أنباء وآراء

ثورة في العقاقير المُهلوِسة

مركّب نظير لعقار الهلوسة "آيبوجاين" Ibogaine، يضاهيه من حيث القدرة على علاج الإدمان والاكتئاب في النماذج الحيوانية، لكنه يتسم بآثار جانبية أقل، وبأنّ تخليقه أبسط كثيرًا. 

جابريِيللا مانزانو-نيفيس، وكونور لِستون
  • Published online:

أدّى اكتشاف التأثيرات النفسية لكل من عقار "ثنائي إيثيل أميد حمض الليسرجيك"، (المعروف اختصارًا باسم LSD)، و"سيلوسيبين" psilocybin، في أربعينات القرن الماضي والخمسينات منه، إلى إثارة اهتمام شديد ببحث ما إذا كانت المركّبات المسببة للهلوسة يمكن أن تكون مفيدة في العلاجات الإكلينيكية1، بيد أن تَصاعُد المخاوف في السبعينات بشأن مدى أمان هذه العقاقير، واحتمال إساءة استخدامها، أدى إلى فرض قيود متزايدة على دراستها. وقد تَجدَّد الاهتمام في العقد الماضي بالقدرات العلاجية لتلك العقاقير، بالتزامن من صدور نتائج أولية تشير إلى أن عقاقير مثل (LSD)، و"سيلوسيبين"، و"آيبوجاين" Ibogaine، ربما تكون واعدة في مكافحة الاكتئاب المستعصي على العلاج2، واضطراب ما بعد الصدمة3، والقلق في الأشخاص الذين يعانون سرطانًا مميتًا4. وأشارت ليندساي كاميرون وزملاؤها5 في بحث نُشر مؤخرًا في دورية Nature إلى تَمَكُّنهم من تخليق نظير لعقار "آيبوجاين" لا يسبب الهلوسة، ويمكن أن يتمتع بالقدرة على علاج الإدمان والاكتئاب.

ومن الجدير بالذكر أن عقار "آيبوجاين" هو من أشباه القلويات، التي توجد بصورة طبيعية في شجيرات منتشرة في الغابات المطيرة لغرب أفريقيا، تُعرف بالاسم العلمي Tabernanthe iboga (انظر الشكل 1). وتشير البيانات قبل الإكلينيكية والدراسات التي أجريت على نطاق ضيق إلى أن عقار "آيبوجاين" قد يكون مفيدًا في الحد من نوبات التوق إلى المخدرات، والأعراض الانسحابية، وتقليل أخطار الانتكاس في حالات إدمان الكحول والمركبات الأفيونية. وربما يرجع ذلك إلى قدرة العقار على تنظيم عملية نمو الخلايا العصبية والحفاظ عليها، وتغيير قوة الوصلات بين هذه الخلايا (المرونة المشبكية العصبية)6-9، بيد أن "آيبوجاين" يتسم أيضًا بالعديد من الخصائص غير المرغوبة10. أول هذه الخصائص أنه يمكن أن يسبب عدم انتظام ضربات القلب إلى حد خطير، أو أن يُحدِث تسممًا عصبيًّا. وثانيتها أن الجرعات العلاجية منه ينجم عنها هلوسات طويلة الأمد. أما ثالثتها، فهي أن عملية تخليقه معقدة من الناحية التقنية، وهو ما يحدّ من إنتاجه.

شكل 1. يُستخلَص عقار "آيبوجاين" من جذور الشجيرة المعروفة علميًّا باسم Tabernanthe iboga ولحائها. أظهر عقار "آيبوجاين" -وهو أحد المركّبات المُهلوسة- نتائج واعدة كعلاج للاكتئاب والإدمان، لكنه يتسم بعدة خصائص غير مرغوبة. وقد طورت كاميرون وزملاؤها5 نظيرًا أكثر أمانًا لهذا العقار.

شكل 1. يُستخلَص عقار "آيبوجاين" من جذور الشجيرة المعروفة علميًّا باسم Tabernanthe iboga ولحائها. أظهر عقار "آيبوجاين" -وهو أحد المركّبات المُهلوسة- نتائج واعدة كعلاج للاكتئاب والإدمان، لكنه يتسم بعدة خصائص غير مرغوبة. وقد طورت كاميرون وزملاؤها5 نظيرًا أكثر أمانًا لهذا العقار.

Credit: Laurent Sazy

من هنا، بدأت كاميرون وزملاؤها في هندسة مركّب مُناظِر لعقار "آيبوجاين"، يتمتع بقدرات "آيبوجاين" العلاجية ذاتها، لكنه يتسم بآثار جانبية أقل شدة. وفي البداية، قام الباحثون بحذف بعض البِنى الأساسية المكوِنة للجزيء الذي يتألف منه العقار بصورة ممنهجة، واكتشفوا أن حلقة رباعي هيدرو الأزيبين الداخلة في تركيبه ضرورية لحفز نمو الخلايا العصبية وتفرعها، سواء في المزارع الخلوية، أم في أدمغة الفئران. بعد ذلك، قام الفريق بتخليق نظائر للعقار "آيبوجاين"، تحتوي في تركيبها على حلقة رباعي هيدرو الأزيبين، وتتميز بأن لها تأثيرات محفزة لنمو الخلايا العصبية، إضافة إلى كونها أفضل من حيث الخصائص السمية.

وأسفرت هذه الجهود عن إنتاج مركّب واعد جديد مرشح لمزيد من الدراسة، يسمى "تابِرنانثالوج" (TBG)، يمكن تخليقه بسهولة في خطوة واحدة من مواد أولية يسهُل توفيرها. وقد استخدمت كاميرون وزملاؤها أساليب تحليل ثبتت فعاليتها لإجراء تجارب على قوارض، وبعض أسماك الزرد، بهدف المقارنة بين عقار "تابِرنانثالوج"، و"آيبوجاين". ووجدوا أن عقار "تابِرنانثالوج" أقل قدرة على التسبب في الهلوسة لمتلقيه، حسب ما أظهرته قياسات قدرة العقار على حفز سلوك ارتعاش الرأس في الفئران. وتَميز العقار أيضًا بأنه ذو تأثير أقل سُمِّية على القلب والنمو في أسماك الزرد، لا سيما مع الجرعات المنخفضة. وتشير هذه البيانات مجتمعة إلى أن عقار "تابِرنانثالوج" هو -على الأرجح- بديل أكثر أمانًا لعقار "آيبوجاين"، رغم أنه قد تكون هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لفهم خصائصه فيما يتعلق بالسمية على مدى جرعاته المختلفة، وفي أنظمة علاج الحالات الحادة والمزمنة.

وقد أجرى فريق الباحثين بعد ذلك تقييمًا للخصائص العلاجية المحتملة لعقار "تابِرنانثالوج". فقيَّم في البداية فاعلية العقار ضد الاكتئاب. وعرَّض فئرانًا لضغوط طفيفة وغير متوقعة لمدة سبعة أيام، ثم أخضعوا هذه الحيوانات لاختبار السباحة الإجبارية، وهو اختبار شائع الاستخدام في التحقق من تأثير المركبات المضادة للاكتئاب. ويتبدَّل فيه سلوك الفئران ما بين مواصلة العوم، أو التوقف عن الحركة، أي السكون. والمركبات التي تقلل فترات سكون الفئران في تلك الاختبارات تكون لها عادةً تأثيرات مضادة للاكتئاب في البشر. وقد تبين أن عقار "تابِرنانثالوج" أدّى بعد يوم واحد فقط إلى مفعول سريع في سلوك الحيوانات الحركي، شابه التأثيرات المضادة للاكتئاب، إلى حد يمكن مقارنته بتأثير "كيتامين"، وهو عقار سريع المفعول مضاد للاكتئاب، إلا أن تأثيرات "تابِرنانثالوج" لم تستمر بقدر مفعول عقار "كيتامين" بعد أسبوع. ومن ثم، يجب أن تقيِّم الدراسات المستقبلية إمكانية إطالة تأثيرات عقار "تابِرنانثالوج" المشابهة لتأثيرات مضادات الاكتئاب، من خلال تغيير نظام جرعات العقار، أو عن طريق الجمع بين العقار، وتدخلات أخرى.

وفي الخطوة التالية، اختبرت كاميرون وزملاؤها قدرة عقار "تابرنانثالوج" على تغيير سلوك الإقبال على استهلاك مركبات الأفيون والكحوليات في نموذجين لقوارض مصابة بالإدمان. ففي نموذج يمثل شَرَه معاقرة الكحوليات، أتيح للفئران الاختيار بين شرب الماء، وتناوُل شراب كحولي يحتوي على تركيز نسبته 20% من الإيثانول. ثم عرَّض الفريق الفئران لآثار انسحاب الإيثانول على فترات لمدة سبعة أسابيع، بهدف خلق شَرَه لمعاقرة الكحوليات لدى هذه الحيوانات. وأدى العلاج بعقار “تابرنانثالوج" سريعًا إلى إضعاف إقبال الحيوانات على استهلاك الكحوليات، وامتد تأثيره إلى ما لا يقل عن يومين، على نحو شابه التأثيرات الملاحظة مع عقاقير أخرى مضادة للإدمان.

أما في النموذج الثاني، الذي يمثل الرغبة في تعاطي مشتقات الأفيون، فقد جرى تعليم بعض الجرذان أنْ تضغط على رافعة لتتلقى جرعة من الهيروين، عن طريق الحقْن في الوريد. وتبين في هذه الحالة أن عقار "تابرنانثالوج" يقلل سريعًا الرغبة في تعاطي الهيروين. ولعل أكثر ما يثير الاهتمام هو أن كاميرون وزملاءها وجدوا أنه في الجرذان التي عُرِّضت لآثار انسحاب الهيروين كان العلاج بعدها بعقار "تابرنانثالوج" فعالًا في منع الانتكاس إلى الإدمان لمدة تتراوح من 12 إلى 14 يومًا، في حين أنه في حال العقاقير الأخرى، يندر رصْد وقاية من الانتكاس، تستمر لهذه الفترة الطويلة إلى حد مدهش بعد علاج أحادي. وهو ما يشير إلى أن عقار "تابرنانثالوج" قد يكون ذا فائدة شديدة في تقليل السلوك الانتكاسي في أوساط المتعافين من إدمان العقاقير.

ومن الجدير بالملاحظة أيضًا أن العلاج بعقار "تابرنانثالوج" قلل أيضًا سريعًا سلوك الرغبة في السَّكروز في الجرذان. ويشير هذا الاكتشاف إلى أن العقار يمكن أن يكون ذا تأثير حاد، لا يعمل على تقليل السمات المرتبطة بالشعور باللذة، الناجم عن الإفراط في استخدام العقاقير، بل يعمل عوضًا عن ذلك على التحكم في السلوكيات المكتسبة بالتعلم بوجه عام. وهذا التفسير البديل لآلية عمل العقار، الذي يضاهي في أهميته هذا الاكتشاف نفسه، يشير إلى أن "تابرنانثالوج" يمكن أن يكون مفيدًا في تغيير مجموعة من السلوكيات الاعتيادية، بيد أن هذا ما زال بحاجة إلى دراسة.

كيف يعمل عقار "تابرنانثالوج" إذَن؟ أوضح الباحثون أن العقار يُنشِّط بقوة بروتين المستقبل  (5-HT2AR)، فالعلاج الذي يُعطى فيه هذا العقار بالتزامُن مع عقار "كيتانسيرين" ketanserin -وهو مثبط للمستقبِل (5-HT2AR)- يَحُول دون حدوث تأثيرات عقار "تابرنانثالوج" التي تقلل سلوك السكون في اختبار السباحة الإجبارية، وهو ما يعني أن مسار التأشير هذا يلعب دورًا في إحداث تأثيرات "تابرنانثالوج" المشابِهة لتأثيرات مضادات الاكتئاب. كما وُجِد أن تأثيرات عقار "تابرنانثالوج" المحفزة لنمو الخلايا العصبية يمنعها على النحو نفسه عقار "كيتانسيرين". وتثير هذه الاكتشافات احتمالية مثيرة للاهتمام لأنْ يَحْدُث مفعول عقار "تابرنانثالوج" سريعًا من خلال مسار تأشير المستقبِل (5-HT2AR)، الذي يستخدمه العقار كي ينتج تأثيراته السلوكية العلاجية، التي يُحتمل أنه يتم الإبقاء عليها بعدئذ عن طريق التأثير على نمو الخلايا العصبية ومرونتها التشابكية، مثلما لوحظ في الدراسات التي أجريت على عقار "كيتامين". وسيظل من الضروري إجراء الدراسات التي تستطيع تقييم ما إذا كانت ثمة حاجة إلى مرونة مشبكية عصبية لإحداث تأثيرات العقار ، ومدى الحاجة إلى هذه المرونة، والكيفية التي تؤثر بها مع مسار تأشير المستقبِل (5-HT2AR) على سلوك الخلايا العصبية ووظيفتها، من خلال التأثير على أنواع بعينها من الخلايا والدوائر العصبية.

ويُعد بحث كاميرون وزملائها أساسًا للبحوث المستقبلية، الرامية إلى معرفة ما إذا كان ممكنًا استخدام عقار "تابرنانثالوج"، ونظائر "آيبوجاين" الأخرى، بهدف علاج حالات الإدمان والاكتئاب. ومن الجدير بالذكر أن النماذج الحيوانية للسلوكيات ذات الصلة بالأمراض النفسية تشتهر بأنها معقدة، ولا يستطيع نموذج واحد أن يحاكي بصدق أوجه الاضطراب النفسي كافة11. كما اتضح لنا أن المركّبات ذات التأثيرات السلوكية الواعدة في القوارض ليست كلها مفيدة علاجيًّا للبشر. ومن ثم، ستكون هناك حاجة إلى دراسات مكثفة تنبني على نماذج حيوانية أخرى، وعلى تجارب إكلينيكة لاحقة، من أجل توضيح آلية عمل عقار "تابرنانثالوج"، ولفهْم العلاقة بين جرعاته، وتأثيراته العلاجية، وآثاره الجانبية الضارة، ولوضع نظام جرعات لتعاطيه على نحو آمِن وفعال في البشر، وللتيقن من فعاليته الإكلينيكية في نهاية المطاف.

يقدم هذا العمل البحثي أدلة قوية تدعم السعي إلى مواصلة دراسة هذه الطائفة الجديدة من المركبات العلاجية".

وقد حرصت كاميرون وزملاؤها -في الواقع- على تأكيد أن ما استفادوا به في دراستهم هو مجرد خطوة أولى في هذا الاتجاه، وليس دعوة إلى الشروع مباشرة في استخدام عقار "تابرنانثالوج"، أو "آيبوجاين"، أو المركّبات المماثلة، في العيادات الإكلينيكية أو مع الحالات غير الخاضعة لإشراف طبي. وإنما يقدم بحثها هي وزملائها أدلة قوية، تدعم السعي إلى مواصلة دراسة هذه الطائفة الجديدة من المركّبات العلاجية. كما يُعَد هذا العمل البحثي بمثابة خريطة طريق ترشد الجهود المستقبلية الرامية إلى هندسة نظائر جديدة للمركّبات المُهلوسة، تحافظ على الفوائد العلاجية المحتملة لهذه المركّبات، مع تقليل آثارها الجانبية الضارة، وخصائصها غير المرغوبة الأخرى، إلى أقل حد ممكن.

References

  1. Vollenweider, F. X. & Kometer, M. Nature Rev. Neurosci. 11, 642–651 (2010). | article
  2. Carhart-Harris, R. L. et al. Lancet Psychiatry 3, 619–627 (2016). | article
  3. Mithoefer, M. C., Wagner, M. T., Mithoefer, A. T., Jerome, L. & Doblin, R. J. Psychopharmacol. 25, 439–452 (2011). | article
  4. Ross, S. et al. J. Psychopharmacol. 30, 1165–1180 (2016). | article
  5. Cameron, L. P. et al. Nature 589, 474–479 (2021). | article
  6. He, D.-Y. et al. J. Neurosci. 25, 619–628 (2005). | article
  7. Noller, G. E., Frampton, C. M. & Yazar-Klosinski, B. Am. J. Drug Alcohol Abuse 44, 37–46 (2018). | article
  8. Ly, C. et al. Cell Rep. 23, 3170–3182 (2018). | article
  9. Glick, S. D. et al. Brain Res. 657, 14–22 (1994). | article
  10. Iyer, R. N., Favela, D., Zhang, G. & Olson, D. E. Nat. Prod. Rep. https://doi.org/10.1039/D0NP00033G (2020). | article
  11. Nestler, E. J. & Hyman, S. E. Nature Neurosci. 13, 1161–1169 (2010). | article

جابرييللا مانزانو-نيفيس، وكونور لِستون

يعملان بقسم الطب النفسي في معهد ساكلر للبيولوجيا النفسية التطورية، ومعهد فايل فاميلي لبحوث المخ والعقل بكلية طب ويل كورنيل في نيويورك، نيويورك 10021، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: col2004@med.cornell.edu