أنباء وآراء

الحواجزُ الصغيرة تُشكِّل عوائقَ كبيرةً لأنهار أوروبا

تمكَّن الباحثون من إعداد أطلسٍ للحواجز التي تعترض الأنهار الأوروبية، عن طريق فرز السجلات الحالية، وتصحيحها، وإجراء مسحٍ على حوالي 2700 كيلومتر من المجاري المائية. ويكشف الأطلسُ كيف يتسبَّبُ عددٌ ضخم من العوائق في تجزئة الأنهار.

كريستيان زارفل، وبرنارد لينر

  • Published online:
شكل 1| هَدَّار جسر بولتيني، باث، المملكة المتحدة. وفقًا لتقديرات بيليتي وزملائها1، هناك أكثر من 1.2 مليون بناء اصطناعي، كالهَدَّارات، والسدود، والأهوسة، تعمل على تغيير جريان الأنهار والجداول الأوروبية.

شكل 1| هَدَّار جسر بولتيني، باث، المملكة المتحدة. وفقًا لتقديرات بيليتي وزملائها1، هناك أكثر من 1.2 مليون بناء اصطناعي، كالهَدَّارات، والسدود، والأهوسة، تعمل على تغيير جريان الأنهار والجداول الأوروبية.

Credit: Getty

هَبْ أنك طلبتَ من طفل في أوروبا أن يرسم نهرًا. تُرى كيف ستبدو الصورة؟ هل ستُشبه نهرًا طبيعيًّا بريًّا ذا مشهدٍ خلاب، ومساراتِ تدفقٍ مُتعرجة داخل سهلٍ فيضي فسيح، تزدان كلتا ضفتيه بالحشائش النهرية؟ أم هل ستُظهِر الصورة نهرًا حديثًا مُدارًا على نحو جيدٍ، حيث تصطفُّ البيوت على طول ضفتيه، وتقطعه القوارب في قناة مُحدَّدة؟ في بحثٍ نُشر مؤخرًا في دورية Nature تُسلِّط بيليتي وزملاؤها1 الضوء على نتائج مسحٍ استُفيض في تفصيله للحواجز النهرية في أوروبا، وهو ما يُوحي بأن الصورة الثانية ستكون أكثر ترجيحًا.

أضحت الأنهار التي تنساب بِحُرية نادرةَ الوجود على نحوٍ متزايد؛ ويُعزى ذلك إلى قرونٍ من الأنشطة البشرية التي غيَّرت مسارها وقنواتها، فقد شُيِّدَت السدودُ والحواجز لحمايتنا من الفيضانات، وأُضيفَت الهَدَّارات (شكل 1) بهدف استخلاص المياه لأغراض الري، أو الاستخدام البشري، واستُخدمَت الأهوسة والقنوات لضمان قابلية المياه للملاحة والتوسع فيها، كما أُعيقَت مجاري الأنهار، أو حُوِّلَت لأغراض تطبيقات توليد الطاقة، التي تتراوح من السواقي العتيقة إلى محطات الطاقة الكهرومائية الحديثة. وقد شُيِّدَت بِنَى متنوعةٌ في مجاري الأنهار لمثل هذه الأغراض، كالسدود الخرسانية الضخمة، والأهوسة الخشبية، والهَدَّارات الصغيرة، والمخاضات المغمورة جزئيًّا. كل هذه التدخلات أدت إلى تجزئة الأنهار، وإعاقة جريانها بطرق شتى عبر نطاقاتٍ مكانية وزمنية مختلفة، ما أثَّر على نقل وتوصيل الرواسب والمُغذيات3,2، وعلى هجرة الكائنات المائية وانتشارها4.

ويتعين على الباحثين والمديرين المائيين الراغبين في سبر أغوار التبعات المُترتبة على التعديلات -المفيدة منها والضارة، على حدٍ سواء- أن يطرحوا أولًا بعض الأسئلة الجوهرية، التي من بينها: كم عدد الحواجز التي شُيِّدت، ومن أي الأنواع؟ والسؤال الأهم هو: أين شُيِّدت؟

ولعل من المثير للدهشة أن الإجابات مجهولةٌ إلى حد كبير، فلا يتوافر حصرٌ شامل للحواجز على نطاق القارة، بحيث يتضمن المنشآت التي يقل ارتفاعها عن 10 أمتار، ويَستخدِم مصطلحاتٍ متسقةً ومحدَّدةً بوضوحٍ، ويُمثِّل أحجامَ وأنواعَ حواجز معينة أو مناطقها الجغرافية تمثيلًا وافيًا. والسبب الرئيس وراء ذلك هو التاريخ الطويل لبناء الحواجز، وغياب التوثيق بوجه عام. وقد تمكَّنت الأبحاث الحديثة5 من تجميع بياناتٍ عالمية حول مواقع السدود، غير أنها اقتصرت في الأساس على تلك التي يزيد ارتفاعها على 10 إلى 15 مترًا، أو يتأتى رصدها عن طريق التصوير بالأقمار الصناعية الفضائية.

خضعت درجة اتصال الأنهار على مستوى العالم أيضًا إلى الحصر الكمي6، وذلك باستخدام سجلات حوالي 20 ألفًا من السدود الكبرى. ولم تتناول الدراسة الاتصال الطولي على امتداد النهر فحسب، ولكن أخذت بعين الاعتبار أيضًا التفاعلات الجانبية مع السهل الفيضي، وتغيُّرات التدفق الزمنية، والتبادُلات الرأسية للمياه مع الغلاف الجوي والمياه الجوفية. ومِثْل هذه التبادُلات عادة ما يكون مفقودًا في المدن، إذا كانت الأنهار مُحاطة بالخرسانة، أو ليس أمامها سبيلٌ سوى المرور في قنواتٍ تحت الأرض. ووفقًا لتلك الدراسة، فإن المُسبِّبات الأساسية للانخفاض في عدد وحالة الأنهار المتدفقة بانسيابية هي التأثيرات المرتبطة بالسدود، مثل تجزئة الأنهار، وتنظيم التدفق، واحتجاز الرواسب. ومع ذلك، فإن نسبة الخسارة العالمية المُقدَّرة بنحو 63% للأنهار الطويلة حرة التدفق (التي يزيد طولها على 1000 كيلومتر)، لا تُمثِّل -على الأرجح- سوى قمة جبل الجليد، ويُعزى ذلك إلى أن البيانات التي يستند إليها هذا البحث لم تأخذ بعين الاعتبار الحواجز الأصغر حجمًا.

حفَّز هذا النوع من الفجوات المعرفية بيليتي وزملاءها على إعداد أطلسٍ أوروبي لحواجز الأنهار في 36 بلدًا. وكان هدفهم الرئيس من وراء ذلك هو الحصر الكَمِّي لكثافة الحواجز الاصطناعية (وهي، حسب تعريفها، أيّ بناءٍ يمكنه التسبُّب في انقطاعٍ طولي) عبر الأنهار في هذه البلدان. وتُعَدّ النتائج مطلبًا أساسيًّا للعديد من النُّهُج7 التي تُحلِّل مستوى تجزئة الأنهار.

اضطلع الباحثون بالمهمة المُضجرة والشاقة التي تتمثَّل في جمع السجلات من أكثر من 120 قاعدة بيانات محلية وإقليمية ووطنية. وقد فرزوا البيانات، بهدف التخلص، مثلًا، من التكرارات، وضمان الاتساق في فئات الأحجام والمُصطلحات، ثم صمَّموا خريطةً بالحواجز التي تعترض شبكة الأنهار الأوروبية، وهي منظومة تضم 1.65 مليون كيلومتر من الأنهار، غير أن بيليتي وزملاءها أدركوا أنه ستكون هناك تحيُّزات كامنة في بيانات المصدر، مثل التغافل عن الحواجز الصغيرة، أو غير المألوفة. ولهذا، بذل الباحثون جُهدًا استثنائيًّا في سبيل التثبُّت من جودة بياناتهم، حيث أَجْروا مسحًا على حوالي 2700 كيلومتر من شبكة الأنهار في 26 بلدًا، عن طريق السير بمحاذاة الامتدادات النهرية المختارة خلال ظروف التدفق المنخفض. وقد سجَّل الباحثون خصائصَ كل حاجز مرصودٍ، مثل موقعه، وحجمه، وما إذا كان مهجورًا، أم لا يزال قيد الاستخدام. ولم يَخْلُ أيٌّ من الأنهار الـ147 محل الدراسة من العوائق، وهي ملحوظة تثير القلق في حد ذاتها. واستُخدمَت نتائج هذه الرحلة الميدانية الهائلة في تحسين دقة كثافة الحواجز المحسوبة، وتصحيح الأخطاء والتحيُّزات التي انطوت عليها السجلات القائمة.

وأخيرًا، استخدمت بيليتي وزملاؤها بياناتهم من أجل تقدير كثافة الحواجز في البلدان والمناطق التي لم يُعثَر فيها على سجلات البيانات، واضعين في الاعتبار العوامل البيئية وبشرية المنشأ، مثل درجة التحضر، وحجم النشاط الزراعي. يتحدث الباحثون عن جوانب القصور التي انطوت عليها كلُّ مرحلة من مراحل هذه الدراسة، غير أن الجمع بين نُهُجٍ متعدِّدة يعزِّز درجة الجودة الإجمالية للنتائج، ويُقلِّل من عدم اليقين الذي يَنجُم عن تفاوت البيانات المتوفرة على مستوى المناطق الكبيرة، والنطاقات المُتعدِّدة لأحجام الحواجز.

"وفقًا لتقديرات الباحثين، هناك أكثرُ من 1.2 مليون حاجز اصطناعي يعوق جريان الأنهار والجداول الأوروبية، وهو ما يجعلها -على الأرجح- الشبكة النهرية الأشد تجزؤًا في العالم".

حدَّدت بيليتي وزملاؤها قرابة 630,000 سجل منفرد للحواجز، وكان أغلبها يَخُصُّ المُنحدرات، وعتبات القيعان، والهَدَّارات، والمجارير. ويُعَدّ هذا هو الحصر الأشمل للحواجز النهرية حتى الآن. ومع ذلك، فهو لا يزال غير مُعبِّر عن الواقع بدرجة كبيرة. فعدد الحواجز المرصودة في الدراسة الميدانية بلغ، في المتوسط، ضعفين ونصف ضعف عدد الحواجز التي أَعلن عنها الحصر الحالي. ووفقًا لتقديرات الباحثين، هناك، في واقع الأمر، أكثرُ من 1.2 مليون حاجز اصطناعي يعوق جريان الأنهار والجداول الأوروبية، وهو ما يجعلها -على الأرجح- الشبكة النهرية الأشد تجزؤًا في العالم.

وقد ذهب الباحثون في تقديراتهم إلى أن كثافة الحواجز تتراوح بين 5 حواجز لكل كيلومتر في الجبل الأسود، وقُرابة 20 حاجزًا لكل كيلومتر في هولندا. ويشير نموذجهم الإحصائي إلى أن الكثافة المتوسطة للحواجز عبر أوروبا تبلغ 0.6 لكل كيلومتر، وتلك قيمةٌ شبيهةٌ بالقيمة التي حصلوا عليها من المشاهدات الميدانية (البالغة 0.74 لكل كيلومتر)، وهو ما يؤكِّد صحة نتائج النموذج. تُعَدّ منطقة وسط أوروبا هي الأعلى وفرةً وكثافةً من حيث الحواجز، في حين أن الأنهار في منطقة البلقان في جنوب شرق أوروبا، وفي أجزاءٍ من شمال اسكندنافيا، وفي بعض المناطق النائية في جنوب أوروبا لا تزال حُرَّة التدفق بدرجة نسبية. ومع ذلك، يوضح الباحثون أن هذه الأنهار غير المُجزأة تُواجِه تهديداتٍ جديدة، مَصْدَرها الازدهارالذي شهده مجال تطوير الطاقة المائية، وهو ما قد يجعل التنوُّع الحيوي والنظام الإيكولوجي للأنهار عُرضةً للخطر8.

وفي ضوء التحديات التي يفرضها التغيُّر البيئي العالمي، فإن الوصول إلى حلولٍ مستدامة، بهدف حماية النظم البيئية النهرية وخدماتها المرتبطة بالبشر، سيحتاج إلى مزيج من الإجراءات، منها -على سبيل المثال- قياس التأثيرات الإيكولوجية للحواجز، ووضع نماذج لمنشآت الطاقة المائية الإقليمية، بُغية العثور على سُبلٍ لتقليل الكُلفة البيئية التي تطول منظومة الأنهار، وفي الوقت ذاته تعظيم إنتاج الكهرباء، ودراسة الاتجاهات السابقة والمستقبلية في بناء الحواجز وتأثيراتها. ويتطلب كل هذا بياناتٍ وقاعدة معرفية كبيرة تتوافق مع حجم وتعقيد وحلول الأسئلة المطروحة. وعلى سبيل المثال، قد تعوق أنواع من الحواجز نقل الرواسب، لكنها لا تُمثِّل مشكلة لكائنٍ مائي بعينه، في حين قد يضر بعضها الآخر بذلك الكائن، على الرغم من عدم الإخلال بحركة الرواسب.

إن الأطلس الذي أعدَّته بيليتي بالتعاون مع زملائها للحواجز النهرية في أوروبا إنجازٌ رائع، غير أننا في حاجة الآن إلى مزيدٍ من هذه الجهود. ففي نهاية المطاف، لا تقتصر الحواجز النهرية وتأثيراتها على أوروبا وحدها، ويتعذر الوصول إلى البيانات بدرجة أكبر في أجزاءٍ أُخرى من العالم. وستحتاج شبكةٌ عالمية كبيرة من العلماء والأطراف المعنية إلى العمل معًا من أجل جمع البيانات، وابتكار الأدوات (على غرار «مبادرة مراقبة السدود العالمية» على الموقع الإلكتروني: http://globaldamwatch.org)، قبل أن تتمكَّن من الوصول إلى تقييمٍ كامل لتأثيرات الحواجز الكبيرة والصغيرة على النظُم البيئية للأنهار.

References

  1. Belletti, B. et al. Nature 588, 436–441 (2020). | article
  2. Dunn, F. E. et al. Sci. Total Environ. 642, 105–116 (2018). | article
  3. Van Cappellen, P. & Maavara, T. Ecohydrol. Hydrobiol. 16, 106–111 (2016). | article
  4. Reid, A. J. et al. Biol. Rev. 94, 849–873 (2018) | article
  5. Mulligan, M., van Soesbergen, A. & Sáenz, L. Sci. Data 7, 31 (2020). | article
  6. Grill, G. et al. Nature 569, 215–221 (2019). | article
  7. Jumani, S. et al. Environ. Res. Lett. https://doi.org/10.1088/1748-9326/abcb37 (2020).| article

    .
  8. Schiemer, F. et al. Landscape Ecol. 35, 953–968 (2020). | article

كريستيان زارفل

تعمل في مركز العلوم الجيولوجية التطبيقية بجامعة إبرهارد كارل في تُوبِنجن، D-72076 تُوبِنجن، ألمانيا.

برنارد لينر

يعمل في قسم الجغرافيا بجامعة مكجيل في مونتريال، كيبيك H3A 0B9، كندا.

البريد الإلكتروني لكل منهما: christiane.zarfl@uni-tuebingen.de

  bernhard.lehner@mcgill.ca