أنباء وآراء

حمض نووي موروث من إنسان النياندرتال يزيد من خطورة الإصابة بمرض «كوفيد-19»

يشير تحليل جيني إلى أن بعض الأشخاص الذين ظهرت عليهم استجابات مناعية عنيفة لفيروس "سارس-كوف-2" قد ورثوا في حمضهم النووي مقاطع بعينها من الحمض النووي لإنسان النياندرتال. ورغم ذلك، فعندما يتعلق الأمر بكيفية استجابة الجسم للفيروس، لا يتحمَّل أسلافنا سوى جزءٍ من المسؤولية.  

يانج ليو
  • Published online:

من بين العناصر الجوهرية لمواجهة مرض "كوفيد-19".. فَهْم السبب الذي يجعل الأعراض التي تظهر على بعض الأشخاص أشدَّ حدَّة من تلك التي تصيب غيرهم. وكانت البحوث التي أُجريت في وقت مبكر من العام الحالي قد كشفت عن وجود ارتباط قوي بين قطعة من الحمض النووي، يبلغ طولها 50 ألف نيوكليوتيدة (ما يمثل 0.002% من الجينوم البشري)، وحالات الإصابة بالمرض، التي تصاحبها أعراض عنيفة إلى حدٍّ يستدعي تلقِّي المريض الرعاية الطبية بالمستشفى1. ويشير هوجو زيبيرج، وسفانتي بيبو2، في بحثهما المنشور، إلى أن البشر قد ورثوا هذه القطعة بالتحديد من إنسان النياندرتال. إن هذه النتائج التي توصل إليها الباحثان لا تلقي الضوء على أحد الأسباب التي تجعل بعض الأشخاص أكثر عرضة من غيرهم للإصابة بدرجة أعنف من المرض فحسب، وإنما تمدُّنا كذلك ببعض الأفكار المعمَّقة عن البيولوجيا التطورية للبشر.

من المعروف أن تسلسلات الحمض النووي التي تقع في الجينوم على مقرُبة من بعضها البعض عادةً ما تورَّث معًا (نظرًا إلى ارتباط بعضها ببعض). ونتيجة لذلك.. فإن هذه الأجزاء من الحمض النووي، المعروفة بالأنماط الفردانية (haplotypes)، تحتوي على عوامل متباينة، غير أنَّها مرتبطة ببعضها بعضًا ارتباطًا وثيقًا (تتمثل هذه العوامل في تسلسلات الحمض النووي، أو النيوكليوتيدات التي تتباين من فرد إلى آخر في مجموعة سكانية بعينها)، فعلى سبيل المثال، يحتوي النمط الفرداني المرتبط بخطر الإصابة بمرض "كوفيد-19"، الذي جرى توصيفه في وقت سابق من العام الجاري1، على عوامل متباينة على امتداد طوله، الذي يبلغ 50 ألف نيوكليوتيدة، وهذه العوامل تورَّث معًا في أكثر من 98% من الحالات. ويمكن أن تكون الأنماط الفردانية الطويلة من هذا النوع محصلةً لانتخاب إيجابي، بحيث يكون احتفاظ جينومات البشر بها ناتجًا عن كونها تزيد فرص النوع البشري في البقاء والتكاثر الناجح. ويُحتمل أيضًا أن يكون دخول تلك الأنماط إلى جينوماتنا ناتجًا عن التزاوج المختلط بين أنواع قديمة من أشباه البشر، كإنسان دنيسوفا، وإنسان النياندرتال.

يُذكر أن نسبةً من جينوم الإنسان الحديث، تُقدَّر بحوالي 1% إلى 4% منه، ترجع إلى أولئك الأقارب القدامى3. وكثير من هذه الجينات العتيقة الموروثة ضار بالبشر المعاصرين، ويرتبط بانعدام الخصوبة، وارتفاع مخاطر الإصابة بالأمراض4، غير أنَّ بعضها نافع، ومن بينها نسخةٌ من جين EPAS1، شبيهة بتلك التي كانت لدى إنسان دنيسوفا؛ وهو الجين الذي يساعد البشر المعاصرين الذين يقطنون منطقة التبت على التأقلم مع الحياة على ارتفاعات شاهقة5. ومن هذه الجينات أيضًا أحد جينات إنسان النياندرتال، الذي يزيد من حساسية البشر المعاصرين للألم6، وجينات أخرى تساعدنا على الوقاية من الفيروسات7.

ولدراسة ما إذا كان النمط الفرداني المرتبط بعوامل خطورة "كوفيد-19" موروثًا من أقارب قدامى، قارن زيبيرج وبيبو هذه المنطقة الجينية بجينومات قديمة من جميع أنحاء العالم، تشتمل عليها قاعدة بيانات متاحة عبر شبكة الإنترنت. ووجد الباحثان أن هذه المنطقة وثيقة الصلة بمنطقة أخرى توجد في الجينوم الخاص بمجموعة من أفراد إنسان النياندرتال، عاشت قبل حوالي 50 ألف سنة فيما يُعرف الآن بكرواتيا، بينما لم يقف الباحثان على أي صلة بين هذه المنطقة الجينية، وبين أي من الجينومات المعروفة لإنسان دنيسوفا.

اختبر الباحثان بعد ذلك شيوع النمط الفرداني المنحدر من إنسان النياندرتال لدى مجموعات البشر المعاصرين، ووجدا أنه نادر الوجود لدى شعوب شرق آسيا وأفريقيا، أو غير موجود من الأصل. أما سكان أمريكا اللاتينية وأوروبا، فقد بقيت نسبة النمط الفرداني المرتبط بعوامل خطورة مرض "كوفيد-19" لديهم محدودة (4% في حالة سكان أمريكا اللاتينية، و8% في حالة الأوروبيين). وفي المقابل، يظهر النمط الفرداني المذكور لدى 30% من الأفراد الذين ينحدر أسلافهم من جنوب آسيا، ويرتفع ذلك المعدل ليبلغ 37% في أولئك المنحدرين من أصول بنجلاديشية (شكل 1).

شكل 1. التوزيع غير المتساوي لعوامل الخطورة الجينية عند الإصابة بـ"كوفيد-19". يبين الباحثان زيبيرج، وبيبو2أن تسلسلًا طويلًا من الحمض النووي المرتبط بحالات الإصابة الحادة بمرض "كوفيد-19" والحاجة إلى تلقي العلاج في المستشفى قد ورثناه -في واقع الأمر- من إنسان النياندرتال. يتوزع هذا التسلسل بشكل غير متساوٍ بين مجموعات البشر المعاصرين. وتبين الخريطة معدلات وجود عامل الخطورة في مجموعات مختلفة حول العالم. جُمعت بيانات التسلسل الخاصة بهذه المجموعات من خلال "مشروع الألف جينوم" 1000 Genome Project10 (أعدَّت الخريطة استنادًا إلى شكل 3 بالمرجع رقم 2).

شكل 1. التوزيع غير المتساوي لعوامل الخطورة الجينية عند الإصابة بـ"كوفيد-19". يبين الباحثان زيبيرج، وبيبو2أن تسلسلًا طويلًا من الحمض النووي المرتبط بحالات الإصابة الحادة بمرض "كوفيد-19" والحاجة إلى تلقي العلاج في المستشفى قد ورثناه -في واقع الأمر- من إنسان النياندرتال. يتوزع هذا التسلسل بشكل غير متساوٍ بين مجموعات البشر المعاصرين. وتبين الخريطة معدلات وجود عامل الخطورة في مجموعات مختلفة حول العالم. جُمعت بيانات التسلسل الخاصة بهذه المجموعات من خلال "مشروع الألف جينوم" 1000 Genome Project10 (أعدَّت الخريطة استنادًا إلى شكل 3 بالمرجع رقم 2).

ومن هنا، افترض الباحثان أن النمط الفرداني الموروث من إنسان النياندرتال، يعزز من عوامل خطورة الإصابة بمرض "كوفيد-19" بشكل ملموس في مجموعات بشرية بعينها. ومما يدعم هذه الفرضية أنَّ بيانات المستشفيات8، التي أمكن الحصول عليها من مكتب الإحصاء الوطني بالمملكة المتحدة، أظهرت أن احتمالات وفاة الأفراد المنحدرين من أصول بنجلاديشية في بريطانيا من جرّاء الإصابة بمرض "كوفيد-19" تبلغ ضِعف احتمالات وفاة الأفراد من عموم السكان (مع الأخذ في الاعتبار أنَّ ثمة عوامل خطر أخرى تدخل في هذه الإحصاءات).

"وهكذا، فإنَّ النمط الفرداني الذي كان نافعًا لبقاء البشر في سالف الحِقَب، لا يبعُد أن يكون قد استحال وبالًا عليهم في يومهم هذا".

إذًا، لماذا بقيت هذه الأنماط الفردانية في بعض المجموعات البشرية؟ يفترض الباحثان أن هذه الأنماط ربما كانت توفر حماية ضد مُمْرِضات قديمة، ولذلك انتُخبَتْ انتخابًا إيجابيًّا لدى مجموعات بعينها من البشر حول العالم9. ومع ذلك.. فعندما يصاب الأفراد المعاصرون بفيروس كورونا "سارس-كوف-2" SARS-CoV-2، فإن الاستجابة المناعية الوقائية التي تحدث بواسطة تلك الجينات القديمة، ربما تكون عدوانية بشكل مفرط، إلى حدٍّ قد يكون مميتًا، وهو ما رُصد في حالة الأشخاص الذين يتعرضون للإصابة الحادة بأعراض "كوفيد-19". وهكذا، فإنَّ النمط الفرداني الذي كان نافعًا لبقاء البشر في سالف الحِقَب، لا يبعُد أن يكون قد استحال وبالًا عليهم في يومهم هذا.

ورغم هذا الارتباط بين عوامل خطر هذا النمط الفرداني، وظهور نتائج إكلينيكية بعينها، فليس عِلم الجينات وحده ما يحدد خطر الإصابة الحادة بمرض "كوفيد-19". صحيح أنَّ لجيناتنا وأصولها أبلغ الأثر على ظهور الأعراض وتطوُّرها عند الإصابة بهذا المرض (كما هو حال بعض الأمراض المعدية أخرى)، إلا أنَّ العوامل البيئية من جهتها تلعب أدوارًا أساسية في تشكيل نتائج المرض، ومآلاته.

فعلى سبيل المثال، رغم أن النمط الفرداني المرتبط بعوامل الخَطر الذي ورثه الإنسان المعاصر من نياندرتال يكاد أن يكون غائبًا عن الأشخاص ذوي الأصول الأفريقية، إلا أن نسبة الوفيات الناجمة عن مرض "كوفيد-19" في المجموعات السكانية الأفريقية أعلى من نظيرتها لدى ذوي الأصول الإثنية الأخرى، حتى مع مراعاة تأثير العوامل الجغرافية، والاجتماعية، والاقتصادية (على سبيل المثال، انظر: go.nature.com/3jcxezx ، وانظر أيضًا: go.nature.com/2h4qfqu). وأكبر الظن أن غياب العدالة الاجتماعية، وما يترتب عليه من تداعيات، يُعزى إليها الجانب الأكبر من خطر الوفيات الناجمة عن الإصابة بـ"كوفيد-19"، مقارنة بالخطر الناجم عن وراثة الحمض النووي من إنسان النياندرتال.

مما يدعو إلى الدهشة أن إرث أسلافنا الجيني ربما يلعب دورًا في الجائحة الحالية، على الرغم من أن الطريقة الأساسية التي يؤثر من خلالها الحمض النووي الموروث على استجابة الجسم للفيروس لم تُعرف بعد. إنَّ الجهود العالمية الجارية، التي تهدف إلى دراسة العلاقات بين جيناتنا ومرض "كوفيد-19"، عن طريق إجراء دراسات تشمل أعدادًا أكبر من الأفراد الذين يمثلون مجموعات بشرية متنوعة، ومنها ذلك التحليل الذي يجرى من خلال "مبادرة التركيبة الجينية لعائل الفيروس المسبب لمرض كوفيد-19" COVID-19 Host Genetics Initiative (www.covid19hg.org)، من شأنها أن تساعدنا على أن نكون أكثر إلمامًا بمسببات المرض. ومن المهم أيضًا ألا يغيب عنَّا أنه على الرغم من أن الجينات التي تلعب دورًا في استجابة الجسم لمرض "كوفيد-19" ربما تكون موروثة من أسلافنا. ويبقى أنَّ بإمكاننا التحكم في العوامل الاجتماعية والسلوكية (مثل تدابير التباعد الاجتماعي، وارتداء الكمامات)، وهي عوامل يمكن أن تقلل من خطر الإصابة بالمرض على نحو فعّال. 

References

  1. The Severe Covid-19 GWAS Group. N. Engl. J. Med. 383, 1522–1534 (2020). | article
  2. Zeberg, H. & Pääbo, S. Nature 587, 610–612 (2020). | article
  3. Green, R. E. et al. Science 328, 710–722 (2010). | article
  4. Sankararaman, S. et al. Nature 507, 354–357 (2014). | article
  5. Huerta-Sánchez, E. et al. Nature 512, 194–197 (2014). | article
  6. Zeberg, H. et al. Curr. Biol. 30, 3465–3469 (2020). | article
  7. Enard, D. & Petrov, D. A. Cell 175, 360–371 (2018). | article
  8. Public Health England. Disparities in the Risk and Outcomes of COVID-19 (PHE Publs, 2020) | article
  9. Browning, S. R., Browning, B. L., Zhou, Y., Tucci, S. & Akey, J. M. Cell 173, 53–61 (2018). | article
  10. The 1000 Genomes Project Consortium. Nature 526, 68–74 (2015). | article

يانج ليو

تعمل في قسم الجينات بكلية طب هارفارد، بوسطن، ماساتشوستس 02115، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: yangluo@broadinstitute.org