أنباء وآراء

رصْد النيوترينوات يصل إلى لُبِّ الشمس

عملية الرصد الأُولى للنيوترينوات الناتجة عن دورة الاندماج الشمسي الثانوية تُمهِّد طريق الوصول إلى فهمٍ تفصيلي لبِنْية الشمس، وتَكَوُّن النجوم العملاقة. 

جابرييل دي. أوريبي جان 

  • Published online:

في بحثٍ نُشر مؤخرًا في دورية Nature، سَلَّط القائمون على تجربة "بوريكسينو"1 Borexino الضوء على مجموعة من النتائج، التي أقل ما تُوصَف به أنها تُشكِّل إنجازًا مرحليًّا في فيزياء النيوترينوات. فقد رصد هؤلاء العلماء نيوترينواتٍ شمسية ناتجةٍ عن دورة تفاعلات الاندماج النووي، المعروفة باسم دورة "تفاعل الكربون-نيتروجين-أكسجين" CNO. وقد تؤدي قياساتُ هذه النيوترينوات إلى انقشاع الغموض الذي يحيط ببِنْية لُبِّ الشمس، وربما تُقدِّم رؤى كاشفةً مهمة عن تكوُّن النجوم العملاقة.

والنيوترينواتُ هي جُسيماتٍ دقيقة دون ذَرّية، وقد افتَرض وجودها للمرة الأولى فولفجانج باولي في عام 1930، كتفسيرٍ للطاقة التي فُقدت فيما يبدو أثناء "اضمحلال بيتا"، وهو عمليةٌ تنبعث فيها إلكتروناتٌ نشطة من نواة ذَرّية. ووجودُ جُسيمٍ عديم الكتلة قادرٍ على نقل أي جزءٍ ضئيلٍ من الطاقة المُنبعثة من الاضمحلال قد يُعطي تفسيرًا لاستمرارية طيف طاقات الإلكترونات المنبعثة. والسبب الذي ساقه باولي لتفسير عدم رصد النيوترينوات من قبل مُطلقًا هو أنَّ تفاعلها مع المادة ضعيفٌ للغاية. وقد أسفرت العقودُ التالية من البحث العلمي عن كَمٍّ وفيرٍ من المعلومات حول "الجُسيم الشبحي" لباولي، من بينها اكتشاف أن النيوترينوات لها كتلة2-4 -وهو الاكتشاف الذي حاز صاحباه جائزة نوبل- حتى ولو كانت هذه الكتلة ضئيلةً بحيث يتعذر على القياسات الحالية تقديرُها.   

ينتُج عن تفاعلات الاندماج التي تحدث في الشمس عددٌ مذهلٌ من النيوترينوات، إذ يمر قُرابة 100 مليار نيوترينو شمسي عبر ظُفرَي إبهاميك في كل ثانيةٍ. ونظرًا إلى ضعف تفاعلاتها، يكاد لا يعوقها شيءٌ عن مسارها، حتى عندما يتعين عليها المرور عبر الكرة الأرضية بأكملها، حيث واجهت أحدث التجارب5 (انظر أيضًا go.nature.com/36sktyj) صعوبةً كبيرةً في رصد التفاوت في تدفق النيوترينوات بين الليل والنهار، بسبب الضآلة البالغة لحجم هذا التأثير.

ومن ثمَّ، فإن النيوترينوات يصعب رصدها، غير أنها قادرةٌ على تقديم رؤى كاشفة حول مناطق من الكون، كان سيتعذر الوصول إليها بشدة لولاها، مثل المُستَعـِرات العظمى البعيدة، أو المناطق الداخلية للنجوم. وتستغرق الطاقة المُنتجة في مركز الشمس على هيئة فوتونات عشرات الآلاف من السنين كي تنبعث من الشمس، لكنّ النيوترينوات الشمسية تستطيع  أن تفلِت من الشمس، وأن تصلَ إلى كوكب الأرض في ثماني دقائق فحسب. ويفتح هذا لنا نافذة استثنائية نُطِل من خلالها على لُبِّ هذا النجم المتوهج.

تستمد الشمس طاقتها من تفاعلات الاندماج التي تحدث في لُبِّها: ففي ظل الحرارة الشديدة لهذه البيئة عالية الضغط، تندمج البروتونات معًا مُكوِّنةً الهيليوم. يحدث هذا في دورتين مُتمايزتين من التفاعلات النووية. يُطلَق على الأولى "تفاعل البروتون-بروتون المُتسلسل"، (أو اختصارًا: pp chain)، وهي تهيمن على إنتاج الطاقة في نجومٍ بحجم شمس مجرّتنا. ويُطلَق على الثانية دورة "تفاعل الكربون-نيتروجين-أكسجين"، وهي مسؤولة عن 1% تقريبًا من الطاقة الشمسية، إلا أنها تهيمن على إنتاج الطاقة في النجوم الأضخم حجمًا6.

أُجريت التجربةُ الأولى لرصد النيوترينوات الشمسية باستخدام مكشافٍ في منجم هومستاك بولاية ساوث داكوتا. وقد استخدمت هذه التجربة قياسات النيوترينوات الشمسية الناتجة من "تفاعل البروتون-بروتون المُتسلسل"، لسبر أغوار "النموذج الشمسي القياسي" SSM الذي يصف الاندماج النووي داخل الشمس. وقد أثمرت هذه التجربة عن نتيجة مذهلة، هي عدم رصْد سوى قُرابة ثُلث عدد النيوترينوات ذات النوعية (أو النكهة) المتوقعة7.

وقد أعقبت ذلك سلسلةٌ من التجارب، استمرت على مدار عقود، بهدف الوصول إلى حلِّ "لغز النيوترينوات الشمسية". وقد تمكَّنت نتائج التجارب الحائزة على جائزة نوبل، التي أُجريت في مرصد النيوترينو "سادبوري" في أونتاريو بكندا، من حلِّ هذه المُعضلة: فقد كانت النيوترينوات تُغيِّر نكهاتها بين إنتاجها ورصدها3. ولمتابعة هذه النتيجة، أجرى القائمون على تجربة "بوريكسينو" بمُختبر جران ساسو الوطني في إيطاليا تحليلًا طيفيًّا كاملًا للنيوترينوات من عدة مراحل من "تفاعل البروتون-بروتون المُتسلسل8". وقد أتاح هذا التحليل في النهاية للمجال أن يعود إلى حيثُ بدأ، وهو ما يطرح من جديدٍ إمكانية استخدام النيوترينوات الشمسية كوسيلة لاستكشاف باطن الشمس.

والآن، يشير القائمون على مشروع "بوريكسينو" إلى إنجاز مذهل حققته التجربة، ألا وهو الرصد الأول للنيوترينوات الناتجة من دورة "تفاعل الكربون-نيتروجين-أكسجين". هذه النتيجة بمثابة قفزةٍ هائلةٍ إلى الأمام، إذ تتيح الفرصةَ لحل لغز التركيب الأوَّلي للُبِّ الشمس. ففي علم الفيزياء الفلكية، يُطلَق مصطلحُ فلزٍ على أيّ عنصرٍ أثقل من الهيليوم. ومن ثم، يؤثر المحتوى الفلزي الدقيق (مؤشِّر التَّعَدُّن) للُبِّ النجمي على معدل دورة "تفاعل الكربون-نيتروجين-أكسجين". وهذا، بدوره، يؤثر على خصائص النجم من حيث درجة الحرارة والكثافة -وبالتالي تطوُّره- وكذلك درجة إعتام طبقاته الخارجية.

ويؤثر مؤشِّرُ تَّعَدُّن الشمس ودرجة إعتامها على سرعة الموجات الصوتية المنتشرة عبر حجمها. وعلى مدار عقود، توافقت قياسات علم الذبذبات الشمسية مع توقعات "النموذج الشمسي القياسي" لسرعة الصوت داخل الشمس، مما زاد الثقة بهذا النموذج، غير أن القياسات المطيافية لدرجة الإعتام الشمسي أسفرت عن نتائج أقل بكثير مما كان متوقعًا في السابق، ما أدى إلى حدوث تناقضاتٍ مع بيانات علم الذبذبات الشمسية9. وتُعَدّ القياسات الدقيقة للنيوترينوات من دورة "تفاعل الكربون-نيتروجين-أكسجين" الأداةَ المستقلة الوحيدة التي يمكن التحقق بها من هذا التفاوت. وقد تُلقِي هذا القياسات الضوء أيضًا على تطوُّر النجوم.

وتشمل العقباتِ الأساسية التي تعترض إجراء هذه القياسات انخفاضَ طاقة النيوترينوات الناتجة من دورة "تفاعل الكربون-نيتروجين-أكسجين" وتدفقها، وصعوبةَ عزل إشارة النيوترينو عن مصادر إشارات الخلفية، مثل عمليات الاضمحلال الإشعاعي. وترصد تجربة "بوريكسينو" الضوء المنبعث حين تعمل النيوترينوات الشمسية على تشتيت الإلكترونات في وعاءٍ كبير من كاشفٍ وميضي للموائع؛ وهو أداة تنتج الضوء استجابةً لمرور جُسيمات مشحونة. والقياس الدقيق لخصائص الطاقة والزمن للضوء المرصود يسمح للوميض الذي تُسبِّبه النيوترينوات الشمسية بأنْ يحيد عن الضوء الناتج من المصادر الأخرى، مثل التلوُّث الإشعاعي في الكاشف الوميضي ذاته، ومكونات المكشاف المحيطة.

وقد أعدَّ القائمون على تجربة "بوريكسينو" حملةَ تنقيةٍ تستغرق عدة سنوات، لضمان انخفاض نِسَب المُلوِّثات الإشعاعية على نحوٍ غير مسبوقٍ داخل الكاشف الوميضي. ورغم ذلك، أدَّت تيارات الحمل الحراري الضعيفة التي سبَّبتها التغيُّرات الحرارية إلى انتشار المُلوِّثات الإشعاعية من الحواف الخارجية للمكشاف. خفف الباحثون من هذا التأثير من خلال ابتكار نظام تحكُّم رائع في التغيرات الحرارية داخل المكشاف (شكل 1)، وهو ما مكنهم بالتالي من إنجاز عمل بطولي صعب للغاية، تَمَثَّل في رصد النيوترينوات الناتجة من دورة "تفاعل الكربون-نيتروجين-أكسجين"، بيد أن القياسات الناتجة ليست دقيقة بالدرجة الكافية بعد لحل لغز مؤشِّر التَّعَدُّن الشمسي، ولكنها تمهد الطريق نحو هذا الهدف.

شكل 1| مكشاف "بوريكسينو"للنيوترينوات. ترصد تجربة "بوريكسينو" الضوء المنبعث حين تعمل النيوترينوات الشمسية على تشتيت الإلكترونات في وعاء كبيرٍ من كاشفٍ وميضي للموائع؛ وهو أداةٌ تنتج الضوء، استجابةً لمرور جُسيمات مشحونة. غلَّف القائمون على تجربة "بوريكسينو" المكشاف بعازلٍ حراري، بغرض التحكم في التغيُّرات الحرارية داخل المكشاف، ما أعان الفريق على تسجيل قياساتٍ عالية الدقة ضروريةٍ لرصد النيوترينوات الشمسية الناتجة عن دورة الاندماج الشمسي الثانوية للشمس1.

شكل 1| مكشاف "بوريكسينو"للنيوترينوات. ترصد تجربة "بوريكسينو" الضوء المنبعث حين تعمل النيوترينوات الشمسية على تشتيت الإلكترونات في وعاء كبيرٍ من كاشفٍ وميضي للموائع؛ وهو أداةٌ تنتج الضوء، استجابةً لمرور جُسيمات مشحونة. غلَّف القائمون على تجربة "بوريكسينو" المكشاف بعازلٍ حراري، بغرض التحكم في التغيُّرات الحرارية داخل المكشاف، ما أعان الفريق على تسجيل قياساتٍ عالية الدقة ضروريةٍ لرصد النيوترينوات الشمسية الناتجة عن دورة الاندماج الشمسي الثانوية للشمس1.

ستعمل التجارب المستقبلية على تحسين مستوى الدقة الذي تحققه تجربة "بوريكسينو"، من خلال التوصُّل إلى طرقٍ مبتكرة لتحديد تشويش الخلفية الذي يُسبِّبه التلوُّث الإشعاعي، واستبعاده. وفي الوقت نفسه، يقرِّبنا الإنجاز الرائع الذي حقَّقه القائمون على تجربة "بوريكسينو" خطوةً نحو فهمٍ كاملٍ للشمس، ولعملية تكوُّن النجوم العملاقة، ومن المُرجَّح أن تُحدِّد هذه الخطوة ملامح الهدف في هذا المجال على مدار السنوات القادمة.  

 

References

  1. The Borexino Collaboration. Nature 587, 577–582 (2020). | article
  2. Ahmad, Q. R. Phys. Rev. Lett. 87, 071301 (2001). | article
  3. Ahmad, Q. R. Phys. Rev. Lett. 89, 011301 (2002). | article
  4. Ashie, Y. et al. Phys. Rev. D 71, 112005 (2005). | article
  5. Aharmim, B. et al. Phys. Rev. C 72, 055502 (2005). | article
  6. Adelberger, E. G. et al. Rev. Mod. Phys. 83, 195 (2011). | article
  7. Davis, R. Jr, Harmer, D. S. & Hoffman, K. C. Phys. Rev. Lett. 20, 1205 (1968). | article
  8. Agostini, M. et al. Nature 562, 505–510 (2018). | article
  9. Asplund, M., Grevesse, N., Sauval, A. J. & Scott, P. Annu. Rev. Astron. Astrophys. 47, 481–522 (2009). | article

جابرييل دي أوريبي جان

يعمل في قسم الفيزياء بجامعة كاليفورنيا، بيركلي، كاليفورنيا 94720، الولايات المتحدة الأمريكية، ومختبر لورنس بيركلي الوطني.

البريد الإلكتروني: gabrielog@berkeley.edu