افتتاحيات

لا بديل أمام الخطة العالمية لتوفير اللقاحات سوى النجاح

لا بد من توفير دعمٍ أفضل لمبادرة إتاحة اللقاحات للفئات السكانية الأكثر عُرضةً لخطر الإصابة بمرض «كوفيد-19»، كي تمضي المبادرة من جديدٍ في مسارها الصحيح.

  • Published online:

في مرحلةٍ فارقةٍ من المعركة التي يخوضها العالم ضد فيروس كورونا الجديد، اجتمعت جهات تمويل دولية في أوائل يونيو الماضي، وجمعت تمويلات من أجل مشروعٍ طموحٍ، هو شراء كمياتٍ كافيةٍ من لقاحات مرض"كوفيد-19"، بهدف تحصين 20% من سكان العالم الأكثر عُرضةً لخطر الإصابة بالفيروس، كالعاملين في مجال الرعاية الصحية، وكبار السن. وبموجب هذه المبادرة، يُفترض أن تضخ البلدان ذات الدخل المرتفع والمتوسط أموالًا في الصندوق المُخصَّص لهذا الغرض، وأن تحصل على حصة مما يتوفر من اللقاحات، في حين تحصل الدول الأكثر فقرًا على اللقاحات مجانًا، غير أن هذا المشروع، الذي يُعَد مبادرةً رائدة انطلقت تحت اسم «إتاحة لقاحات كوفيد-19 على الصعيد العالمي»، وتُعرف اختصارًا بـ«كوفاكس» COVAX، يناضل من أجل الوفاء بما انعقد عليه من آمال. 

وقد شرعت البلدان ذات الدخل المرتفع في شراء كميات كبيرة من جرعات اللقاحات الحالية والمستقبلية من جهات إمداد اللقاحات مباشرةً. وتتفاوض البلدان متوسطة الدخل بدورها على ما يلزمها من لقاحات، وهو ما ترك عددًا قليلًا نسبيًّا من اللقاحات المتاحة لمشروع «كوفاكس»، الذي يحتاج إلى توفير ملياري جرعة بحلول نهاية العام الحالي، كي يتحقق هدفه. وقد أكَّد المشروع شراء 1.07 مليار جرعة، كما تعاقد على طلبات شراء مستقبلي لما لا يقل عن 900 مليون جرعة أخرى، وفقًا لما ذكره باحثون، بيْد أن مشروع «كوفاكس» يُناضل من أجل الحصول على هذه الإمدادات، كما جاء على لسان تيدروس أدهانوم جيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، في مناشَدةٍ مؤثرةٍ وجَّهها في بداية العام الحالي. وربما يتعين على بعض مواطني البلدان الأدنى دخلًا الانتظار حتى عام 2022، على أقل تقدير، للحصول على اللقاحات.

وفي هذا الصدد.. قال رئيس وزراء السويد ستيفان لوفن في تصريحٍ له: "لا يمكن السماح بأن يتحول هذا إلى سباقٍ، لا يُسفر سوى عن قليل من الفائزين"، غير أن البلدان لا تتنافس حاليًّا على اللقاحات فحسب، بل تخوض سباقًا غير متكافئ إلى أقصى الحدود، من أجل الحصول عليها. لذا، يجب أن تضع الحكومات جميعها الآن على رأس أولوياتها العودة بمشروع «كوفاكس» إلى المسار الصحيح، من أجل تقديم يد العون إلى الفئات الأكثر عُرضة لخطر الإصابة بالمرض على مستوى العالم، وباعتبار المشروع وسيلةً للسيطرة على الجائحة.

لا شك أن حكومات الدول ترى أن التفاوض المباشر مع جهات إمداد اللقاحات هو الخيار المثالي الذي يخدم مصالح شعوبها، لكنها بمثل هذا التنافس تبثُّ حالة من الفزع، وتهدم مبدأ التعاون المشترك الذي يرتكز عليه مشروع «كوفاكس»، ذلك المشروع الذي كانت قد اتفقت على دعمه في البداية، والذي يعتقد الباحثون أنه قد يساعد على القضاء على الجائحة بوتيرةٍ أسرع.

كانت فكرة مشروع «كوفاكس» قد طُرحت في الأساس بهدف الحيلولة دون تكرار ما حدث مع لقاحات جائحة فيروس إنفلونزا «أ» من السلالة H1N1 في عام 2009، عندما احتكرت الدول الغنية إمدادات اللقاحات من خلال عقد صفقات ثنائيةٍ مباشرةٍ مع جهات الإمداد. وفي بداية جائحة فيروس كورونا، كان القائمون على تأسيس مشروع «كوفاكس» على اقتناع بإمكانية التوصُّل إلى منظومةٍ أفضل، لضمان إتاحة اللقاحات على نحوٍ أكثر عدلًا، لا سيما للفئات الأكثر عُرضة لخطر الإصابة.

كانت انطلاقة المشروع قوية في واقع الأمر. فقد بلغ عدد أعضائه 190 بلدًا. وقد نجح حتى الآن في جمع مبلغٍ يزيد قليلًا على أربعة مليارات دولار أمريكي من التمويل الذي يستهدفه لعام 2021، والذي يُقدَّر بـ6.8 مليار دولار أمريكي. وصرَّح القائمون على المشروع أنه من المتوقع أن يحصلوا على ما يكفي من اللقاحات لتحقيق الهدف من المشروع، وهو إتاحة 1.3 مليار جرعة من اللقاحات مجانًا للبلدان ذات الدخل المنخفض بحلول نهاية العام الجاري.

لم يشهد العالَم محاولةً كهذه من قبل، على حد قول سيث بيركلي، الرئيس التنفيذي للتحالف العالمي للقاحات والتحصين (المعروف اختصارًا باسم Gavi)، وهو منظمة تضخ التمويل اللازم لتوفير اللقاحات للبلدان ذات الدخل المنخفض، وقد أسهم هذا التحالف في تأسيس مشروع «كوفاكس» بالتعاون مع كل من منظمة الصحة العالمية، وتحالُف ابتكارات التأهب الوبائي (CEPI)، وهو ائتلافٌ يضمُّ جهات تمويل، وشركات، وحكومات معنيّة بتطوير اللقاحات، كما يضمّ باحثين أيضًا.

غير أن أحد الأسباب التي قد تَحُول دون تحقيق مشروع «كوفاكس» هدفه المنصوص عليه في جدوله الزمني، هو آلية تمويل المشروع، المعروفة باسم «مرفق كوفاكس»، التي تتيح للبلدان شراء احتياجاتها من اللقاحات، مثلما بدأ يفعل الكثير منها، إلى جانب تقديم التمويل اللازم إلى مبادرة «كوفاكس». وتتخوَّف جماعات الضغط من غياب الشفافية حول أسعار اللقاحات، نظرًا إلى أن البلدان التي تعمد إلى شراء احتياجاتها من اللقاحات عبر مشروع «كوفاكس» تتقدم بطلبات الشراء، دون أن تعرف بالضبط المبلغ الذي سيتعين عليها دَفْعه مقابل اللقاحات.

وحسبما تقول أندريا تايلور، الباحثةُ في جامعة ديوك بولاية نورث كارولاينا، التي تعكف على دراسة السعة الإنتاجية للقاحات مرض «كوفيد-19» حول العالم، سيوفر المشروع، على ما يبدو، حوالي 570 مليون جرعة في عام 2021، وهو عددٌ يُمثِّل نسبةً تتراوح بين رُبع وثُلث إجمالي عدد الجرعات الذي تستهدف توفيره في هذا العام. ويُعارِض القائمون على مشروع «كوفاكس» هذه التقديرات، ويقولون إن أمامهم العديد من الصفقات الأخرى المتوقعة مع جهات إمداد اللقاحات.

وفي مسعى من القائمين على المشروع إلى السيطرة على زمام الأمور، فقد أطلقوا خطةً في منتصف ديسمبر الماضي، تستطيع البلدان بموجبها أن تتبرع بما لديها من جرعات لقاحات زائدة. ويقولون إن هذه التبرعات قد تكون وشيكةً، لكنْ نظرًا إلى أنه لم ينقضِ الكثير من الوقت منذ انطلاق برامج التطعيم باللقاحات، فليس من الواضح متى ستُبدي البلدان استعدادًا للتبرع بما يفيض لديها من لقاحات. وتُناشد منظمة الصحة العالمية البلدان بالإفراج عن أي مخزون فائض من اللقاحات لديها على الفور.

"سيبقى كل بلدٍ عُرضة لمزيدٍ من نوبات التفشي، حتى يُكبَح جماح الفيروس في كل مكان".

ولعله من المبالغة أن تُعقَد الآمالُ على إقدام بلدانٍ، في خضم الجائحة، على إعطاء الأولوية لبرنامجٍ مشترَك، قبل أن تُؤمِّن احتياجاتها من اللقاحات، فحتى برنامج شراء اللقاحات المشترَك، التابع للاتحاد الأوروبي، يناضل من أجل منع الدول الأعضاء به من السعي إلى إبرام صفقاتٍ مستقلةٍ للحصول على اللقاحات، لكنْ لا بد أن يُكتب النجاح لمشروع «كوفاكس»، فهو ضرورة لا غنى عنها بالنسبة إلى البلدان منخفضة الدخل، التي تفتقر إلى القوة الشرائية التي تتيسر للاقتصادات الضخمة. كما يلزم التصدي لأي جائحةٍ على نطاق عالمي. فسيبقى كل بلدٍ عُرضة لمزيدٍ من نوبات التفشي، حتى يُكبَح جماح الفيروس في كل مكان. وإلى أن يحين الوقت الذي يحظى فيه المشروع بالدعم الذي يستحقه، يظل النجاح المأمول في تطعيم خُمْس البشرية الأكثر عُرضة لخطر الإصابة بالفيروس احتمالًا ضعيفًا. ولن تترتب على غياب الدعم اللازم كُلفةٌ باهظة جلية تُثقِل كاهل البشرية فحسب، بل سيطول أمد معركتها للقضاء على الجائحة أيضًا.