.2 مليار، بينما بلغ حجم الأموال المقدَّمة من القطاع الخاص 14.6 مليار، وذلك وفقًا لأحدث البيانات الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (go.nature.com/38fujnd). وإذا استمرت الزيادة على هذا المنوال، فسوف تصبح هذه الدول قاب قوسين أو أدنى من تحقيق الهدف المرصود (المتمثل في توفير 100 مليار دولار لرفد جهود مواجهة تغيُّر المناخ) في عام 2020.

غير أنَّ هناك دراساتٍ أخرى تقدم بيانات مغايرة؛ ففي شهر أكتوبر الماضي، كشف تقرير صادر عن منظمة "أوكسفام" Oxfam، المعنية بتقديم المعونات وشؤون التنمية، عن أن المساعدات المتعلقة بالمناخ التي وفرتها الدول المتقدمة خلال عامَي 2017 و2018 لم تتجاوز 22.5 مليار دولار (go.nature.com/3hrgxkl). وفي العام الماضي، توصَّل باحثون مكلَّفون من قِبل الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، إلى أن الدول المانحة تضيف إلى أرقام إسهاماتها الفعلية مَبالغ تتراوح بين 3 و4 مليارات دولار (go.nature.com/2mdzghp).

ويرى سليم الحق، مدير المركز الدولي لتغيُّر المناخ والتنمية، ومقرُّه في العاصمة البنجالية دكا، أن هذا التبايُن في التقديرات ليس بالشيء الجديد، ولكنه يصبُّ في اتجاه غياب الثقة مجددًا، قبيل انعقاد مثل هذا الاجتماع المهم حول المناخ. والحلُّ الأمثل، من وجهة نظره، يتمثَّل في أن يُعهَد بعملية التحقُّق من البيانات إلى منظمات تحظى بثقة جميع الأطراف، أو أن تخضع لإجراءاتٍ تُعَد موضع ثقةٍ من الجميع؛ وإلا فلا أمل في إيجاد حلٍّ لهذه التبايُنات.

وتتمثل إحدى نقاط الخلاف الجوهرية في أن حوالي 80% مما تتلقَّاه الدول النامية من تمويل خاص بالمناخ يُقدَّم إليها على هيئة قروض. أما التمويل المقدَّم في صورة مِنَح، فتشهد معدلاته تراجُعًا متواصلًا؛ حيث انخفضَتْ بين عامي 2013 و2018، على سبيل المثال، من 27% إلى 20%. ومما تجدر الإشارة إليه أن الاتجاه إلى الإقراض يُعَد أمرًا إشكاليًّا، لسببين: أولهما، أن القروض يتعين سدادها، مضافةً إليها قيمة الفائدة؛ والثاني، أن القروض غالبًا ما تُمنح لتمويل مشروعات ذات عائدٍ على الاستثمار، مثل مشروعات توليد الطاقة. وفي الوقت ذاته، تنخفض فرص الحصول على قروض لتمويل مشروعات من شأنها أن تجعل الدول أقدر على مجابهة التحديات، ولكنها لا تجلب ربحًا، مثل مشروعات التشييد الهادفة إلى مواجهة الفيضانات.

ومما يعزز الشكوك القائمة، فيما يتعلق بالتمويل الموجَّه إلى مواجهة التغيرات المناخية، غياب أية قواعد متفَق عليها لحصر تلك الأموال. ففي التقرير الصادر عن الهند في عام 2015، على سبيل المثال، حصر الباحثون مبلغًا مقداره 2.2 مليار دولار، قالوا إنه إجماليُّ ما تم إنفاقه بالفعل، في حين جاءت البيانات المقدَّمة من الدول المانحة متضمنةً كافة المبالغ التي تعهدت تلك الدول بتقديمها، بغضِّ النظر عما إذا كانت تلك الأموال قد وصلت إلى الجهات المستهدفة، أم لا. كما جاءت الحسابات الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية متضمنةً أموالًا موجهة إلى مشروعات لا ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمساعي التخفيف من آثار التغيرات المناخية؛ حيث نجد أنها تُورِد ضمن تقاريرها، على سبيل المثال، تمويل إقامة مشروعات أكثر كفاءة للحصول على الطاقة من الفحم، على اعتبار أن تلك المشروعات تسهم في خفض انبعاثات الكربون، بالمقارنة بتقنيات أقدم لتوليد الطاقة من الفحم.

يعمل الباحثون في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وفقًا للكتيب الإرشادي الذي أُقِرَّ خلال الدورة الرابعة والعشرين لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيُّر المناخ (COP24)، الذي عُقد في بولندا عام 2018. وتعكف الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة على محاولة إيجاد طرق للحصول على بيانات أكثر دقة. ولكنْ حتى إذا تم التوصل إلى معايير واضحة، وآليات أكثر شفافية لإعداد التقارير، فهناك أمر لن يتغير، وهو أنَّ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هي منظمة حكومية، لا تمثل غالبية الدول. ولو أردنا تجنُّب كثرة الأخذ والرد في هذا الملف، يلزم التوصل إلى آلية للتحقُّق من المبالغ المدفوعة لتمويل جهود مواجهة التغيرات المناخية، تشمل وجهات نظر الدول غير الأعضاء في المنظمة.

"في نظر الكثيرين، يُعَد مؤتمر الأمم المتحدة السادس والعشرون بشأن المناخ آخر فرصة لاتخاذ خطوات موحدة وهادفة في هذا الملف".

وإذا رغبَتْ الدول المتقدمة والنامية في الاتفاق على قواعد لحساب مبالغ الدعم، فعليها أن تنظر في إمكانية الاستعانة بطرف ثالث، يكون محل ثقة الأطراف كافة، ويلعب دورًا في وضع معايير التحقق من البيانات، على ألا يكون منخرطًا في تجاذبات الدبلوماسية الدولية. قد يكون هذا الطرف هو اللجنة الإحصائية التابعة للأمم المتحدة، أو المنظمة الدولية لتوحيد المعايير. وحول هذا الشأن، قال سلوين هارت، مستشار الأمين العام للأمم المتحدة بشأن تمويل جهود مواجهة التغيرات المناخية: "يتعين على الدول أن تقدم مقترحات، وأن تتوصل إلى تفاهم مشترك، يجعل كافة الأطراف مطمئنة إلى تحقق اعتبارات الدقة والمساءلة".

بقي على انعقاد الدورة السادسة والعشرين لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيُّر المناخ (COP26) أقل من عام. وفي نظر الكثيرين، يُعَد هذا المؤتمر آخر فرصة لاتخاذ خطوات موحدة وهادفة بشأن التغيرات المناخية؛ ولذا، فلا بديل عن نجاح هذا المؤتمر. وهو ما يستلزم من الدول المتقدمة والنامية الاتفاق على أهداف طموحة لخفض الانبعاثات، وضمان حصول الدول الأشد فقرًا، وكذا الدول الأكثر عُرضة لتبعات التغيرات المناخية، على الدعم اللازم لتطوير اقتصادها بصورة أكثر استدامة، بما يمكِّنها من مواجهة الآثار الحتمية الناجمة عن الاحتباس الحراري. بقي أن نُشير إلى أنَّ هذا المبلغ الذي تعهَّدت الدول المتقدمة بتقديمه (100 مليار دولار) لا يمثل سوى جزء ضئيل من المبلغ المطلوب؛ وهو ما يستدعي تغيير مسار الاستثمار حول العالم على النحو الذي يدعم التنمية المستدامة. إذا استطاع قادة العالم تحقيق هذه الغاية، فسوف يكون ذلك بمثابة طوق النجاة الحقيقي لكوكب الأرض.