أنباء وآراء

الإيقاعات الدماغية التي تساعدنا على تعيين مواضع الحواجز المكانية

ذبذبات في نشاط الخلايا العصبية في الفص الصدغي الأوسط من دماغ الإنسان تعمل على ترميز مواضع الحدود والحواجز (مثل الجدران) عند تحديد المرء موقعه أثناء السير، وكذلك عند مراقبته شخصًا آخر يفعل ذلك.

هوجو جيه. سبيرز

  • Published online:

الاقترابُ من حافة منحدرٍ شاهقٍ تجربةٌ تحبس الأنفاس، وإذا رأيتَ أحدهم يفعل ذلك، فقد تُصاب بالقدر نفسه من التوتر. فقدرةُ أدمغتنا على معالجة الحد الفاصل بين نقطتين مكانيتين تحظى بأهمية بالغة، لا من أجل تجنُّب هذه الأخطار فحسب، وإنما لتحديد المواقع بوجهٍ عام؛ إذ يمكن لهذه الحدود أن تساعد على الوصول إلى أماكن الموارد. فالسَّير في وادٍ ضيق شديد الانحدار، مثلًا، قد يكون محفوفًا بالمخاطر، إلا أنه قد يكون ضروريًّا للعثور على الغذاء كذلك، أو لقاء الأصدقاء. فكيف يتسنَّى لأدمغتنا تتبُّع مثل هذه المعلومات؟ يشير ماتياس شتانجل وزملاؤه، في الدراسة التي نُشرت مؤخرًا في دورية Nature1، إلى أن ثمة إيقاعاتٍ دماغية ذات تردد مُحدَّد تزداد عند الاقتراب من الحدود والحواجز. ليس هذا فحسب، بل إن هذه الإيقاعات تكون حاضرةً كذلك عند مراقبة شخص آخر يفعل الشيء نفسه.

وترتكز قدرتنا على تحديد المواقع على مناطق بعينها في الفص الصدغي الأوسط (MTL) من الدماغ، مثل القشرة الشمية الداخلية، والحُصين2. فالخلايا العصبية في هذه المناطق تُطلِق إشارة داخلية، تكون بمثابة علامة دالة على موقعك الحالي على خريطة2، ما يُتيح لمناطق أخرى في الدماغ الربط بين الأماكن، والخبرات الحياتية (كأن تقول لنفسك: "لا تَعُدْ إلى هذه الحانة البائسة مرةً أخرى"). وبعض هذه الخلايا العصبية مختصَّة بإرسال الإشارات الدالة على الاقتراب من الحدود والحواجز3، 4.

ونظرًا إلى صعوبة التسجيل من الخلايا العصبية البشرية أثناء يقظة الشخص أو تنقُّله، فقد استعان العلماء بالقوارض في تكوين جانب كبير من فهمنا لكيفية تمثيل الحدود والحواجز في الدماغ. فعندما تعدو الفئران هنا وهناك، تنشط الخلايا العصبية التي تُصدِر إشاراتٍ دالة على الحواجز، إضافةً إلى ذبذبات "ثيتا" theta؛ وهي تغيُّرات مستمرة في النشاط الكهربي الكلي لمنطقة دماغية أوسع نطاقًا، تَحدُث بسبب النشاط المشترك لعدة خلايا عصبية، عند تردد يتراوح بين 8 و12 هرتز (المرجع رقم 5).

أما في حالة البشر، فقد استُمدت بعض الأفكار الرئيسة في هذا الشأن من مُصابين بداء الصرع، كانوا مُقبِلين على الخضوع لجراحة عصبية، وقد زُرعت أقطابٌ كهربية في أدمغتهم (في الفص الصدغي الأوسط). يمكن فلترة تسجيلات نشاط الخلايا العصبية على نحوٍ يفسر التفريغ الصرعي (epileptic discharge)، ما يكشف عن أنماط نشاط الخلايا العصبية على مستوى البِنى الدماغية العميقة. فعلى سبيل المثال، أُجريَت تجارب يتنقَّل فيها الأشخاص في بيئات افتراضية وهم جالسون على مقاعدهم، وساعدَتْ هذه التجارب على الكشف عن نتيجةٍ، مفادُها حدوث تعزيز لذبذبات "ثيتا" في الفص الصدغي الأوسط لدى الإنسان عندما يعمل الدماغ على ترميز مواقع كائنة على مقربة من الحدود أو الحواجز6، غير أنه لم يكن واضحًا ما إذا كان النشاط نفسه يحدث أثناء السير، أم لا.

وفي هذه الدراسة، تمكَّن شتانجل وفريقه من التغلب على صعوبة التسجيل أثناء التنقُّل، وذلك باستخدام نظام تسجيل لاسلكي 7. طُلب من المشاركين الذين يرتدون الجهاز المراوحة بين الاقتراب من مواقع أهدافٍ غير ظاهرة في الغرفة، والسير في اتجاه أهداف مُميَّزة بعلامات ظاهرة (شكل 1-أ). وبعد ذلك، أخبر الباحثون المشاركين -في مرحلة استكشاف أوَّلية- بمواقع الأهداف غير الظاهرة، ثم طلبوا منهم تذكُّر مواقع هذه الأهداف في التجربة ذاتها.

شكل 1| السائر والمراقب يشتركان في أنماط نشاط الخلايا العصبية. (أ) أعدَّ شتانجل وزملاؤه1 تجربة، طُلب فيها من أحد الأشخاص التجوُّل عبر الغرفة، بينما جلس آخر لمراقبته. وقد مرَّ السائر بمواقع أهداف غير ظاهرة، تذكرها من مرحلة استكشافٍ سابقة، وتحرك باتجاه الأهداف الظاهرة المحدَّدة على الجدران (لدواعي التبسيط، نكتفي هنا بعرض مثالٍ واحد فقط من كل نوع من نوعي الأهداف، رغم أن التجربة استخدمت أمثلة عديدة). وتشير الخطوط المتقطعة إلى الحدود التي اعتُبر عندها السائر قريبًا من أحد الجدران، لأغراض التحليل، كما تشير الأسهم على مراحل مختلفة من السير (حيث يشير السهم الأسود، مثلًا، إلى الاتجاه نحو هدف غير ظاهر قريب من الجدار). (ب) وقد أجرى الباحثون تحليلًا للنشاط الكهربي في الفص الصدغي الأوسط لدى كل من السائر والمُراقب أثناء تنقُّل السائر في الغرفة. ورصدوا ذبذبة قوية للنشاط الدماغي، يُطلق عليها ذبذبة "ثيتا" لدى السائر أثناء تحركه ناحية الأهداف غير الظاهرة؛ على أن هذه الذبذبة اقترنت بالحركة على مُقربة من الجدران. ورُصدت ذبذبة ضعيفة عند التحرك في اتجاه الأهداف الظاهرة. وقد رُصدت لدى الشخص المراقب أنماط النشاط ذاتها؛ ما يدل على أن ذبذبات "ثيتا" تُعَدّ جزءًا من تمثيلنا الداخلي للمكان، الذي يساعد المرء على تتبُّع الآخرين.

شكل 1| السائر والمراقب يشتركان في أنماط نشاط الخلايا العصبية. (أ) أعدَّ شتانجل وزملاؤه1 تجربة، طُلب فيها من أحد الأشخاص التجوُّل عبر الغرفة، بينما جلس آخر لمراقبته. وقد مرَّ السائر بمواقع أهداف غير ظاهرة، تذكرها من مرحلة استكشافٍ سابقة، وتحرك باتجاه الأهداف الظاهرة المحدَّدة على الجدران (لدواعي التبسيط، نكتفي هنا بعرض مثالٍ واحد فقط من كل نوع من نوعي الأهداف، رغم أن التجربة استخدمت أمثلة عديدة). وتشير الخطوط المتقطعة إلى الحدود التي اعتُبر عندها السائر قريبًا من أحد الجدران، لأغراض التحليل، كما تشير الأسهم على مراحل مختلفة من السير (حيث يشير السهم الأسود، مثلًا، إلى الاتجاه نحو هدف غير ظاهر قريب من الجدار). (ب) وقد أجرى الباحثون تحليلًا للنشاط الكهربي في الفص الصدغي الأوسط لدى كل من السائر والمُراقب أثناء تنقُّل السائر في الغرفة. ورصدوا ذبذبة قوية للنشاط الدماغي، يُطلق عليها ذبذبة "ثيتا" لدى السائر أثناء تحركه ناحية الأهداف غير الظاهرة؛ على أن هذه الذبذبة اقترنت بالحركة على مُقربة من الجدران. ورُصدت ذبذبة ضعيفة عند التحرك في اتجاه الأهداف الظاهرة. وقد رُصدت لدى الشخص المراقب أنماط النشاط ذاتها؛ ما يدل على أن ذبذبات "ثيتا" تُعَدّ جزءًا من تمثيلنا الداخلي للمكان، الذي يساعد المرء على تتبُّع الآخرين.

كبر الصورة

عند اقتراب المشاركين من أحد الأهداف غير الظاهرة، لوحظ تزايُد ذبذبات "ثيتا" في الفص الدماغي الأوسط بالقرب من الجدران التي مثَّلت حدود البيئة المحيطة. وقد رُصد هذا التغيُّر لدى جميع المشاركين، واستمر في حالتَي الاقتراب من الجدار، والابتعاد عنه، على حد سواء. كما لُوحظ أن الذبذبات كانت أضعف بكثير عند السير صوب العلامات المحدَّدة على الجدار؛ ما يدل على أن ذبذبات "ثيتا" المرتبطة بوجود الحواجز كانت في أقوى حالاتها عندما تَطلَّب الأمر الاستعانة بالذاكرة لتحديد هدف ما (شكل 1-ب).

وقد كانت أدلةُ ترميز الحدود والحواجز في الفص الصدغي الأوسط لدى الإنسان أثناء السير مثيرةً للاهتمام، بالنظر إلى أن جانبًا كبيرًا من تجربة تحديد المواقع والمسارات في حياتنا اليومية يحدث في أثناء السير. ولم يعمد إلى استكشاف الديناميَّات العصبية التي ينطوي عليها هذا السلوك سوى عددٍ محدود من الدراسات، لأن مُطالَبة المشاركين بالسير تطرح مزيدًا من التحديات. فعلى سبيل المثال، قد تتباين متغيرات أخرى عديدة من المتغيرات المرتبطة بالحركة الذاتية، مثل اقتران القُرب من الحاجز بتغيُّر في سرعة الحركة؛ ما قد يؤدي إلى عدم وضوح ما إذا كانت الحواجز هي المسؤولة عن النتائج، أم لا. وقد أخذ شتانجل وفريقه مثل هذه المقاييس بعين الاعتبار في تحليلهم، ليُبيِّنوا كيف أن تغيُّرات "ثيتا" المرتبطة بالحواجز مستقلة -فيما يبدو- عن هذه المتغيرات، وعن مقاييس حركة العين كذلك.

ومع ذلك، يبقى هناك احتمال أن تكون هذه النتائج راجعة إلى المتغيرات المرتبطة بالسير، وإنْ لم يتسنَّ الوقوف عليها. وعليه، أقدَمَ الفريق على فحص هذا الاحتمال في تجربتهم التالية. فقد حصل الباحثون على تسجيلات عصبية من أشخاصٍ يراقبون شخصًا يؤدي السلوك ذاته. وكشفت هذه التجربة المحورية أن ذبذبات "ثيتا" في الفص الصدغي الأوسط تزداد أيضًا عندما يرى أحدهم شخصًا آخر يقترب من جدار. وهكذا، خلص الباحثون إلى أنه لدى اقتراب أحدهم من حافة منحدر، أو رؤية صديق له يفعل ذلك، تزداد -على الأرجح- ذبذبات "ثيتا" في الفص الصدغي الأوسط من دماغه. ونظرًا إلى أن هذه الاستجابة تحدث في حالتَي السير والمُراقبة كلتيهما، فإن احتمالات ارتباط ذبذبات "ثيتا" بالتمثيل الداخلي للمكان أرجح من احتمالات ارتباطها بالمُدخَلات البصرية الصرفة، أو مُدخَلات الحركة الذاتية.

إنّ توصُّل الباحثين إلى أنَّ بِنى الفص الصدغي الأوسط لدى الإنسان هي المسؤولة عن ترميز المعلومات الخاصة بالآخرين يأتي بالتوازي مع أدلةٍ أخرى تفيد بأن الخلايا العصبية لدى الفئران والخفافيش هي المسؤولة عن ترميز مواقع الحيوانات الأخرى8، 9. وبوجهٍ عام، ينسجم هذا الاكتشاف مع القول بوجود رموز "شبيهة بالمرايا" لرصد العالَم المحيط، والتصرف فيه بطريقةٍ معينة10.

وثمة سؤالٌ محوري يطرح نفسه في هذا الصدد، هو: لماذا تزداد ذبذبات "ثيتا" عند الاقتراب من حدود الحواجز؟ يعتقد شتانجل وزملاؤه أن التغيير ربما ينشأ من زيادة الحاجة إلى دمج المعلومات عبر شبكات الدماغ عند التنقُّل أو تحديد الموقع. أما السببُ الكامن وراء زيادة الحاجة إلى دمج الشبكات بالقرب من الحدود والحواجز، فلم يتضح بعد. ولعل قدرة المرء على استنباط موقعه بدقة ترتفع عند الاقتراب من جدار، وارتفاع مستوى الدقة هو ما يؤدي إلى تعزيز ذبذبات "ثيتا". وهناك حاجة إلى إجراء مزيد من الأبحاث لفحص هذا الاحتمال، والوقوف على أسباب إغفال الباحثين هذه النتائج عند حديثهم عن القوارض. ومن بين التفسيرات المحتملة لذلك، التجهيزات التجريبية المستخدَمة لفحص الحيوانات، أو التأثير المهيمن للحركة الذاتية على ذبذبات "ثيتا" لدى القوارض2.

وقد طرحت دراسة شتانجل وفريقه سؤالًا أوسع نطاقًا، هو: كيف يتتبَّع الدماغ مواقع الأشخاص الآخرين في مكان ما؟ ينصبُّ تركيزُ النماذج الحالية على كيفية تشكيل الموقع الذاتي2، أما الكيفية التي تُستخدم بها المُدخلات البصرية في تحديد موقع أشخاص آخرين، فتبقى من بين الجوانب المثيرة للاهتمام، التي تتطلَّب مزيدًا من البحث في المستقبل. طلب شتانجل وزملاؤه من المشاركين الجلوس في سكونٍ أثناء مراقبتهم شخصًا آخر أثناء تنقُّله، على أنَّ الواقع كثيرًا ما يفرض علينا المراقبة والسير في آنٍ واحد. فكيف يتسنَّى للمرء أن يجمع بين القدرة على تحديد موقعه ومواقع الآخرين في اللحظة ذاتها؟ يبدو أن الدماغ يُشكِّل خرائط عديدة، ومتمايزة، لتحديد مواقعنا ومواقع الآخرين (أصدقاء كانوا، أم أعداء) في الحيز المادي، ثم يربط بين هذه الخرائط وخرائط أخرى أكثر تجريدًا للشبكات الاجتماعية، والبِنى الهرمية المعرفية11.

بقي أن نشير إلى أنَّ هناك أنواعًا عديدة (مثل الحيتان القاتلة، والذئاب، وقرود الشمبانزي) قد تكيَّفت على نحوٍ جعلها قادرةً على الصيد الجماعي12. ولم يُكشف النقاب بعد عن الكيفية التي يحدث بها التنسيق بين أدمغتها، كي تسلك هذا السلوك، ولكن يبدو لنا الآن أنَّ الأمر قد يكون متصلًا بإيقاع "ثيتا" الذي يعتمل في الفص الصدغي الأوسط. وبفضل شتانجل وزملائه، الذين نجحوا في اجتياز إحدى العقبات التقنية، صار في إمكاننا أن نرى آفاقًا جديدة، نتطلع فيها إلى اكتشافات مثيرة.

References

  1. Stangl, M. et al. Nature 589, 420–425 (2021). | article
  2. Grieves, R. M. & Jeffery, K. J. Behav. Process. 135, 113–131 (2017). | article
  3. Lever, C., Burton, S., Jeewajee, A., O’Keefe, J. & Burgess, N. J. Neurosci. 29, 9771–9777 (2009). | article
  4. Solstad, T., Boccara, C. N., Kropff, E., Moser, M. B. & Moser, E. I. Science 322, 1865–1868 (2008). | article
  5. Vanderwolf, C. H. Electroencephalogr. Clin. Neurophysiol. 26, 407–418 (1969). | article
  6. Lee, S. A. et al. J. Neurosci. 38, 3265–3272 (2018). | article
  7. Morrell, M. J. & RNS System in Epilepsy Study Group. Neurology 77, 1295–1304 (2011). | article
  8. Omer, D. B., Maimon, S. R., Las, L. & Ulanovsky, N. Science 359, 218–224 (2018). | article
  9. Danjo, T., Toyoizumi, T. & Fujisawa, S. Science 359, 213–218 (2018). | article
  10. Gallese, V., Fadiga, L., Fogassi, L. & Rizzolatti, G. Brain 119, 593–609 (1996). | article
  11. Spiers, H. J. Trends Cogn. Sci. 24, 168–170 (2020). | article
  12. Krause, J. & Ruxton, G. Living in Groups (Oxford Univ. Press, 2002).  | article

هوجو جيه. سبيرز

يعمل في قسم علم النفس التجريبي بجامعة كوليدج لندن، لندن، WC1H OAP، المملكة المتحدة.

البريد الإلكتروني: h.spiers@ucl.ac.uk