كتب وفنون

كيف نجحت سيدات نوبل وسط عالَمٍ يشوبه التحيز؟  

خريجات مختبر بيولوجيا جزيئية يتأملن مشوار نجاحهن، منذ أنْ بدأن في تحديد التسلسلات الجينية وحتى وصلن إلى مصاف النجوم.

جورجينا فيري

  • Published online:
حصلت إليزابيث بلاكبيرن على جائزة نوبل في عام 2009 عن اكتشافاتها المتعلقة بالقُسيمات الطرفية.

حصلت إليزابيث بلاكبيرن على جائزة نوبل في عام 2009 عن اكتشافاتها المتعلقة بالقُسيمات الطرفية.

Thor Swift/New York Times/Redux/eyevine

"نساءٌ في الطليعة: عالمات مختبر البيولوجيا الجزيئية، التابع لمجلس البحوث الطبية"

كاثلين ويستون

مختبر البيولوجيا الجزيئية، التابع لمجلس البحوث الطبية البريطاني (2020)

في شهر مايو من عام 1986، جاء اسم طالبة الدكتوراة كاثلين ويستون على رأس قائمة مؤلفي رسالةٍ وُجِّهت إلى دورية Nature، وحملت عنوان "الدعاية المتحيزة جنسيًّا" Sexist ads. وبلغ عدد المُوقِّعين عليها 46 شخصًا، نصفهم من النساء، وقد عملوا جميعًا في مختبر البيولوجيا الجزيئية (LMB)، التابع لمجلس البحوث الطبية في مدينة كامبريدج بالمملكة المتحدة. وفي الرسالة، وجّه هؤلاء الباحثون انتقادات لاذعة إلى الدورية، لنشرها سلسلةً من الإعلانات، تُصوِّر "الرجال (والحيوانات في بعض الحالات) في صورة علماء جادين، بينما تُقدِّم النساء كما لو كنَّ أغراضًا للزينة، لا يتمتعن بأي قدرٍ من الذكاء"، (K. Weston et al. Nature 321, 106; 1986).

وفي دولٍ كثيرة في عصرنا الحالي، قَلّت احتمالات أن تواجه الباحثات مثل تلك الأفكار، التي ترى أنَّ مهنتهن مقصورةٌ على الذكور. ويرجع الفضل في ذلك جزئيًّا إلى بنات جنسهن، كالخريجات اللاتي أفرزهن مختبر البيولوجيا الجزيئية منذ افتتاحه في عام 1962، واللاتي يبلغ عددهن اليوم 635 باحثة. وفي كتاب "نساءٌ في الطليعة" Ahead of the Curve، تُسلِّط ويستون الضوء على بعضِ هؤلاء الباحثات، لتسألهن عن وَصْفاتهن لتحقيق النجاح.

وتألّفت هذه الكوكبة من الباحثات من نخبةً مُنتقاة بعناية، فمختبر البيولوجيا الجزيئية، ذلك المعهد البحثي الذي يضم بين جنباته أكثر من 800 من العلماء وموظفي الدعم، ضم عددًا قوامه 27 عالِمًا من الفائزين بجائزة نوبل في أوساط طاقمه وخريجيه. وقد كان قِبلة جذابة للباحثين الراغبين في ريادة أبحاث البيولوجيا البنيوية، وكيمياء البروتينات، وبيولوجيا الخلايا. وقد وجدته ويستون مكانًا "مُخيفًا" عندما انضمت إليه في عام 1983، ليس لتحيُّزه ضد النساء، وإنَّما بسبب "تمييزه ضد أصحاب القدرات المتوسطة"، على حد تعبيرها. ويقوم كتابها على سلسلةٍ من المقابلات، أَجْرتها مع نساءٍ تمكَّنَّ من تحقيق النجاح في هذه البيئة الحافلة بالضغوط الشديدة، ومضين قُدُمًا حتى صرن من الرواد في مجالاتهن البحثية على مستوى العالم.

وخلال تلك الحوارات، إليزابيث بلاكبيرن، عالمة البيولوجيا الجزيئية التي حازت جائزة نوبل، وقفت على السؤال البديهي في ذلك الصدد؛ ألا وهو: "هل كانت هناك عملية اختيارٍ مُسبَقة، لضمان نجاح أي امرأةٍ تنضم إلى المختبر في جميع الأحوال؟". وما تراه بلاكبيرن هو أن هذا صحيح على الأرجح. فهؤلاء الباحثات حصلن على وظائفهن في المختبر بناءً على قدراتهن الاستثنائية، وأظهرن عزمًا وإصرارًا في مواجهة الصعاب والعراقيل، وعملن 15 ساعةً يوميًّا، على مدار ستة أو سبعة أيام في الأسبوع. وعلى سبيل المثال، تتذكر سارة تايشمان، الباحثة المتخصصة في علم الجينات الخلوي، أنَّها كانت خلال دراساتها الجامعية تعمل "طوال الوقت، حتى في عشية عيد الكريسماس، ويوم العيد"، لأنَّه "لم يُتَح لها أي معايير تقارن بها نفسها".

وقد ذلل شغف هؤلاء الباحثات بالعلوم جميع الصعاب. وعن ذلك، تقول عالمة المناعة فيليبا ماراك، التي كانت طالبة دكتوراة في المختبر في الفترة ما بين عامي 1968، و1971: "كان هناك نهجٌ متحرر من القيود في مختبر البيولوجيا الجزيئية، مفاده أنَّ بإمكانك أن تتناول أي مسألةٍ بلا خوف، وكان ذلك رائعًا ومفيدًا للغاية".

الفضل لمَنْ يستحقه

واجهت اختصاصية فيزياء البيولوجيا الجزيئية جوان شتايتز عقباتٍ جلية في بدايات حياتها المهنية عندما كانت في الولايات المتحدة، من بينها رفْض طلبها لخوض دراسات الدكتوراة لكونها امرأة. ولذا، حين بدأت دراساتها في مرحلة ما بعد الدكتوراة في مختبر البيولوجيا الجزيئية في عام 1967، وجدتها تجربة مذهلة ومشوقة. وتقول عن ذلك: "دارت في المختبر نقاشات مستمرة حول العلوم، وكان يُتوقع فيها أن يحظى الجميع بفرصة متساوية للتفاعُل، على غرار أشخاص مثل ماكس"، قاصدةً ماكس بيروتز، العالِم الراحل الفائز بجائزة نوبل، الذي رأس المختبر حينها. وبينما كانت شتايتز تتعلم تحديد تسلسلات الأحماض النووية الريبية من رئيس القسم فريدريك سانجر، الذي كان واحدًا من رواد تلك التقنية، تمكنت من التوصل إلى اكتشافاتٍ بارزة فيما يتعلق بعملية التعبير الجيني. وأصبحت في عام 1969 أول امرأة تُلقِي كلمةً في فعاليات الأسبوع السنوي للحوار بين المختبرات. ومن ثم، تقول عن عملها بالمختبر: "في بعض الأماكن، لا تحظى بالشكر والتقدير نظير ما فعلته، لكنَّ هذا لم يكن الحال مطلقًا في مختبر البيولوجيا الجزيئية".

ماريان بيينز هي المرأة الوحيدة التي رأست أحد أقسام مختبر البيولوجيا الجزيئية، وتعمل على دراسة مسارات التأشير في الخلايا.

ماريان بيينز هي المرأة الوحيدة التي رأست أحد أقسام مختبر البيولوجيا الجزيئية، وتعمل على دراسة مسارات التأشير في الخلايا.

MRC Laboratory of Molecular Biology

وشتايتز هي واحدةٌ من نساءٍ عديدات يتمحور حولهن الكتاب ممن اتخذن خياراتٍ مهنية تماشيًا مع تنقلات شركاء حياتهن، لكنَّهن نجحن رغم ذلك. ومن هؤلاء أيضًا اختصاصية البيولوجيا الجزيئية دانييلا رودس. فقد قبِلت الباحثة أن تعمل فنِّية في مختبر البيولوجيا الجزيئية مع عالِم الفيزياء البيولوجية آرون كلوج، لأنَّ زوجها كان يدرس في جامعة كامبريدج. واستمرت في وظيفتها حتى حصلت على درجة الدكتوراة. وفي عام 1987، أصبحت واحدة من أبرز قادة الفرق البحثية المثبَّتين في وظائفهم. وبلاكبيرن أيضًا من هؤلاء النساء، إذ لحقت بزوجها إلى جامعة ييل في مدينة نيو هايفن بولاية كونيتيكت الأمريكية، حيث بدأت أبحاثها التي فازت عنها بجائزة نوبل، والتي تناولت القُسيمات الطرفية، تلك التسلسلات الجينية المتكررة التي تحمي نهايات الكروموسومات من التلف.

وهناك أيضًا ماريان بيينز، الباحثة المتخصصة في بيولوجيا الخلايا، التي نشأت علاقةٌ عاطفية بينها وبين هيو بيلهام، زميلها في التخصص نفسه، في أثناء دراستهما لبروتينات الصدمة الحرارية، في الوقت الذي كانت بيينز فيه تدرس في مرحلة ما بعد الدكتوراة بمختبر البيولوجيا الجزيئية، بينما كان بيلهام القائد الجديد لفريقها البحثي. فبعد فترة، قبلت بيينز بأن ينخفض راتبها بنسبة 40%، وذلك لتعود إلى العمل في المختبر، وتقود إحدى مجموعاته البحثية، بعد أن كانت تعمل أستاذةً مساعِدة في مدينة زيوريخ السويسرية، وقد فعلت ذلك جزئيًّا حتى يتسنى لها أن تعيش هي وبيلهام وأطفالهما معًا. وتقول بيينز إنَّ نتاجها البحثي "انخفض انخفاضًا شديدًا" عندما كان أطفالها صغارًا، لكنَّها أصبحت رئيسةً لقسم بيولوجيا الخلايا في عام 2007، وتشغل الآن منصب نائب مدير المختبر.

وتتناول هؤلاء الباحثات مسائل بحثية تغطي طيفًا واسعًا من الأبحاث، فعلى سبيل المثال، كان فريق باحثة البيولوجيا الجزيئية ميلينا شو الأول في التقاط صور للبويضات البشرية في أثناء نموها باستخدام التصوير المجهري عالي الدقة، وذلك بالتعاون مع عيادة "كامبريدج شاير" للتخصيب المخبري. أما تاشمان، فاتجهت إلى إجراء دراسات تحليل المعلومات البيولوجية واسعة النطاق، إذ قضت وقتها في دراسات الدكتوراة بمختبر البيولوجيا الجزيئية، "منكبّةً على جهاز حاسوب"، تُصنِّف البِنَى البروتينية، لكنَّ القصص التي روينها تكشف وجود أوجه شبه في الطرق التي ينتهجنها لإدارة المختبرات، فعلى سبيل المثال، تأثرت تايشمان في طريقتها بتجربتها مع "أسلوب الإدارة المنفتح والودود والديمقراطي" الذي اتبعه مختبر عالمة البيولوجيا البنيوية جانيت ثورنتون من جامعة كوليدج لندن، حيث كانت تايشمان تعمل باحثةً في مرحلة ما بعد الدكتوراة.

المساواة في الفرص والعقبات

تخلت ويستون عن العمل في مجال البحث العلمي، لكي تصبح كاتبةً علمية قبل عقدٍ من الزمن. ويتسم أسلوبها السردي في الكتاب بالحيوية، لكنه رغم تغلغله في أعماق تاريخ مجال البيولوجيا الجزيئية من واقع ما انتُهج به من ممارسات عملية في المختبر المذكور وخارجه، فإنه كان يُغفِل أحيانًا القصص الإنسانية لشغفه بالتفاصيل الفنية. ولهذا، يُتوقع ألا تستمر سوى طائفةٍ بعينها من الأشخاص في قراءة الكتاب، بما يتضمنه من شرح تفصيلي للحويصلات المغلفة ببروتين الكلاثرين، أو دور فرط التطفر في تنوُّع الأجسام المضادة.

وفي الوقت الراهن، تُشكِّل النساء في مختبر البيولوجيا الجزيئية نصف عدد طلاب الدكتوراة وباحثي ما بعد الدكتوراة، لكنَّ نسبتهن من قادة الفرق البحثية تبلغ حوالي الربع فقط. كما أنَّ بيينز هي المرأة الوحيدة التي تولَّت رئاسة أحد أقسام المختبر الأربعة خلال حوالي ستين عامًا. وهذه الندرة في حالات ترقي النساء عبر المراتب الوظيفية تُعَد مشكلةً عالمية، ولذا.. قد يبدو وكأنَّ التركيز على قصص نجاحهن يتجاهل المعضلة القائمة، بيد أنَّ ويستون توضح أنَّ مَن وصلن إلى مراتب عليا في مختبر البيولوجيا الجزيئية واجهن كثيرًا من العقبات التي تدفع بجنسهن إلى ترك الوسط الأكاديمي، كالافتقار إلى القدوات، والحاجة إلى تحقيق التوازن بين مسؤوليات العمل والأسرة، والتحيز غير الواعي في قرارات التعيين، ومشاعر "متلازمة المحتال" التي تراودهن، والتفاوُت في الرواتب. ومع ذلك، لا تعلق ويستون على حقيقة أنَّ غالبية من التقت بهن في مقابلاتها حظين بتعليمٍ جيد، وينتمين إلى طبقاتٍ موسرة، وأنَّهن جميعًا من ذوات البشرة البيضاء.

ومما لا شك فيه أنَّ العلم ازداد ثراءً بمواصلة هؤلاء النساء السعي في دروبه. فهن الآن يقدمن النصح والمشورة إلى زميلاتهن، ويمارسن ضغوطًا على المؤسسات التي يعملن بها، كي تقر المزيد من السياسات المواتية للحياة الأسرية. كما تشير ويستون ساخرةً إلى أنَّه بدلًا من الشعور بالانزعاج عندما تجد النساء مهنةً بديلة مُجزية كما فعلت، ينبغي للوسط الأكاديمي أن يقدم تلك الفرص على أنَّها خيارٌ إيجابي للرجال أيضًا. وتخلُص إلى أنَّ "ما نحتاجه ربما يكون مزيدًا من الدعم للنساء المتميزات، وعقباتٍ أكثر لإقصاء الرجال الأقل تميزًا".

جورجينا فيري

كاتبة علمية مقيمة في مدينة أكسفورد بالمملكة المتحدة. وتتضمن كُتُبها سيرًا ذاتية لماكس بيروتز، ودوروثي هودجكين.

البريد الإلكتروني: mgf@georginaferry.com