رؤية كونية

نجاح أكبر برنامج بحثي في العالَم في تحقيق الكثير من أهدافه

وداعًا برنامج "هورايزون 2020". لم يكن برنامج التمويل الأوروبي خاليًا من أوجه القصور، لكنه نجح أخيرًا في تبسيط الإجراءات البيروقراطية. 

أليسون أبوت
  • Published online:

MARTIN REDDINGTON

على غرار رؤساء الدول، تُمنح البرامج البحثية الإطارية التابعة للاتحاد الأوروبي مهلة زمنية محددةً لتنفيذ أهدافها، مثل دعم الاقتصاد، وتعزيز الاستدامة، وغيرها من الأهداف. وأفضلُ وقتٍ لتقييم أداء هذه البرامج يكون عقب انتهائها. ويُعَدّ البرنامج الحالي، "هورايزون 2020"، أكبر برنامج بحثي دولي في العالم، إذ قدّم تمويلات تزيد على 74 مليار يورو (90 مليار دولار أمريكي) لأكثر من 150 ألف عالِم يشاركون في 31 ألف مشروع أو منحة، فكيف سنحكم على أدائه إذَن حين يصل إلى نهايته خلال هذا العام؟

أعتقد أن التاريخ سينظر إليه بعين الرضا. فقد بات البرنامج مناسبًا لأداء الغرض المنشود منه بفضل تجرُّده من الكثير من الإجراءات البيروقراطية المعهودة التي طالما عانت منها مثل هذه البرامج الإطارية في الماضي.

وبصفتي صحفية، كنتُ قد تابعتُ برامج البحث الإطارية المتتالية في الاتحاد الأوروبي منذ أوائل التسعينات من القرن الماضي. ولطالما كانت علاقة المجتمع العلمي بتلك البرامج قائمة على الإعجاب تارةً، والبُغض تارةً أخرى، لكنْ تغيَّر الوضع إلى الأفضل مع إطلاق برنامج "هورايزون 2020"، وهو البرنامج الثامن ضمن هذه السلسلة من البرامج. وعندها، أصبحت المواقف الغاضبة هي الاستثناء، وبدورها أصبحت مقالاتي أقلّ تشويقًا. 

كيف تحوّلت إذَن هذه البرامج إلى شيء لم يَعُد يبغضه العلماء؟ أهمّ الأسباب كان توسُّع برنامج "هورايزون 2020" في "مجلس البحوث الأوروبي" ERC، الذي يقدّم منحًا كبيرة للباحثين الأفراد، وهي خطوةٌ حقّقت نجاحًا فوريًّا هائلًا، لكن الأمر لا يقتصر على ذلك.

الجهة المسؤولة عن تنفيذ البرامج البحثية الإطارية هي المفوضية الأوروبية، التي تختص بتنفيذ الخطط السياسية لدول الاتحاد الأوروبي، والبرلمان الأوروبي. وتختلف هذه البرامج عن نظيرتها من البرامج الوطنية في أنها تتطلب في أغلب الأحيان تعاونًا بين علماء من دول مختلفة، للعمل على مشروعات تتماشى مع السياسات الاقتصادية والاجتماعية.

ويُعَدّ البحث بلا حدود أحد التطلعات الرئيسة الدائمة في تلك البرامج، بحيث يمكن للعلماء في شتى أنحاء القارة الأوروبية أن يعملوا في أي دولة، دون التعرّض للعراقيل، وأن يتبادلوا فيما بينهم المواد البحثية والبيانات، دون قيود، غير أن المفوضية تتعرض في أغلب الأحيان لضغوط من زعمائها السياسيين، كي تعالج قضايا لا ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالبحث العلمي، مثل دعم المساواة بين الجنسين، أو تحسين الأوضاع الاقتصادية للدول الأشدّ فقرًا، أو إحياء الروح الإبداعية التي تميز "وداي السيليكون" في كاليفورنيا.

أسفرت تلك الأهداف عن التعقيد البالغ لعملية تقديم الطلبات. وإضافة إلى ذلك، أضافت المفوضية متطلبات جديدة تقتضي بتقديم تقارير مُضنية عن سير العمل بالمشروعات البحثية، انطلاقًا من حرص السياسيين على قَطْع الطريق أمام الاستخدام الاحتيالي لأي تمويلات مقدّمة. وفرضت المفوضية أيضًا تعقيدات أخرى غير ضرورية خاصة بها. 

وقد بُذِلت جهود حثيثة لتقليل هذا المستوى من التعقيد ضمن البرنامج الإطاري السابع (FP7, 2007-13)، وآتت تلك الجهود ثمارها في برنامج "هورايزون 2020"، الذي بسّط إجراءات تقديم الطلبات ورفع التقارير، وهو ما أسفر عن تقليص متوسط الوقت ما بين التقديم والتعاقد من 18 شهرًا إلى 6 أشهر فقط.

ومن بين الخطوات الحاسمة الأخرى في حدوث هذا التحول أن برنامج "هورايزون 2020" قد خصّص مسارًا تمويليًّا للأبحاث الأساسية القائمة على التميّز، فلطالما تجاهلت بروكسل الدعوات المطالِبة بإنشاء مسارٍ كهذا، لأنها كانت تعتبر الأبحاث الأساسية أمرًا يرتبط بالثقافة، شأنها شأن الفنون، التي هي ليست من اختصاص المفوضية، غير أن تلك المخاوف لم تصمد طويلًا أمام الحجج القائلة إنّ الأبحاث الأساسية هي الوقود المحرّك للابتكار الاقتصادي، وهي حصن منيع أمام هجرة العقول. أما السياسيون، فقد نالت المفوضية رضاهم بإنشاء مسار تمويلي آخَر لدعم الابتكار.

يشكّل "مجلس البحوث الأوروبي" الجزء الأكبر في مسار الأبحاث الأساسية. وقد أُدمج المجلس ضمن برنامج "هورايزون 2020"، بعد اختباره على نطاق محدود في البرنامج الإطاري السابع. وكشف تقييم مستقل أُجري في مطلع هذا العام عن أن 80% من المشروعات المموّلة ضمن "مجلس البحوث الأوروبي" تُكلّل بتحقيق إنجازات علمية، أو إحراز تقدّم كبير.

تضمَّن المسار التمويلي أيضًا المنافسات الشهيرة التي تنفذها المفوضية الأوروبية، وهي مشروعات بقيمة مليار يورو، تمتد على مدار عشر سنوات، وتعتمد على الاستفادة من التقنيات الرقمية. وقد واجهت المرحلة التجريبية لتلك المنافسات في البرنامج الإطاري السابع بعض الصعوبات، لكنها شهدت ازدهارًا في خضم المنافسة المحمومة ضمن برنامج "هورايزون 2020" لوضع أفكار مبتكرة، مثل تحويل البيانات الصحية، أو تاريخ المدن الأوروبية إلى صيغة رقمية. ومما يؤسف له أن هذه المنافسات لن تستمر في البرنامج الذي سيعقب "هورايزون 2020"، فبرنامج "هورايزون أوروبا"، الذي سينطلق خلال شهر يناير 2021، سيدعم نسخًا أصغر نطاقًا وأكثر أمانًا من هذه المشروعات، ستُعرف باسم المُهمّات.

بالتوازي مع برنامج "هورايزون 2020"، أصدر الاتحاد الأوروبي قرارًا سياسيًّا يتيح للمنشآت البحثية الحصول على إعانات البِنْية التحتية من الاتحاد الأوروبي. وسوف يؤدي ذلك إلى زيادة قدرة مجتمعات البحث العلمي في المناطق الأشدّ الأفقر على تعزيز تنافُسها في مجال المنح البحثية. ولحسن الحظ، أصبح هذا المفهوم الآن جزءًا أساسيًّا من فكر المفوضية، كما حدث سابقًا مع "مجلس البحوث الأوروبي"؛ وسوف يستمر تطبيقه في برنامج "هورايزون أوروبا"، وما سوف يليه من برامج أخرى على الأرجح.

وعلى الرغم من التبسيط الهائل وتخفيف القواعد، كانت إجراءات التقديم في برنامج "هورايزون 2020" لا تزال صعبة، إضافة إلى انخفاض معدلات قبول المتقدمين، حيث لم يتم قبول سوى 13% فقط من طلبات "مجلس البحوث الأوروبي"، بل وكانت معدلات القبول أسوأ في مشروعات التعاون الموضوعية، مثل الصحة (10%)، والمناخ (11%). وربما تتحسن تلك المعدلات نوعًا ما في برنامج "هورايزون أوروبا" بفضل ميزانيته الأكبر، التي تبلغ 95 مليار يورو.

ورغم هذا كله، لا يوجد برنامج بحثي في العالم يضاهي "هورايزون 2020". وقبل عشرين عامًا، لم أكن أتخيل أن أحد برامج البحث الإطارية التابعة للاتحاد الأوروبي سيكون محطّ إعجاب كهذا. وقد حقق البرنامج هذه المكانة، لأن المناخ السياسي كان ملائمًا لتحقيق ذلك، وهو ما قد يتغير في أي وقت. وبالفعل، تبدّدت الآمال الأولى للمفوضية بأنْ يكون "هورايزون أوروبا" أكثر انفتاحًا على العالَم بسبب المناخ السياسي العالمي، الذي باتت تسيطر عليه النزعات القومية.

ويُعتقد أن هذه الروح التي ميّزت برنامج "هورايزون 2020" سوف تنتقل غالبًا إلى البرنامج الذي سوف يعقُبه.

أليسون أبوت

كاتبة علمية، مقيمة في ميونيخ بألمانيا، ومراسلة أولى سابقة مختصة بالشؤون الأوروبية في دورية Nature.

البريد الإلكتروني: alison.abbott.consultant@springernature.com