أخبار

أحدُ روَّاد الحوسبة الكمِّية يُحذِّر من الرضا بمستوى أمان الإنترنت

تلتقي Nature مع بيتر شور بعد 25 عامًا من قيامه بتوضيح كيف يمكن للحوسبة الكمية أن تكون قابلة للتنفيذ، وكيف يمكن أن تهدد بياناتنا.

ديفيديه كاستيلفيكي
  • Published online:
أوضح بيتر شور كيف يمكن التغلب على مشكلة كبيرة في الحاسبات الكمِّية.

أوضح بيتر شور كيف يمكن التغلب على مشكلة كبيرة في الحاسبات الكمِّية.

BBVA FOUNDATION

عندما فكَّر الفيزيائيون للمرة الأولى في ابتكار حاسباتٍ كمِّية في ثمانينات القرن العشرين، بدا الأمر أشبه بفكرة نظرية لا بأس بها، لكنْ كانت التوقعات حينها تشير إلى أنها ستظل -على الأرجح- حبرًا على ورق. بيْد أنه في عام 1995، نشر بيتر شور، اختصاصي الرياضيات التطبيقية، دراسةً غيَّرت هذا التصوُّر (P. W. Shor Phys. Rev. A 52, R2493(R); 1995). وأوضح شور في هذه الدراسة كيف يمكن أن تتغلب الحاسبات الكمِّية على مشكلة كبيرة. فأجهزة الحاسب تعالج المعلومات باعتبارها «كيوبتات» qubits، وهي نُسَخٌ كمِّية من البِتَّات العادية التي يمكن أن تكون صفرًا، أو واحدًا في آنٍ واحدٍ، لكن الحالات الكمِّية عرضةٌ للتشوش على نحوِ شائع. وأظهرت تقنية شور لتصحيح الخطأ كيف يمكن جعل المعلومات الكمِّية عصيَّة على الاختراق. توصَّل شور كذلك إلى أول نهجٍ قد يكون مُفيدًا –وإن كان سيئ الطالع– لاستخدام حاسب كمِّي افتراضي. ويتمثَّل هذا النهج في خوارزمية لديها القدرة على تحليل الأعداد الصحيحة إلى عوامل أولية بسرعة البرق. من المعلوم أن أغلب عمليات نقل المعلومات عبر الإنترنت حاليًّا تستخدم تقنيات تشفير مبنية على أعدادٍ أولية ضخمة. ويصعُب كسر هذه الشفرات، لأن الحاسبات الكلاسيكية بطيئة في تحليل النواتج الضخمة، لكن الحاسبات الكمّية أضحت واقعًا اليوم، ورغم أنها لا تزال في بداياتها إلى حدّ يجعلها غير قادرة على تحليل الأعداد التي تشتمل على أكثر من رقمين، فإنها قد تُشكِّل تهديدًا لتشفير الإنترنت يومًا ما. وقد التقت دورية Nature مع شور، الذي يعمل حاليًّا بمعهد ماساتشوستس للتقنية في كمبريدج، وأجرت حوارًا معه حول دراسته البحثية.

هل كانت الحاسبات الكمِّية مجرد فضولٍ نظري إلى حدّ كبير، قبل أن تطرح خوارزميتك القادرة على تحليل الأعداد؟

في الواقع، لفتت دراستي البحثية الأنظار إلى أن أجهزة الحاسب هذه قد تستطيع أن تفعل شيئًا مفيدًا. وفي دراسةٍ سابقةٍ على دراستي ومُمهِّدة لها، قدَّم دانييل سايمون، المتخصص في علوم الحاسب، حلًّا لمسألةٍ معينة، بطريقةٍ تدل على أن سرعة الحاسبات الكمِّية تفوق سرعة الحاسبات العادية بدرجة مَهولة، ولكن حتى بعد ظهور خوارزمية سايمون، لم يكن واضحًا أن هذه الأجهزة يمكن أن تؤدي عملًا مفيدًا.

كيف كان رد الفعل إزاء خوارزميتك القادرة على تحليل الأعداد؟

كان وقْع الإعلان متوسطًا في البداية. ألقيتُ كلمةً عن تلك الخوارزمية في معامل بيل في نيو بروفيدنس، بولاية نيو جيرسي، حيث كنت أعمل آنذاك، في أحد أيام الثُلاثاء من شهر إبريل عام 1994. وانتشرت الأخبار بسرعة مدهشة. في تلك المرحلة لم أكن قد وجدت حلًّا لمشكلة التحليل في واقع الأمر، ولكن بطريقةٍ ما، وخلال خمسة أيام، تمكَّنت خوارزميتي من إجراء عملية التحليل، وصارت حديث الجميع.

كان خبراء كثيرون يرون أن الحاسبات الكمِّية ربما تفقد المعلومات، قبل أن تفرُغ من العملية الحسابية. استند أحد الاعتراضات إلى الفكرة القائلة إنه وفقًا لميكانيكا الكَمّ، عندما تقيس نظامًا معينًا، فإنك بالتأكيد تتسبَّب في تشويشه، ولكني أوضحتُ كيف يمكن أن نقيس الخطأ، دون قياس العملية الحسابية، ومن ثم نستطيع تصحيح الخطأ من غير أن ننسف العملية الحسابية. وبعد نشر دراستي حول تصحيح الخطأ عام 1995، أصبح بعض المُتشكِّكين على اقتناع بأن الحوسبة الكمِّية ربما تكون ممكنة من الناحية الإجرائية.

يعتمد تصحيح الخطأ على كيوبتّات فيزيائية وكيوبتات منطقية، فما الفرق بينهما؟

عندما تكتب خوارزمية لحاسبٍ كَمِّي، فأنت تفترض أن الكيوبتات تخلو من التشوش. وهذه الكيوبتات عديمة التشوش، التي وصفتُها باستخدام خوارزميتي، هي الكيوبتات المنطقية. ليس لدينا في الواقع كيوبتات تخلو من التشوش في حاسباتنا الكمِّية. وفي الحقيقة، سيظل هناك احتمالٌ كبير لوقوع الخطأ، إذا حاولنا تشغيل الخوارزمية، دون تقليل التشوش بأي طريقة مُمكِّنة.

الكيوبت الفيزيائي هو أحد الكيوبتات المُشوشة في حاسباتنا الكمِّية. ولكي نُشَغِّل خوارزميتنا، دون ارتكاب أخطاءٍ، فنحن بحاجةٍ إلى استخدام الكيوبتات الفيزيائية في تشفير الكيوبتات المنطقية، وذلك عن طريق الاستعانة بشفرة كمِّية تُصحِّح الخطأ. وتتسم أفضل طريقة نعرفها لتحقيق ذلك بأنها مرتفعة التكلفة نوعًا ما، حيث تحتاج إلى عددٍ كبير من الكيوبتات الفيزيائية لكل كيوبت منطقي.

في عام 2019، أوضحت شركة «جوجل» أن حاسبها الكمِّي، بما يملكه من كيوبتّات عددها 54، يستطيع أن يحل مسألةً ربما يستغرق حلها باستخدام كمبيوتر كلاسيكي زمنًا فائق الطول. ماذا كان رد فعلك إزاء ذلك؟

كان هذا بالتأكيد حدثًا فارقًا، إذ يُبيِّن أن الحاسبات الكمِّية يمكن أن تكون أفضل أداءً من الحاسبات الكلاسيكية، على الأقل بالنسبة إلى مسألةٍ صُمِّمت بمهارة كبيرة. انطوى الأمر بالتأكيد على شيءٍ من الدعاية من جانب «جوجل»، لكن الشركة تمتلك بالفعل حاسبًا كمِّيًّا مُذهلًا، ومع ذلك.. لا يزال بحاجةٍ إلى كثير من التحسين، قبل أن يتمكَّن من أداء شيءٍ مثير.

عندما تتمكَّن الحاسبات الكمِّية من تحليل أعدادٍ أولية ضخمة، هل سيتيح لها ذلك كسر خوارزمية RSA، وهي النظام الشائع في تشفير الإنترنت؟

أجل، ولكن الأشخاص الأوائل الذين يتمكَّنون من فك شفرة خوارزمية RSA سيلتحقون بوكالةِ الأمن القومي الأمريكية (NSA)، أو بإحدى المنظمات الكبرى. سوف تكون هذه الحاسبات بطيئة في بداية الأمر، فإذا كان لديك حاسب يستطيع فقط أن يفك، مثلًا، مفتاحًا واحدًا من خوارزمية RSA كل ساعة، فلن تُفَك شفرة أي شيء، ما لم يكن ذا أولوية مرتفعة، أو يشكِّل خطرًا يتهدد الأمن القومي.

هل توجد أنظمة تشفير مؤهلةٌ لأنْ تحلَّ محل خوارزمية RSA، وتكون آمنةً حتى في عصر الحاسبات الكمِّية؟

أعتقد أن لدينا أنظمة تشفير ما بعد الكَمِّ، ويمكن أن تحل محل خوارزمية RSA. المشكلة الأكبر هي وجود طرق أخرى لاختراق نظم أمن الإنترنت، مثل البرمجيات الخبيثة، على غرار الفيروسات، التي ترسل المعلومات إلى أطراف لا تعرف شيئًا عن الأمانة. وأرى أن العائق الوحيد الذي يعترض طريق الاستعاضة عن خوارزمية RSA بنظام تشفير كمِّي حديثٍ وآمِنٍ هو قوة الإرادة، وزمن البرمجة.

هل ثمة احتمالٌ أن نُفاجأ بخطرٍ لم نتأهب له؟

أجل. لقد بُذلِّت جهودٌ جبَّارة من أجل التغلب على فيروس عام 2000. ونحن الآن بحاجة إلى بذل جهودٍ جبَّارة من جديد، للتحوُّل إلى عصر ما بعد الكَمِّ. وإذا تلكأنا طويلًا، سيكون الأوان قد فات. 

أجرى المقابلة: ديفيديه كاستيلفيكي

حُرِّر هذا الحوار بهدف الإيجاز والوضوح.