تحقيق إخباري

ما هي تداعيات السعي المحموم لتوفير لقاحات كورونا على الأمراض الأخرى؟ 

من شأن المقاربة السريعة التي استُخدمت في التصدي لفيروس "سارس-كوف-2" أن تغيِّر مستقبل علم اللقاحات. 

فيليب بول
  • Published online:

Credit: Michael Clevenger/Getty

حين شرع العلماء في السعي لتطوير لقاح ضد فيروس كورونا الجديد "سارس-كوف-2" في مطلع عام 2020، حرصوا على عدم تقديم أي وعود بتحقيق نجاح سريع في ذلك الصدد، إذ إن أسرع عملية تطوير لِلِقاح جرت سابقًا، وهو لقاح مرض النُكاف، الذي طُوِّر في ستينات القرن الماضي، كانت قد استغرقت أربع سنوات؛ بدايةً من جمع العينات الفيروسية، وصولًا إلى اعتماد اللقاح. ومن ثم، بدا أن الأمل في توفير لقاح للجائحة، قبل حتى أنْ يحل صيف عام 2021، ينطوي على قدر كبير من التفاؤل.

لكن مع بداية شهر ديسمبر الماضي، أعلن عدد من مطوري اللقاحات عن تحقيق نتائج مذهلة في تجارب ضخمة، صدرت نتائج مبشرة عن المزيد منها. وفي الثاني من الشهر نفسه، أصبح اللقاح الذي أنتجته عملاقة صناعة الأدوية، شركة "فايزر" Pfizer، بالتعاون مع شركة التكنولوجيا الحيوية الألمانية "بيونتِك" BioNTech، أول لقاح يجتاز جميع الاختبارات، ويُعتمد للاستخدام الطارئ.

وحول ذلك، تقول ناتالي دين، خبيرة الإحصاء الحيوي من جامعة فلوريدا في مدينة جينزفيل الأمريكية، إن الخطى السريعة التي أُحرِز بها هذا التقدم "تطعن في صحة مفهومنا التقليدي برمته لما يمكن تحقيقه في مجال تطوير اللقاحات"، فبات الأمل يحدونا إلى التطلع لإنتاج لقاحات أخرى خلال فترات زمنية مماثلة. والحق هو أننا في حاجة ماسة إلى تلك اللقاحات، إذ تودي أمراض مثل الملاريا، والدرن، والالتهاب الرئوي مجتمعة بحياة ملايين الأشخاص كل عام. ويتوقع الباحثون أيضًا تفشي المزيد من الأوبئة الفتاكة مستقبلًا. 

وفي ذلك الصدد، يقول دان باروك، مدير مركز أبحاث علم الفيروسات واللقاحات، التابع لكلية هارفارد للطب في مدينة بوسطن بولاية ماساشتوستس الأمريكية، إنه يكاد يكون من المؤكد أن جائحة "كوفيد-19" سوف تغيِّر مستقبل علم تطوير اللقاحات. ويضيف قائلًا: "توضح هذه التجربة مدى السرعة التي يمكن أن تمضي بها عملية تطوير اللقاحات في حالات الطوارئ العالمية الحقيقية، وفي حال توفُّر ما يكفي من الموارد". ويردِف بأن جهود التصدي لتفشي جائحة "كوفيد-19" أثبتت صلاحية طرق جديدة لإنتاج اللقاحات، مثل التقنيات التي تستخدم الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA)، و"هذا أظهر أنه يمكن تسريع وتيرة تطوير اللقاحات بدرجة كبيرة، دون التفريط في أمانها".

تمكَّن العالم من تطوير لقاحات ضد مرض "كوفيد-19" بهذه السرعة الكبيرة، بفضل سنوات من الأبحاث السابقة على فيروسات قريبة من الناحية التطورية للفيروس المسبب للجائحة، فضلًا عن ابتكار طرق أسرع لتصنيع اللقاحات، والتمويلات الضخمة التي سمحت للشركات بإجراء تجارب متعددة بصورة متزامنة، وتحرُّك الجهات التنظيمية بسرعة أكبر من المعتاد. ولعل بعض هذه العوامل قد يسفر عن ظهور مساع أخرى في مجال إنتاج اللقاحات، لا سيما إنشاء منصات تصنيع أعلى سرعة.

Credit: Dan Charity/AFP/Getty

غير أنه ليس هناك ما يضمن تحقيق المكاسب نفسها، لأن تكرار مثل هذا النجاح السريع سوف يتطلب تخصيص تمويلات ضخمة مماثلة من أجل تطوير اللقاحات، وهو ما لن يتحقق -على الأرجح- إلا في ظل وجود شعور مُشابه بالحاجة الاجتماعية والسياسية المُلحة إلى لقاح. وسوف يعتمد هذا بدوره على طبيعة المُمرِض، فبالنظر إلى أن فيروس "سارس-كوف-2" يتحور ببطء نسبيًّا، ويُصادف أنه ينتمي إلى فصيلة دُرِست على نحو وافٍ، ربما يكون الحظ قد حالف العلماء هذه المرة، وإنْ بدت هذه جملة غريبة لسامعها.

سنوات من الأبحاث المتقدمة

يُذكر أن الأبحاث التي ساعدت على تطوير اللقاحات المضادة لفيروس كورونا الجديد لم تبدأ في شهر يناير من عام 2020. فلقد أولى الباحثون اهتمامهم على مدار عدة سنوات لفيروسات كورونا قريبة تطوريًّا من فيروس "سارس-كوف-2"، تُسبِّب الإصابة بمرض المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (المعروف اختصارًا باسم "سارس" SARS )، ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (المعروفة اختصارًا بـ"ميرس" MERS). كما عكف بعضهم على العمل على تطوير أنواع جديدة من اللقاحات، وقد أثمرت جهودهم نتائج مذهلة الآن.

وتجدر الإشارة إلى أن اللقاحات التقليدية تحتوي على بروتينات فيروسية، أو أشكال مُعطلة من الفيروس نفسه، تحفز الدفاعات المناعية للجسم لمواجهة العدوى التي تحدث عن طريق الفيروس الحي، بيد أن أول لقاحين ضد مرض "كوفيد-19" أُعلن عن فاعليتهما في تجارب إكلينيكية واسعة النطاق (من المرحلة الثالثة) لم يَستخدِما إلا خيطًا من الحمض النووي الريبي المرسال لفيروس "سارس-كوف-2" داخل طبقة دهنية. ويشفِّر هذا الحمض أحد البروتينات الأساسية لفيروس "سارس-كوف-2". وبمجرد أن يدخل إلى خلايانا، تفرز أجسادنا هذا البروتين الذي يعمل كمُستضد؛ أي الجزيء الدخيل الذي يحفز الجسم لشنّ استجابة مناعية. وكلا اللقاحين -اللذين أنتجت شركة "فايزر" أحدهما بالتعاون مع شركة "بيونتِك"، فيما أنتجت الآخر شركة الأدوية الأمريكية "موديرنا" Moderna- يستخدمان الحمض النووي الريبي المرسال الذي يشفر البروتين الشوكي، وهو البروتين الذي يلتحم بأغشية خلايا الجسم البشري، ويسمح لفيروس كورونا بغزوها.

"بُذِل الكثير من أجل تطوير منصة الحمض النووي الريبي المرسال التي بحوزتنا اليوم"، حسبما تقول أكيكو إيواساكي، اختصاصية علم المناعة من كلية ييل للطب في مدينة نيو هايفن بولاية كونيتيكت الأمريكية، التي عملت لأكثر من عقدين من الزمان على تطوير اللقاحات القائمة على الحمض النووي، التي تعتمد على قطاعات من هذا الحمض، أو من الحمض النووي الريبي. وتضيف أن الأبحاث الأساسية لتطوير اللقاحات القائمة على الحمض النووي بدأت قبل ما لا يقل عن 25 عامًا، واستفادت اللقاحات القائمة على الحمض النووي الريبي من أبحاث قوية استمرت لفترة تراوحت من 10 أعوام إلى 15 عامًا، استهدف بعضها تطوير لقاحات ضد مرض السرطان. وقد اكتمل تطور هذا النهج في الوقت الملائم تمامًا، حيث لم تكن تقنية لقاحات الحمض النووي الريبي قبل خمسة أعوام جاهزة للاستخدام.

وعلى سبيل المثال، فطِن الباحثون في المعهد الوطني الأمريكي لأمراض الحساسية والأمراض المعدية (NIAID) في مدينة بيثيسدا بولاية ميريلاند الأمريكية، من خلال أبحاثهم على متلازمتَي "سارس"، و"ميرس"، إلى أنه من الأفضل ضبط تسلسل الحمض النووي الريبي، بحيث يستقر البروتين الشوكي الذي ينتجه الحمض على الشكل الذي يتخذه قبل التحامه مع الخلية المضيفة. وحول ذلك، يقول بارني جراهام، نائب مدير مركز أبحاث اللقاح بالمعهد الوطني الأمريكي لأمراض الحساسية والأمراض المعدية: "إذا استطعنا تقييد هذا البروتين ليلزم حالته الأصلية السابقة على الالتحام، لأصبح مُستَضدًا أفضل كثيرًا عند استخدامه في اللقاحات". وقد أعطت هذه الجهود البحثية فريق البحث بالمعهد، الذي تعاون مع شركة "موديرنا"، قصب السبق بمجرد تحديد التسلسل الجيني لفيروس "سارس-كوف-2" في شهر يناير من عام 2020. وتعقيبًا على ذلك تقول دين: "إن الاهتمام الكبير الذي حظيت به فيروسات كورونا سمح حقًّا بتسريع وتيرة هذه العملية برُمّتها".

أما اللقاح الثالث الذي ثبتت فاعليته في التجارب الإكلينيكية من المرحلة الثالثة في شهر نوفمبر الماضي، والذي أنتجته شركة الأدوية "أسترازينيكا" AstraZeneca بالتعاون مع جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة، فلا يستخدم الحمض النووي الريبي المرسال. وبدلًا من ذلك، يحمِل ناقل (أو حامل) فيروسي مادة جينية إضافية تُشفِّر البروتين الشوكي لفيروس "سارس-كوف-2". وقد استفاد هذا اللقاح أيضًا من سنوات من الأبحاث لاختيار الناقل، حيث اختارت الشركة في هذه الحالة شكلًا مُعدَّلًا من فيروس غُدّي استُخلص من براز بعض قردة الشمبانزي. ويعود الفضل أيضًا في مثل هذا التقدم في مجال اللقاحات التقليدية إلى الأبحاث التي أُجريت على أمراض "سارس"، و"ميرس"، و"الإيبولا"، و"الملاريا". وهي أبحاث استخدمت طرقًا أقل تكلفة، مقارنةً بتلك التي تستخدم الحمض النووي الريبي المرسال، حسبما تقول بياتا كامبمان، مديرة مركز اللقاحات، التابع لكلية لندن للصحة وطب المناطق الحارة. 

وتقول إيواساكي إن الباحثين في مجال تطوير اللقاحات قد حالفهم الحظ، من نواحٍ عديدة، في معركتهم مع فيروس "سارس-كوف-2"، فهو لا يتطفر كثيرًا، ولا يملك استراتيجيات فعالة لتعطيل الجهاز المناعي في جسم الإنسان، مثلما هو الحال مع فيروس نقص المناعة البشرية (HIV)، أو فيروس مرض الهربس، أو حتى فيروس الإنفلونزا، حسب قولها. وعلى سبيل المثال، يمتلك فيروس الهربس قدرة أكبر على المراوغة، بالمقارنة، لأنه يمنع الأجسام المضادة من الارتباط بمسببات المرض بفعالية، وهو ما يعزز صعوبة العثور على عنصر فعال يستطيع التصدي له. كما أن قدرة فيروسات الإنفلونزا على التطفر السريع تتطلب ابتكار تركيبة لقاح مختلفة في كل موسم من مواسم تفشي هذه الفيروسات.

تمويل شديد السخاء

يُذكر أن مرحلة اختبار اللقاحات الواعدة -وليس اكتشاف هذه اللقاحات- هي أبطأ مراحل تطوير اللقاح، إذ تستغرق هذه المرحلة غالبًا سنوات (انظر الشكل "ابتكار اللقاح")، حيث تُجرِي الشركات اختبارات الأمان والفعالية على الحيوانات، ثم على البشر. وتتطلب الاختبارات على البشر إجراء التجارب على اللقاحات على ثلاث مراحل، مع زيادة عدد الأشخاص المشاركين في التجارب في كل مرحلة، وهو ما يؤدي إلى زيادة  بالتناسب في التكاليف. ولقد خضعت اللقاحات المضادة لمرض "كوفيد-19" لهذه التجارب، بيد أن المليارات التي أُنفِقَت في هذه العملية سمحت للشركات بالخوض فيها بمجازفات مالية عن طريق إجراء بعض الاختبارات في وقت واحد معًا (انظر الشكل "لقاح واحد كل عام").

 

وبفضل الأموال الطائلة التي حصلت عليها شركات إنتاج اللقاحات من جهات التمويل العامة، والجهات الخيرية، "استطاعت أن تُجرِي بالتزامن كلًّا من تجارب المرحلة قبل الإكلينيكية، والأولى، والثانية، والثالثة، إضافة إلى عمليات التصنيع، بدلًا من إجرائها على التوالي"، حسبما يقول رينو رابولي، كبير العلماء في قسم اللقاحات بشركة «جلاكسو سميث كلاين» بمدينة سيينا الإيطالية. ونتيجة لذلك.. كان بوسع الشركات المجازفة بالشروع في إجراء تجارب واسعة النطاق، وتصنيع عقاقير واعدة قد لا يُكتب لها النجاح. وبعبارة أخرى، على حد تعبير كامبمان: "أُزيلت المخاطر التي تكتنف عملية تطوير اللقاح برمّتها تمامًا".

 
Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.
كبر الصورة

Sources: Our World in Data; Nature analysis

وترى كامبمان أنه لولا هذه التمويلات، ما كان لعلم اللقاحات أن يحقق مثل تلك النتائج السريعة، وتقول: "لم يحدث هذا مع فيروس الإيبولا الذي فتك بشعوب أفريقيا (في الفترة بين عامَي 2014، و2016)". ومن هنا، استغرق تطوير لقاحات الإيبولا وقتًا أطول. ولم يمكن تدبير الأموال اللازمة في وقتنا الحالي إلا لأن جميع الدول، ومن بينها الدول الغنية، وجدت نفسها مهددة بالدمار الاقتصادي. وهو ما يشير إلى أن عملية تطوير اللقاحات في المستقبل، ومن بينها لقاحات الأمراض الموجودة بالفعل مثل الملاريا، لن تمضي بالسرعة نفسها. و"بدون ضخ أموال كافية إلى عمليات تطوير اللقاحات، فلا سبيل لإسراع وتيرتها"، حسبما يقول رابولي.

ويشير بيتر هوتيز، عالِم الفيروسات من كلية بايلور للطب في مدينة هيوستن بولاية تكساس الأمريكية، إلى أن الحافز الذي حرك شركات الأدوية الضخمة ربما لم يكن وحده الرغبة في وقف انتشار الجائحة، بل لعله الرغبة أيضًا في اغتنام الفرصة من أجل الحصول على تمويلات حكومية لأنشطة هذه الشركات في مجال البحث والتطوير، فعلى حد قول هوتيز، يمثل برنامج اللقاحات الأمريكي المعروف باسم "عملية السرعة القصوى" Operation Warp Speed، الذي تبلغ ميزانيته حوالي 10 مليارات دولار أمريكي، "أضخم حزمة حوافز حكومية تخصَّص لشركات الأدوية على الإطلاق".

"لو أن فيروس المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة كان قد تفشى بمثل هذه القوة في عام 2002، لما وجدنا بحوزتنا آنذاك تكنولوجيا اللقاحات، أو المنظومات المتناغمة اللازمة للتصدي له".

 

إنّ الحاجة الملحة إلى مواجهة جائحة "كوفيد-19" لم تكن هي نفسها السبب الوحيد وراء هذا الزخم. فقد حفزت فيروسات فتاكة ومعدية تفشت في السابق إنشاء بِنى تحتية دولية ووطنية قادرة على تسريع عجلة عملية تطوير اللقاحات. وعلى سبيل المثال، شهد تفشي فيروسَي الإيبولا وزيكا بداية ظهور تنسيق دولي، أفضل من ذي قبل، فيما يتعلق بكيفية التصدي لأزمة تفشي مرض معدٍ. وحول ذلك، يقول جراهام: "لو أن فيروس المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة كان قد تفشى بمثل هذه القوة في عام 2002، لما وجدنا بحوزتنا آنذاك تكنولوجيا اللقاحات، أو المنظومات المتناغمة اللازمة للتصدي له، ولَوَاجَهْنا أزمة أصعب كثيرًا".

وفي عام 2017، دُشن "تحالف ابتكارات التأهب الوبائي" CEPI خصيصًا من أجل خلق البنية التحتية التقنية اللازمة لتطوير لقاحات سريعًا وبتكلفة معقولة ضد عدة فيروسات معروفة بقدرتها على الانتشار الوبائي، مثل فيروس متلازمة الشرق الأوسط التنفسية، وفيروس الإيبولا، وفيروس زيكا. وقد أسهم هذا التحالف -بصورة جزئية- في تمويل الأبحاث الخاصة باللقاحات المضادة لفيروس "سارس-كوف-2"، بما في ذلك تلك التي اُجرتها شركة "موديرنا"، وجامعة أكسفورد.

وفي المراحل الأخيرة للتجارب، استفادت الشركات من الانتشار الواسع لمرض "كوفيد-19"، نظرًا إلى حاجتها إلى عدد كبير من الإصابات، لكي تبرهن على فعالية لقاحاتها، إذ من الصعب إجراء اختبارات الفعالية حينما لا يكون المرض نفسه واسع الانتشار، لا سيما -كما تقول دين- عندما يتفشى الوباء بصورة غير منتظمة، كما في حال فيروس متلازمة الشرق الأوسط التنفسية، الذي كان يصل إلى ذروته في بعض المناطق، ويقل معدل الإصابة به في بعضها الآخر.

 
Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.
كبر الصورة

Sources: BioNTech/Pfizer; Nature analysis

قد تدعونا جائحة "كوفيد-19" إلى إعادة التفكير في الإجراءات التنظيمية التي نسلكها، فعلى الرغم من عدم  تخفيف المعايير الصارمة لاعتماد اللقاحات، اعتُمدت اللقاحات الأولى المرشحة لمواجهة الجائحة. وتحقق ذلك -في معظم الأحيان- بموجب الإجراءات التنظيمية لحالات الاستخدام الطارئ، التي تتميز بأنها أسرع وتيرةً، لكنها تُلزِم الشركات بإجراء متابعة استقصائية، تحسبًا لظهور آثار جانبية للقاح، ولدراسة مدى استمرار فاعليته. وقد تبادلت الجهات التنظيمية الوطنية فيما بينها معلومات بشأن إجراءات اختبارات اللقاحات المضادة للفيروس المسبب لمرض "كوفيد-19"، تحت رعاية كيان دولي يُسمى التحالُف الدولي للجهات الرقابية على الأدوية، أُنشئ في عام 2012 بهدف تحقيق التوافق بين هذه الجهات المعنية حول عدد من القضايا، مثل تحديد أفضل النقاط النهائية لاختبارات اللقاحات، وكيفية تنسيق جهود رصد الأعراض الجانبية لدى طرح اللقاحات للاستخدام (انظر أيضًا: Nature 588,195; 2020).

فوائد ستعود على اللقاحات الأخرى

من المتوقع أن نشهد في ظل جائحة "كوفيد-19" بعض التغيرات الدائمة التي تطرأ على صناعة تطوير اللقاحات، فبادئ ذي بدء، قد تبدأ هذه الصناعة في إقرار استخدام لقاحات الحمض النووي الريبي المرسال -التي لم تُعتمد من قبل للاستخدام العام في البشر- بوصف هذه اللقاحات نهجًا سريعًا للتصدي لأمراض أخرى. "فهذه التقنية تُحْدِث حاليًا ثورة في علم اللقاحات"، حسبما تقول كامبمان، إذ بالإمكان تخليق لقاحات الحمض النووي الريبي المرسال الواعدة تخليقًا كيميائيًّا في غضون أيام قليلة، على العكس من اللقاحات التي تستخدم تقنيات حيوية أكثر تعقيدًا في إنتاج البروتينات في الخلايا. وتضيف كامبمان قائلة في هذا الصدد: "من السهل توظيف هذه التقنية في نهج "الاستخدام الفوري للقاحات" الذي يتسم بالمرونة والسرعة، والذي سوف يتعين استخدامه في التصدي للأوبئة (في المستقبل)".

 

وفضلًا عن ذلك، يقول رابولي: "إن تقنية الحمض النووي الريبي تُبسِّط عملية التصنيع إلى حد كبير، إذ يمكن استخدام منشأة تصنيع اللقاح نفسها لإنتاج أحماض نووية ريبية، بهدف مواجهة أمراض مختلفة، وهو ما يقلل حجم الاستثمارات المطلوبة". ويتوقع أيضًا أن يؤدي ذلك النهج إلى تعظيم الشركات لقدراتها الإنتاجية؛ فحتى في أثناء إنتاجها اللقاحات ضد فيروس "كوفيد-19"، يتعين عليها أيضًا إنتاج لقاحات ضد الحصبة، وشلل الأطفال، وغيرهما من الأمراض. وهذه التقنية قد تساعد على تلبية هذه الاحتياجات في المستقبل.

ويرى هوتيز أن التجارب الإكلينيكية الضخمة التي تُجرى على اللقاحات المضادة لمرض "كوفيد-19"، وغيرها من اللقاحات قيد التطوير، من شأنها أن تزودنا ببيانات أوسع فائدة فيما يتعلق بفهم آليات الاستجابات المناعية. ويضيف هوتيز قائلًا: "بالنظر إلى كل تلك التقنيات المختلفة، والمعلومات التفصيلية التي جُمعت حول الخصائص الديموغرافية للمتطوعين في التجارب الإكلينيكية، والأجسام المضادة، والاستجابات الخلوية، فإن ما تعلمناه هذا العام من خلال استجابات اللقاحات المعدة للاستخدام في البشر ربما يُعادل، أو يزيد على، كل ما تعلمناه في العقود السابقة. وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى قفزات هائلة إلى الأمام في علم تطوير هذه اللقاحات".

ومع ذلك، يرجح أنه لن يمكن تطوير لقاحات أخرى بوتيرة مشابهة، إلا إذا توفرت تمويلات ضخمة، وارتفعت مستويات العدوى (ما يسمح بإجراء تجارب مكثفة بسرعة كبيرة نسبيًّا). وربما نجد صعوبة أكبر في التصدي للفيروسات الأخرى، مقارنةً بالصعوبات التي واجهناها في التصدي لفيروس "سارس-كوف-2".

لذا، نحن بحاجة إلى معرفة المزيد عن جميع فصائل الفيروسات، حسبما يقول الباحثون. ويقول جراهام إن هناك ما لا يقل عن 24 فصيلة من الفيروسات التي يمكن أن تصيب الإنسان. وبدلًا من انتظار ظهور الفيروس القادم لكي نصبّ كل الموارد في محاربته، فمن الأفضل أن تُنفَق الأموال الآن على إنشاء أنظمة مراقبة لكل تلك الفيروسات، وأن تُضخ النفقات للحصول على معلومات حول نماذج العدوى مع كل واحدة من هذه الفصائل.

بعبارة أخرى، بدون وجود منصة أبحاث أساسية قوية يمكن التعويل عليها، فإن نفقاتنا، مهما بلغ حجمها، لن تُجدي نفعًا. وفي الختام، تعقب إيواساكي على ذلك قائلة: "إن النجاح المذهل للقاحات المضادة لمرض "كوفيد-19" يُعَد مثالًا جيدًا لما يمكن أن يحققه العلم بسرعة كبيرة، بيد أن هذا الإنجاز لم يتحقق بين ليلة وضحاها".

فيليب بول

كاتب علمي مُقيم في لندن.