أنباء وآراء

استعادة حاسة الإبصار بإعادة عقارب الساعة فوق الجينية إلى الوراء

تتدهور الخلايا العصبية على نحوٍ مُتصاعدٍ مع التقدُّم في العمر، وتَفقد مرونتها بفعل الإصابات، غير أنه تبيَّن أنَّ العلاج بثلاثةٍ من عوامل النسخ يمكن أن يَهب خصائص مرحلة الشباب للخلايا العصبية البالغة في العين من جديدٍ، ويمنحها القدرة على تجديد نفسها.

أندرو دي هوبرمان

  • Published online:

يُؤثِّر التقدُّم في العمر سلبًا على جميع خلايانا وأعضائنا، وليست أدمغتُنا بمنأىً عن ذلك. ففي الأدمغة النامية، تعمل الخلايا العصبية على تكوين دوائر عصبية قادرةٍ على أن تتكيَّف مع التغيُّر، وأن تتجدَّد حال إصابتها. وقد عُرف منذ زمنٍ طويل1 أنَّ قدرة الخلايا العصبية على التجَدُّد تتناقص بمرور الوقت، لكن التغيُّرات الجزيئية التي تقف وراء هذا التدهور ظلَّت غامضة. وبَيَّن لُو وزملاؤه2 في بحثٍ سابق نُشر في دورية Nature أن الخلايا العصبية بالعين يمكن برمجتُها لتعود إلى حالة الشباب، فتكتسب من جديدٍ قدرتها على مقاومة الإصابة، وعلى التجدُّد. وتُسلِّط النتائج التي توصَّل إليها هؤلاء الباحثون الضوء على آليات الشيخوخة، وتستهدف إيجاد طريقةٍ ناجعةٍ لعلاج أمراض الخلايا العصبية المرتبطة بالسن.

تُوجَد الخلايا العُقدية الشبكية (RGCs) في العينين، ومن ثم تقع خارج الجمجمة، لكنها خلايا عصبية دماغية أصيلة. تنمو هذه الخلايا في البداية كجُزءٍ من الدماغ الأمامي، ثم تنتأ منها بعد ذلك زوائدٌ تُسمَّى المحاور العصبية، التي تمتدُّ لتصل إلى خارج العين؛ من أجل تكوين روابط مع الخلايا العصبية في الدماغ نفسه. هذه المحاور التي تترابط معًا لتشكيل العصب البصري تمتاز بالقدرة على البقاء، والتجدُّد حال إصابتها في وقتٍ مبكرٍ من النمو، لكنها لا تتمتع بهذه القدرة بعد وصولها إلى مرحلة النضج4،3. وتشير الأدلة5،3 إلى أن هذا التغيُّر هو خاصيةٌ مُتأصِّلةٌ في الخلايا العُقدية الشبكية أكثر من كونه يَعكس التغيُّرات التي تحدث في الخلايا المحيطة بها.

وقد اهتمَّ عددٌ هائلٌ من الدراسات بالبحث عن العوامل التي يمكن أن تؤدي إلى إعاقةِ أو تعزيزِ بقاء الخلايا العُقدية الشبكية وتجدُّدها. وقد تم بالفعل التعرُّف على عددٍ من هذه العوامل القادرة على منْح الخلايا العُقدية الشبكية البالغة درجةً معينةً من القدرة على البقاء والتجدُّد، غير أن هذه الدرجة ليست كافية للاحتفاظ الكامل بالقدرة على الإبصار، أو استعادة حاسة الإبصار بعد حدوث تلفٍ بالعصب البصري4.

وقد تساءل لُو وزملاؤه عن مدى إمكانية ردِّ الخلايا العُقدية الشبكية إلى مرحلة الشباب، وعمّا إذا كان النجاحُ في ذلك قد يسمح بتجدُّد الخلايا، أم لا. لهذا، نقلوا إلى الخلايا العُقدية الشبكية في الفئران عدوى الفيروسات المرتبطة بالفيروس الغُدِّي. وقد استخدموا هذه الفيروسات غير الضارة بعد هندستها وراثيًّا لاستثارة التعبير عن ثلاثة من عوامل النسخ تُعرف باسم "عوامل ياماناكا"، وهي مجموعةٌ تتألَّفُ من أربعة عوامل (هي Oct4، وSox2، وKlf4، وc-Myc)، لديها القدرة على تحفيز أنواعٍ من الخلايا البالغة على اكتساب خصائص الخلايا غير البالغة6. وعادةً ما يكون مثلُ هذا النهج محفوفًا ببعض المخاطر في جسم الكائن الحي. فعوامل ياماناكا يمكن أن تدفع الخلايا إلى تبني هوياتٍ وخصائصَ جديدة غير مرغوبٍ فيها، الأمر الذي قد يؤدي إلى حدوث الأورام، بل إلى الوفاة7. ولحسن الحظ، وجد لُو وزملاؤه أن بمقدورهم تطويق هذه المخاطر بالتعبير عن ثلاثة عوامل فقط، هي: Oct4، وSox2، وKlf4 (وهي مجموعة تُعرف بـOSK).

اختبر الباحثون قدرة الخلايا العُقدية الشبكية المصابة على التجدد حال إتلاف المحاور العصبية للخلايا، ووجدوا أنَّ الفيروسات التي تُعبِّر عن عوامل OSK حفَّزت تجدُّد الخلية العُقدية الشبكية، وأدّت إلى نمو محورها العصبي ليمتدَّ إلى مسافةٍ طويلة، في أعقاب عطبٍ أصاب العصب البصري (شكل 1)، ولم يكن ذلك مصحوبًا بأي تغيُّرات في هوية الخلية العُقدية الشبكية، أو ظهور أورام في الشبكية، أو أي انعكاساتٍ سلبية أخرى.

شكل 1 استعادة الفئران حاسة الإبصار. تَنقل الخلايا العُقدية الشبكية معلوماتٍ بصريةٍ من العين إلى الدماغ عبر زوائد يُطلق عليها المحاور العصبية. وفي حال حدوث تلفٍ في المحاور العصبية للخلايا العُقدية الشبكية، فإن ذلك يَحُول دون نقل هذه المعلومات، ما يؤدي إلى فقدان حاسة الإبصار. تشير لُو وزملاؤها2 إلى أن معالجة الخلايا العُقدية الشبكية المعطوبة بمجموعة من عوامل النسخ، يُطلق عليها OSK، تعيد الشباب إلى الخلايا، ما يؤدي إلى تجدُّد المحاور العصبية، واستعادة الفئران حاسة الإبصار.

شكل 1 استعادة الفئران حاسة الإبصار. تَنقل الخلايا العُقدية الشبكية معلوماتٍ بصريةٍ من العين إلى الدماغ عبر زوائد يُطلق عليها المحاور العصبية. وفي حال حدوث تلفٍ في المحاور العصبية للخلايا العُقدية الشبكية، فإن ذلك يَحُول دون نقل هذه المعلومات، ما يؤدي إلى فقدان حاسة الإبصار. تشير لُو وزملاؤها2 إلى أن معالجة الخلايا العُقدية الشبكية المعطوبة بمجموعة من عوامل النسخ، يُطلق عليها OSK، تعيد الشباب إلى الخلايا، ما يؤدي إلى تجدُّد المحاور العصبية، واستعادة الفئران حاسة الإبصار.  

كبر الصورة

وقد ترتَّبَتْ على التعبير عن عوامل OSK آثارٌ نافعةٌ فيما يتعلق بتجدُّد المحور العصبي للخلية العُقدية الشبكية في كل من الفئران الشابة، والفئران المُسنَّة. وفي بعض الحالات، امتدَّت المحاور العصبية المتجدِّدة دون انقطاعٍ، من العين إلى التَّصَالُبِ البصري (يوجد ذلك الموضع عند قاعدة الدماغ، ويتقاطع فيه العَصَبان البصريان، ويَعبُر عنده جزءٌ من كل عَصَبٍ إلى نصف الكرة الآخر من الدماغ). وتجدُر الإشارةُ إلى أن تأثيرات عوامل OSK يمكن رصدها في الحيوانات الأكبر سنًّا، لأنّ دراسات تجدُّد الخلايا العُقدية الشبكية تُجرَى في الغالب على حيواناتٍ صغيرة السن نسبيًّا، ومن ثم فإنها تتمتع ببقايا القدرة الطبيعية على التجدُّد. لذا، تشير الدلائل إلى أن النهج الذي يتبعه لُو وزملاؤه يمكن أن يساعد الخلايا العُقدية الشبكية البالغة على استعادة كامل قدرتها التجديدية، وهو ما يُعَد إنجازًا مَرحليًّا مُهمًّا في هذا المجال.

"مكَّنت عوامل OSK الفئران المُسنَّة من استعادة القدرة على الإبصار التي كانت تتمتع بها في مرحلة الشباب".

وثمة تقنياتٌ استُخدمت في السابق لتعزيز بقاء الخلايا العُقدية الشبكية، واستعادة نمو المحاور العصبية. وقد تعيَّن استخدامُ كل هذه التقنيات قبل حدوث تلفٍ في العصب البصري4، وهو قيدٌ لا يتوافق مع استخدام هذه التقنيات في الأغراض العلاجية. وممَّا يثير الدهشة أن لُو وزملاءه بيَّنوا أنَّهم تمكَّنوا من استثارة التعبير عن عوامل OSK في مراحل زمنية مختلفة، حتى بعد إصابة المحور العصبي، ولا يزال بمقدورهم تحسينُ بقاء وتجدُّد الخلايا العُقدية الشبكية. لم تقتصر هذه التأثيرات على إصابات العصب البصري، فالتعبيرُ عن عوامل OSK أدى إلى استعادة الإبصار، وتعافي الخلايا العُقدية الشبكية بدرجة كبيرة في نموذجٍ لفأرٍ مُصابٍ بالزَّرَق (أكثر الأسباب شيوعًا لفُقدان حاسة الإبصار لدى البشر). وقد أدى التعبير عن عوامل OSK في الخلايا العُقدية الشبكية، بعد فقد المحاور وفقدان حاسة الإبصار (ولكن قبل موت الخلايا العُقدية الشبكية)، إلى استعادة هذه الحيوانات إبصارها كاملًا. وقد حدث الشيءُ نفسه مع الفئران البرية المُسنَّة، حيث مكَّنت عوامل OSK الفئران المُسنَّة من استعادة القدرة على الإبصار التي كانت تتمتع بها في مرحلة الشباب.

لماذا يمكن لإعادة برمجة الخلايا العُقدية المُسنَّة، على نحوٍ يجعلها تستعيد مرحلة الشباب، أن تُعزِّز عملية التجدد واستعادة الإبصار؟ ثمة نموذج ناشئ في مجال أبحاث الشيخوخة يفيد بأنَّ الخلايا تُراكِم بمرور الوقت تشوُّشًا فوق جيني. وهذا التشوُّش هو تغيُّراتٍ جُزيئية تُبدِّل أنماط التعبير الجيني8، بما يشمل تغيُّراتٍ في النسخ، وتحوُّلاتٍ في أنماط مجموعات الميثيل على الحمض النووي. وتتسبَّب هذه التغيُّرات مجتمعةً في فقدان الخلايا هويتها، ومن ثم فقدان أنماط التعبير عن كل من الحمض النووي، والحمض النووي الريبي، والبروتينات، تلك الأنماط التي كانت تسهم ذات يومٍ في تعزيز مرونة تلك الخلايا في فترة شبابها10،9. ونظرًا إلى الاهتمام المُتنامي بعملية مَثْيَلَة الحمض النووي كأحد المظاهر الدالة على عمر الخلية، حاول الباحثون معرفة ما إذا كان التعبير عن عوامل OSK يُبطِل –بطريقةٍ، أو بأخرى- ما تُحْدِثه الشيخوخةُ أو إصابةُ المحاور العصبية من تأثيراتٍ سلبية على مَثْيَلَة الحمض النووي، أم لا.

من المعلوم أنَّ مُكونات الحمض النووي الريبي الداخلة في تكوين آلية تخليق البروتين في الخلية، المعروفة باسم بالريبوسوم، تخضع للتشفير بواسطة جينات الحمض النووي الريبوسومي التي تعمل على التراكُم المُطَّرد لمجموعات الميثيل مع تقدُّم العمر. ولذا، فإن "ساعة مَثْيَلَة الحمض النووي" الريبوسومي تُعَد مُؤشرًا موثوقَ الدلالة على عمر الخلية11. وقد توصَّل لُو وزملاؤه إلى أن إتلاف المحاور العصبية للخلايا العُقدية الشبكية أدى إلى تسارُع وتيرة مَثْيَلَة الحمض النووي الريبوسومي، بطريقةٍ تُحاكِي تَسارُع وتيرة تقدُّم الخلية في العمر، بينما يؤدي التعبير عن عوامل OSK إلى مقاومة هذا التسارُع، ممَّا يدل على أنَّ إصابات الأنسجة -بوجه عام- قد تكون صورةً من صور الشيخوخة المُتسارعة.

أجرى فريقُ الباحثين اختباراتهم كذلك لمعرفة ما إذا كان تعطيل مَثْيَلَة الحمض النووي، هو ما تتطلبه عوامل OSK كي تستعيد الفئران المُسنَّة قدرتها على تجديد المحاور العصبية، وتتمكَّن من استرداد حاسة الإبصار، أم لا. وقد عملت إنزيمات TET (وهي تشمل: TET1، وTET2 وTET3)، كعاملٍ حفازٍ لتعطيل مَثْيَلَة الحمض النوووي12. وقد أوضح الباحثون أن عوامل OSK استثارت التعبير عن جينَي TET1، وTET2، وأن تقليل إنتاج بروتينَي TET1، وTET2 أدَّى إلى عرقلة التأثيرات التي تُحْدِثها عوامل OSK على تجدُّد الخلايا العُقدية الشبكية، واستعادة حاسة الإبصار لدى الفئران المُسنَّة. ولذا، فإنَّ التغيُّرات الحادثة في مَثْيَلَة الحمض النووي تؤدي دورًا محوريًّا على ما يبدو في تأثيرات عوامل OSK. ففي واقع الأمر، توصَّل لُو وزملاؤه إلى أنَّ عوامل OSK استعادت الأنماط الشابة لمَثْيَلَة الحمض النووي، عبر طيفٍ واسعٍ من الجينات التي تلعب دورًا في بقاء الخلايا العصبية، ونموها، وقدرتها على الاتصال. تَحْدُث هذه الأنماط عند المناطق الكروموسومية ذات المستويات المرتفعة من "المُركَّب المُثبِّط عديد الأمشاك 2"، (المعروف اختصارًا بـPRC2)، وهو مُركَّب بروتيني يُحدِث تغييرًا في عملية المَثْيَلَة أثناء النمو والشيخوخة13. وللمُضي قدمًا سيكون من الأهمية بمكانٍ أن نُحدِّد بدقة إلى أي مدى ترتبط إعادةُ ضبط أنماط مَثْيَلَة الحمض النووي بالتأثيرات الإيجابية لعوامل OSK، وماهية الآليات المؤدية إليها، التي تَحكم إعادة الضبط الخلوي.

هل يُحتمل أن تنطبق النتائج التي توصَّل إليها لُو وزملاؤه على البشر؟ وجد الباحثون أن التعبير عن عوامل OSK قد أدى إلى تعزيز نمو المحاور العصبية من جديد، وبقاء الخلايا العصبية البشرية على قيد الحياة مِخبريًّا. صحيحٌ أن تأثيرات عوامل OSK لدى البشر لا تزال بحاجةٍ إلى مزيد من البحث، لكن النتائج الحالية توحي بأنَّ هذه العوامل يُحتمَل أن تُعِيد برمجة الخلايا العصبية للدماغ عبر مختلف الأجناس.

ويجب أن تتناول الأبحاث المستقبلية أيضًا مسألة ما إذا كان التعبير عن عوامل OSK يمكن أن يُحدِث التأثيرات اللافتة نفسها على الخلايا العصبية في أماكن أخرى من الدماغ والحبل الشوكي، أم لا. ونظرًا إلى أن الخلايا العُقدية الشبكية هي خلايا عصبية دماغية أصيلة، فثمة سبب وجيه للاعتقاد بأن هذا سيحدث. ومن ثمَّ، فإن النتائج الحالية تثير حماسًا كبيرًا، دون شك، ليس فقط لدى الباحثين في مجال استعادة الإبصار، ولكن أيضًا لدى أولئك الذين يتطلعون إلى فهم إعادة البرمجة فوق الجينية للخلايا العصبية والأنواع الأخرى من الخلايا عمومًا. لقد كان الرأي السائد على مدار عقود هو أن فهْم عمليات النمو العصبي الطبيعية قد يتيح يومًا إمكانية التوصُّل إلى أدواتٍ لإصلاح دماغٍ مُصابٍ، أو مُسنّ. وتُؤكِّد أبحاث لُو وزملائه أن هذه الحقبة قد بدأت الآن.

References

  1. D.-B., D. Nature 125, 230–231 (1930). | article
  2. Lu, Y. et al. Nature 588, 124–129 (2020). | article
  3. Goldberg, J. L., Klassen, M. P., Hua, Y. & Barres, B. A. Science 296, 1860–1864 (2002). | article
  4. Laha, B., Stafford, B. K. & Huberman, A. D. Science 356, 1031–1034 (2017). | article
  5. Horsburgh, G. M., Lund, R. D. & Hankin, M. H. J. Comp. Neurol. 327, 323–340 (1993). | article
  6. Takahashi, K. & Yamanaka, S. Cell 126, 663–676 (2006). | article
  7. Abad, M. et al. Nature 502, 340–345 (2013). | article
  8. Oberdoerffer, P. et al. Cell 135, 907–918 (2008) | article
  9. López-Otín, C., Blasco, M. A., Partridge, L., Serrano, M. & Kroemer, G. Cell 153, 1194–1217 (2013). | article
  10. Horvath, S. Genome Biol. 14, 3156 (2013). | article
  11. Wang, M. & Lemos, B. Genome Res. 29, 325–333 (2019). | article
  12. Rasmussen, K. D. & Helin, K. Genes Dev. 30, 733–750 (2016). | article
  13. Laugesen, A., Højfeld, J. W. & Helin, K. Mol. Cell 74, 8–18 (2019). | article

أندرو دي هوبرمان

يعمل في قسم البيولوجيا العصبية وقسم أمراض العيون بكلية طب جامعة ستانفورد، ستانفورد، كاليفورنيا 94305، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: adhh1@stanford.edu