افتتاحيات

نظرة عامة على أحداث عام 2020 من خلال افتتاحيات دورية Nature

بدءًا من جائحة "كوفيد-19"، ووصولًا إلى الانتخابات الأمريكية المصيرية، كانت افتتاحيات دورية Nature بمثابة نافذة على عام من الأحداث المذهلة.

  • Published online:

تمثِّل الافتتاحيات رأي دورية Nature -بوجه عام- بشأن أخبار الأسبوع، وتقدم تعقيبًا على طائفة واسعة من الموضوعات، بدءًا من الاكتشافات البحثية، حتى المناسبات العالمية الكبرى المرتبطة بالعلوم. وعلى الرغم من هيمنة موضوع واحد فحسب على عام 2020، إلا أننا هَدفْنا إلى متابعة ما يُستجد من تطورات مهمة أخرى أولًا بأول.

شهر يناير: عام "رائع" على الصعيد البيئي

سلّطت الافتتاحية الأولى لدورية Nature في عام 2020 الضوء على بداية عامٍ كان من المتوقع أن يكون رائعًا على صعيد الأحوال البيئية والتنمية المستدامة، إذ استعد فيه قادة العالم للاجتماع بغرض تجديد التزاماتهم في هذين المجالين. ومن الجدير بالذكر أن معظم أهداف التنمية المستدامة (SDGs) التي وضعتها الأمم المتحدة في عام 2015 كان قد حاد عن المسار الصحيح، حتى قبل انتشار جائحة فيروس كورونا الجديد. كما تأخر تحقيق الأهداف العالمية فيما يخص مواجهة التغير المناخى، والحد من فقدان التنوع البيولوجي. وقد ناشدنا الدول بالنظر في تبَنِّي نظام إلزامي للإبلاغ عن التقدم الذي تحرزه في سبيل تحقيق أهداف التنمية المستدامة، مثلما يفعل معظمها فيما يتعلق بالبيانات الاقتصادية.

شهر فبراير: أوقفوا انتشار الفيروس!

نُشِرت أولى افتتاحياتنا عن فيروس كورونا الجديد بتاريخ واحد وعشرين من يناير من العام الماضي. وبحلول الأسبوع الأول من شهر فبراير من ذاك العام، كان أكثر من 400 شخص قد قضوا نَحْبهم من جرّاء الإصابة بالفيروس، ووصل عدد حالات الإصابة به في جميع أنحاء العالم إلى 20 ألف حالة. وفي ورقتين بحثيتين نُشرتا في دورية Nature، أكّد فريقان بحثيان قادهما باحثان من الصين، أحدهما من معهد ووهان لعلم الفيروسات، والآخر من جامعة فودان في شنجهاي، أن هذا الفيروس الجديد يشبه ذاك المتسبب في المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة "سارس" SARS. كما أوردا أدلة على أنه نشأ بداخل الخفافيش. وقد حلل فريق ووهان البحثي عينات من الفيروس، مأخوذة من عدد قليل من الأشخاص، معظمهم كان قد عمل في سوق لبيع الحيوانات، حيث أُبلغ عن أُولى حالات الإصابة بالفيروس1، بينما قام فريق فودان البحثي بتحديد التسلسل الجيني للفيروس من خلال إحدى العينات التي أُخِذت من أحد عُمال السوق المصابين2.

وقد وَقَّعت دورية Nature وناشرها "سبرينجر نيتشر" Springer Nature بيانًا مشتركًا مع ناشرين آخرين، وَجِهات تمويل، وجمعيات علمية، لضمان مشاركة البيانات البحثية والنتائج ذات الصلة بفيروس كورونا الجديد على وجه السرعة.

شهر مارس: أسراب الجراد وإعلان الجائحة

بينما ركزت الأنظار على تفشي وباء فيروس كورونا الجديد، كانت هناك حالة طوارئ أخرى، لا تحظى بتغطية كافية، تهدد الغذاء والصحة والوظائف في العديد من البلدان، إذ أتت أسراب هائلة من الجراد الصحراوي Schistocerca gregaria على بعض المحاصيل في كل من شرق أفريقيا، والشرق الأوسط، وجنوب آسيا، لدرجة أن شبح أزمة غذائية محتملة بات يهدد حوالي 20 مليون شخص. لذا، دعمنا نداءً وَجَّهَته الأمم المتحدة لجَمْع 138 مليون دولار أمريكي كتمويل عاجل، خُصِّصَ بعضه لاستئجار طائرات قادرة على رش مواد كيميائية، للحدّ من انتشار أسراب هذه الحشرات.

وفي الحادي عشر من مارس الماضي، أعلنت منظمة الصحة العالمية (WHO) أن فيروس كورونا الجديد "سارس-كوف-2" SARS-CoV-2 قد بات يشكل جائحة عالمية، إذ إن انتشار الفيروس قد وصل وقتها إلى أكثر من 100 دولة، وأصاب حوالي 120 ألف شخص، لقي منهم أكثر من 4 آلاف شخص مصرعهم.

شهر إبريل: وقت غير مناسب لخلق العداوات مع منظمة الصحة العالمية

حثت دورية Nature قادة العالم على التواصل والتعاون، على غرار عشرات آلاف الأشخاص الذين ينتمون إلى مجتمع البحث العلمي. كما دعت إلى تكريس ما يلزم من الوقت، والأفكار، والخبرات، والمعدات، والأموال لخدمة جهود مواجهة الطوارئ المرتبطة بالصحة العامة، إلا أن مثل هذه النداءات تلقت ضربة موجعة عندما أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب أن الولايات المتحدة -وهي المموّل الأكبر لمنظمة الصحة العالمية- ستجمد تمويلها للمنظمة. وتعقيبًا على ذلك، صرحت دورية Nature بأن إلغاء التمويل المخصص لمنظمة الصحة العالمية، في خضم أكبر أزمة صحية عالمية يواجهها العالم منذ قرن، مُنافٍ للمنطق.

شهر مايو: معلومات مغلوطة، وحالة من التردد بشأن اللقاحات

تزامن ذاك الشهر مع اتساع نطاق المزاعِم المضللة حول مرض "كوفيد-19". وتباين نطاق هذه المعلومات الخادعة والخاطئة، التي كان أغلبها يُتداول عبر شبكة الإنترنت، ما بين الترويج لعلاجات غير مُثبَتة فاعليتها إلى التشكيك في أمان اللقاحات التي يجري تطويرها للوقاية من "كوفيد-19"، على خلفية سرعة وتيرة عمليات البحث والتطوير في هذا المجال. وقد أوصت دورية Nature بأن يشرح الباحثون والشركات المعنية بتطوير اللقاحات ما يعرفونه، وما لا يعرفونه كذلك، من معلوماتٍ عن الفيروس، وكيفية تصنيع اللقاحات، وآلية عملها، وحَذّرت الدورية في الوقت نفسه من قَطْع وعود يصعب تنفيذها، أو استغلال الظروف لمحاولة زيادة المبيعات.

شهر يونيو: حملة "حياة السود مهمة"

إزاء مقتل المواطن الأمريكي جورج فلويد على أيدي أفراد من دائرة شرطة مينيابوليس في ولاية مينيسوتا في أواخر مايو الماضي، وقَمْع ترامب للاحتجاجات اللاحقة التي اندلعت في جميع أنحاء الولايات المتحدة، ثار العالم غضبًا. وفي ضوء تلك الأحداث، في العاشر من يونيو الماضي، انضمت دورية Nature إلى حملة نشر الوسوم (ShutDownSTEM#)، و(ShutDownAcademia#)، و(Strike4BlackLives#)، التي أطلقها أكاديميون ومؤسسات في مجالات العلوم، والتكنولوجيا، والهندسة، والرياضيات (وهي مجالات يشار إليها اختصارًا باسم STEM) للدعوة إلى الإضراب عن أنشطتهم اليومية الاعتيادية، بغرض التركيز على إيجاد طرق للقضاء على العنصرية ضد ذوي البشرة السوداء. كما التزمت الدورية بإصدار عدد خاص منها، بالتعاون مع محررين ضيوف، لاستكشاف مساحات العنصرية الممنهجة التي تُمارَس في مجالات النشر والبحث العلمي وسياساته، والدور الذي لعبته دورية Nature في هذا السياق.

شهر يوليو: بعثات إلى المريخ

انطلقت أخيرًا ثلاث بعثات إلى المريخ، جرى التخطيط لها منذ فترة طويلة. وفي افتتاحية ذاك الشهر، وثّقت Nature كيف أن أحدث مركبة جوالة أمريكية، والمركبات المدارية التي صممتها الصين والإمارات العربية المتحدة -وهي الدولة العربية الأولى التي تُطْلِق مهمة فضائية بين الكواكب- قد رمزت بقوة إلى أن جهود استكشاف عوالم أخرى تمنح الدول فرصة لتجاوز مِحَنها على كوكب الأرض.

شهر أغسطس: فجر عصر جديد مناهِض للأسلحة النووية

يصادف شهر أغسطس ذكرى مشؤومة للمجتمع العلمي، وهي الذكرى الأولى، والوحيدة حتى الآن، لاستخدام الأسلحة النووية في الحرب، بيد أنه بعد مرور 75 عامًا على قصف اليابان في السادس والتاسع من أغسطس من عام 1945، طُرِحَت معاهدة دولية جديدة لحظر الأسلحة النووية (تقرر أن تُترجم في يناير من العام الجاري إلى قانون دولي). وقد حثت الجهة التي اضطلعت بصياغة المعاهدة (وهي الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية) على أن يلعب مزيد من العلماء دورًا يساعد في إنجاح المعاهدة، وهي الدعوة التي أيّدتها دورية Nature.

شهر سبتمبر: أزمة باحثي ما بعد الدكتوراة

أظهر أول استطلاع من نوعه أَجْرَته دورية Nature لآراء باحثي مرحلة ما بعد الدكتوراة مدى الضرر الذي يقع على العاملين في مجالات العلوم بسبب الجائحة العالمية. وقد بلغ عدد المستطلعين 7670 شخصًا، معظمهم مقيمون في أوروبا والولايات المتحدة، وكانوا ينتمون إلى مجالات مختلفة شملت 19 تخصصًا. وأعرب نصفهم عن تفكيرهم في ترك مجال البحث الأكاديمي، بسبب مشكلات الصحة العقلية المرتبطة بأعمالهم. وقد تصدّت جهات تمويل الأبحاث لمشكلة إغلاقات المختبرات بسبب فيروس كورونا الجديد، من خلال تمديد المواعيد النهائية للمشروعات البحثية، بيد أنها لم تطرح سوى القليل من عروض التمويل الإضافي. وقد دعت دورية Nature إلى تمويل باحثي مرحلة ما بعد الدكتوراة على مدار فترة تمديد المواعيد النهائية للمشروعات البحثية، لأن كثيرين من هؤلاء الباحثين لا يملكون أي مصدر دخل آخر.

شهر أكتوبر: ليس هناك خيار سوى بايدن!

"لا يمكننا الوقوف مكتوفي الأيدي، وترك العلم يتعرض للتقويض. إنّ ثقة جو بايدن في الحقائق، والأدلة، والعِلْم، والديمقراطية، تجعله الخيار الوحيد في الانتخابات الأمريكية". هكذا جاءت بداية إحدى افتتاحيات دورية Nature قبل أقل من ثلاثة أسابيع من انطلاق الانتخابات الرئاسية الأمريكية في الثالث من نوفمبر الماضي. وقد أيّدنا نحن وزملاؤنا في شتى مجالات العلوم ونشر الأبحاث بايدن. وبداية من وقت الانتخابات، دعونا الإدارة القادمة إلى المضي في تنفيذ الوعود التي قدّمها بايدن بإعادة دَمْج العِلْم والأدلة في عملية وضع السياسات.

شهر نوفمبر: الأسس الأخلاقية لتقنية التعرف على الوجه

أفادت دورية Nature، في سلسلة من التحقيقات، بأنّ هناك مخاوف متزايدة تساور الباحثين الذين يعملون في مجال تقنيات التعرف على الوجوه، بشأن الكيفية التي تستخدم بها جهات معينة -مثل الحكومات، وأجهزة إنفاذ القانون- هذه التقنية. وانطلاقًا من وجهة نظر سديدة، ينضم بعض هؤلاء الباحثين -كما أبرزت افتتاحيتنا في ذاك الشهر- إلى الحملات الداعية إلى مزيد من الرقابة والشفافية لدى تبنِّي هذه التقنية، المنادية بأخذ مشورة المجتمعات التي تُراقَب عن طريق الكاميرات، وتعليق استخدام هذه التقنية إلى أن يعيد المشرعون النظر في الأماكن التي يمكن استخدام هذه التقنية فيها، وكيفية ذلك.

شهر ديسمبر: اللقاحات في الطريق

بدأت عمليات طرح لقاحات "كوفيد-19"، إلا أن التنسيق العالمي لا يزال غائبًا عن المشهد، وذلك في ضوء اختلاف المعايير التي تمنح البلدان على أساسها موافقتها على استخدام لقاح أو آخر، واستئثار الدول الأكثر ثراءً بغالبية طلبات شراء اللقاحات المبكرة. ومن هنا، أعادت دورية Nature طرح السؤال القائم منذ أمد طويل حول كيفية تسريع التنسيق بين الدول فيما يخص تنظيم طرح اللقاحات. وقد أثبتت مراجعة المشهد التنظيمي أنه في 24 دولة يوجد ما لا يقل عن 51 طريقة مختلفة لتسريع اعتماد استخدام اللقاحات3. وبعد مرور عام واحد على تسجيل أول حالة معروفة للإصابة بفيروس كورونا، بات من الممكن –على حد ما نأمل– أن تنقضي هذه الجائحة، التي أودت بحياة أكثر من 1.7 مليون شخص.

References

  1. Zhou, P. et al. Nature 579, 270–273 (2020). | article
  2. Wu, F. et al. Nature 579, 265–269 (2020). | article
  3. Simpson, S., Chakrabarti, A., Robinson, D., Chirgwin, K. & Lumpkin, M. npj Vaccines 5, 101 (2020). | article