تحقيق إخباري

شخصيات العام من «نيتشر»: عشر شخصيات أسهمت في رسم المشهد العلمي في 2020 

تستعرض قائمة "شخصيات العام من Nature" أبرز التطورات العلمية لهذا العام، وتسلِّط الضوء على بعض مَن كان لهم دورٌ بارز في تحقيق تلك الإنجازات. أسهَم هؤلاء مع زملائهم في التوصُّل إلى اكتشافاتٍ علميَّة مذهلة، ولفتوا الانتباه إلى قضايا بالغة الأهمية. هذه القائمة ليست جائزةً ولا تصنيفًا، وإنما يضعها محررو الدورية لإبراز الأحداث العلمية المهمَّة، من خلال نشر القصص المثيرة لأبطالها.

  • Published online:

من موقعه على رأس منظومة الصحة العامة العالمية، واجه هذا الرجل صعوباتٍ وتحديات من جميع الاتجاهات، بينما كان يحاول حشد جهود العالم للتصدي لمرض "كوفيد-19".

كتبه: سمريتي مالاباتي

Credit: John Wessels

في الخامس عشر من إبريل الماضي، وجد تيدروس أدهانوم جيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، أنَّه يواجه رياحًا سياسية عاتية. ففي اليوم السابق، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد صرح بأنَّه سيقطع التمويل الذي تقدمه بلاده للمنظمة، حتى تُقيَّم استجابتها لجائحة "كوفيد-19"، وتعاملاتها مع الصين.

غير أن تيدروس لم يرد علنًا على تُهمتَي "سوء الإدارة"، و"التستر" على الصين، اللتين وجَّههما الرئيس ترامب إلى المنظَّمة. وعوضًا عن ذلك، وصف الولايات المتحدة بأنَّها "صديقٌ كريم"، وشدَّد على رغبة المنظمة في خدمة جميع الدول والشركاء أثناء الجائحة.

وفي رسالة إلكترونية بعث بها تيدروس إلى دورية Nature، قال: "كنا نشعر بقلقٍ بالغ، على خلفية التوترات الجيوسياسية التي نشأَتْ بين القوى الكبرى، ومن هنا دعَونا منذ البداية إلى التضامن بين دول العالم". فعلى مدار ما يقرب من 73 عامًا، اضطلعت المنظمة بدور جرس الإنذار، الذي ينبه العالَم إلى المخاطر الصحية الناشئة، فتَجمع المعلومات عن مئاتٍ من تفشيات الأمراض، وتقدِّم النصح والمشورة إلى دول العالم عن كيفية التصدي لها، بل وكانت المنظمة أحيانًا تتعاون مباشرةً مع الجهات الصحية المحلية في المواقع التي تشهد تلك الفاشيات.

وفي عام 2017، أصبح تيدروس أول مديرٍ عام أفريقي للمنظمة، في أعقاب استجابتها المضطربة لفاشيةٍ كبرى لفيروس الإيبولا. ونظرًا إلى الخبرة التي يتمتع بها في مجالات الصحة العامة، والوبائيات، والشؤون الخارجية، وعد تيدروس بأنْ يجعل من المنظمة كيانًا قادرًا على التحرك بسرعة لمجابهة الأزمات الصحية القادمة.

"إنَّه يقود الآخرين من خلال المشاركة الجادة في العمل معهم، ليكون قدوةً لهم".

ونجح مع الوقت في كسب تأييد الكثيرين من الباحثين والعاملين في مجال الصحة العامة، من خلال قدرته على فهم ما يمرون به، وكذلك من خلال طريقته الودودة ودأبه في العمل. يقول عنه لورانس جوستين، الباحث في قوانين الصحة العامة بجامعة جورج تاون في العاصمة الأمريكية واشنطن: "إنَّه يقود الآخرين من خلال المشاركة الجادة في العمل معهم، ليكون قدوةً لهم". ففي عام 2018، عندما عاود فيروس الإيبولا الظهور في جمهورية الكونغو الديمقراطية، زارها تيدروس عدة مرات، مُعرِّضًا نفسه لخطرٍ كبير. وعملت المنظمة، بالتعاون مع الجهات المحلية المعنية بالتصدي للأزمات الصحية، على احتواء تفشي المرض، وتطعيم ما يقرب من 300 ألف شخص، خلال فترةٍ كانت الدولة تشهد فيها نزاعًا محتدمًا.

أما "كوفيد-19"، فقد وضع المنظمة أمام اختبار حقيقيّ، لقياس قدرتها على التعامل مع الجوائح العالمية سريعة الانتشار.

ففي الحادي والثلاثين من ديسمبر عام 2019، رصدت المنظمة تقارير إخبارية عن ظهور حالات التهاب رئوي فيروسي مجهولة المصدر في مدينة ووهان بالصين. وطلبت المنظمة حينها مزيدًا من التفاصيل من السلطات الصينية، ونبَّهت الشبكات التابعة لها. وفي السابع والعشرين من يناير عام 2020، سافر تيدروس جوًّا للقاء الرئيس الصيني شي جين بينج في بكين. وبعدها بثلاثة أيام، أعلن أنَّ تفشي المرض يمثل حالة طوارئ صحية عامة مثيرة للقلق على الصعيد الدولي، واضعًا بذلك الدول الأعضاء في المنظمة أمام مسؤوليتها في مجابهة ذلك الخطر.

ويرى بعض الباحثين أنَّ تيدروس عندما أشاد بالصين كان مُفرطًا في الكَرَم، وأنَّه كان ينبغي أن يتحلَّى بدرجة أكبر من الصراحة في الحديث عن المعلومات التي حجبَتْها الصين عن المنظمة، ومنها، على سبيل المثال، المعلومات المتعلقة بأولى حالات المرض المُسجَّلة. وحول هذا الشأن، قالت سوري مون، اختصاصية العلوم السياسية بمعهد جنيف للدراسات العليا في سويسرا: "لم تكن هناك أي رغبة حقيقية في التعامل ولو بقدرٍ أكبر بقليل من الصرامة مع السلطات الصينية أمام الرأي العام".

وأضافت الباحثة أنّ التقدير الذي أبداه تيدروس في التعامل مع الصين جعله -والمنظمة من ورائه- هدفًا لانتقاداتٍ لا أساس لها، تَنسِب إليهما تُهمة بالتحيز، ومنها الانتقادات التي وجّهتها إليهما إدارة الرئيس الأمريكي ترامب.

ومِن الباحثين مَن يقول إنَّ المنظمة قد تبنَّت نهجًا متحفظًا في مراجعتها لِمَا كان متوفرًا حينها من أدلةٍ علمية محدودة؛ الأمر الذي أدى إلى تباطؤها في تأكيد انتقال الفيروس فيما بين البشر في الصين، على سبيل المثال، وكذلك في الإقرار بدور مَن لا تظهر عليهم الأعراض في نشر المرض. وفي هذا الصدد، يرى ديل فيشر، الطبيب المتخصص في الأمراض المعدية بجامعة سنغافورة الوطنية، أنَّه كان من الممكن إعلان حالة الطوارئ في وقتٍ أسبق، بيد أنَّ المنظمة ترفض التلميح إلى أنَّها قد تأخرت في تحذير العالَم من الجائحة. ويقول تيدروس عن ذلك: "قرعنا أجراس الإنذار بوضوح وجلاء لا لَبس فيهما، فور تلقِّينا التقارير الأولى".

ويضيف الباحثون أنه حتى لو تحلَّت بقدر أكبر من الشفافية، وسرعة أكبر في الاستجابة، فربما لم يكن ذلك ليؤثر في انتشار الجائحة؛ بالنظر إلى أنَّ دولًا عدَّة ظلت مترددةً في تطبيق تدابير الصحة العامة، حتى بعد إعلان المنظمة حالة الطوارئ، حسبما أوضح فيشر. بينما يذهب باحثون آخرون إلى أنَّ الصين ربما لم تكن لتستجيب جيدًا لتيدروس لو كان قد تعامل معها بدرجةٍ أكبر من الحزم.

كانت الولايات المتحدة، التي تُعَد أكبر مموِّل حكوميّ للمنظمة، قد أخطرتها رسميًّا في يوليو الماضي باعتزامها الانسحاب منها في عام 2021. وقد وعد الرئيس الأمريكي المُنتخَب، جو بايدن، بإلغاء قرار الانسحاب بعد توليه منصبه في شهر يناير.

وحتى في ظل الإسهامات الأمريكية، فإنَّ ما تتلقاه المنظمة من تمويلٍ يقل كثيرًا عمَّا تحتاجه للقيام بعملها، حسبما تقول كيلي لي، الباحثة التي تعكف على دراسة الصحة العالمية بجامعة سايمون فريزر في مدينة فانكوفر بكندا. وقد أعادت الأزمة الحالية إلى الأذهان أوجه القصور في المنظمة، باعتبارها مؤسسة تدين للدول الأعضاء بخدماتٍ نظير ما تتلقاه منها من تمويل، كما أبرزت الأزمة التحديات التي تواجه رُبَّان سفينة المنظمة بينما يحاول الإبحار وسط بحر السياسة اللُّجيّ، ومياهه الغادرة.

ويقول تيدروس إنَّ تركيزه ما زال مُنْصبًّا على المرحلة النهائية من تحدي مرض "كوفيد-19"، ألا وهي ضمان أن تتوفر لجميع البلدان فرصٌ متساوية في الحصول على اللقاحات. ومع وصول العالم إلى تلك المرحلة، بما قد تشهده من رياحٍ لا تشتهيها السُّفن، قطع تيدروس على نفسه هذا العهد: "سوف أمضي في عملي بصمتٍ وإصرار".

في مهمة غير مسبوقة في القطب الشمالي، حافظت هذه المسؤولة اللوجستية على سلامة العلماء من الدببة، ومن البرد القارس، بل ومِن أنفسهم.

كتبه: شانون هول

Credit: Esther Horvath

كانت فيرينا موهاوبت برفقة قِلةٍ من زملائها حين وقعَتْ أبصارهم على الدب القطبي قبالتهم، وحينئذٍ لم يكن ثمة مجالٌ للتراجع؛ كانوا مُحاصَرين على كتلةٍ عائمة من الجليد البحري، بينما كان الدب يُحدِّق فيهم، وهو يتشمَّم الهواء، فيما عُدَّ مؤشرًا خطيرًا.

تقول موهاوبت عن تلك اللحظات: "حينها تتزاحم الأفكار في رأسك، ولا بد من التركيز على ما هو أهم". أطلق أحد زملائها شعلةً في السماء، كطلقةٍ تحذيرية، بينما تواصلت هي عبر جهاز اللاسلكي مع سفينتهم البحثية، التي تبعُد عنهم بضعة كيلومترات. ولحسن الحظ، وصلت مروحية السفينة سريعًا، ولم تضطر موهاوبت إلى استخدام البندقية المتدلِّية من كتفها.

كان الاحتراز من الدببة من بين المهام الروتينية الموكَلة إلى موهاوبت، المنسقة اللوجستية لبعثة "المرصد العائم متعدد التخصصات لدراسة مناخ القطب الشمالي"، التي تستمر لمدة عام، وتُعرَف اختصارًا باسم بعثة "موزايك" MOSAiC، وتُعَد أكبر بعثةٍ بحثية إلى القطب الشمالي في التاريخ. بدأ هذا المشروع في أواخر عام 2019، عندما انطلقت كاسحة جليد من معهد ألفريد فيجنر (AWI) في مدينة بريمرهافن الألمانية، قاصدةً طوفًا جليديًّا ضخمًا في المنطقة السيبيرية من القطب الشمالي، حيث تجمَّدت في مكانها. وعلى مدار العام التالي، ظلت السفينة تنجرف مع الجليد، وعلى متنها طاقم يضم حوالي 300 عالِم، يعملون بالتناوب لجمع بياناتٍ غير مسبوقة عن تغير المناخ. وبقيادة عالِم الغلاف الجوي ماركوس ريكس من معهد ألفريد فيجنر، تمكنت البعثة من جمع قياساتٍ، من شأنها أن تساعد خبراء النمذجة على التوصل إلى توقعاتٍ أدق بشأن الكيفية التي سيسهم بها الاحترار في تغيير المنطقة وبقية العالم في العقود القادمة.

وعلى مدار عدة أشهر، عملت البعثة في ظلامٍ متصل، بينما كانت الدببة القطبية تجوب البقاع القريبة، والعواصف تكاد أن تقتلع السفينة، والجليد من حولها يتحرك ويتصدع. وحين بزغَتْ الشمس من جديد، بدأ الجليد في الذوبان، مما شكل خطرًا على سلامة البعثة، وكابوسًا لوجستيًّا واجه الباحثين الذين وجدوا أن عليهم الحفاظ على أدواتهم من الغرق.

وبالنظر إلى أن موهاوبت كانت مُكلَّفةً بالحفاظ على سلامة البعثة وأمنها، فقد صممت دورةً تدريبية مُكثَّفة للمشاركين، درسوا فيها كيفية التصدي لمخاطر القطب الشمالي؛ فقفزوا، مثلًا، في مضيقٍ بحري بالنرويج وهم يرتدون سترات النجاة، ثم تسلقوا خارج المياه قارسة البرودة فقط باستخدام معاول الثلج. وتعلَّموا أيضًا كيفية الفرار من الطائرة المروحية في حال تحطمها، وناقشوا الآثار النفسية لوجودهم بعيدًا عن أوطانهم ومنازلهم. وقد جلبت موهاوبت معها في الرحلة أدوات حياكة، وآلة أكورديون، وبساطًا لممارسة رياضة اليوجا، وذلك للحفاظ على سلامتها النفسية والعقلية، رغم شعورها بأنَّها مستعدةٌ جيدًا لتلك العزلة، لأنها قضت في الماضي فترتين مشابهتين، استمرت كلٌّ منهما 18 شهرًا، حين كانت تدير قاعدة أبحاثٍ فرنسية ألمانية في منطقة سفالبارد بالنرويج.

لم تكن موهاوبت تخطط للعمل في مجال الخدمات اللوجستية بالمنطقة القطبية، لكنَّها تقول إنَّها كانت دائمًا منجذبةً إلى الشمال، حتى أثناء دراستها لتخصص الفيزياء البيولوجية في الجامعة. وقد ساعدتها هذه الخلفية العلمية على العمل بشكلٍ وثيق مع كل المجموعات البحثية، لضمان توفُّر المعدات اللازمة لدراستها. وضمَّ فريقها اللوجستي أيضًا أفرادًا كانوا يحمون الباحثين من الدببة القطبية في أثناء جولاتهم الخارجية على الجليد.

وعن ذلك الدور الذي كانوا ينهضون به، يقول ماثيو شوب، العالِم المتخصص في الغلاف الجوي بجامعة كولورادو بولدر، والإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي، الذي شارك في قيادة البعثة: "بالنسبة إلى كثيرين، أول ما يتبادر إلى الذهن عندما يظهر دُبّ هو الفزع، لكنَّ أفراد الفريق اللوجستي كانوا يتدخلون، ويتولون إدارة الموقف بسلاسةٍ شديدة، إلى درجةٍ أعتقدُ أنَّها ساعدت بالفعل على خلق هذا الشعور العام بالأمان هناك".

في أثناء البعثة، كان البرد هو شُغل موهاوبت الشاغل، ولذا، عمل أفراد فريقها عن كثب مع الباحثين لإبعادهم عن الخطر. وإضافةً إلى التدريب المكثف الذي وفّرته مع زملائها للعلماء سابقًا، فقد كانوا يحملون معهم دائمًا حاويةً إضافية حافِظة للحرارة، مليئة بمشروب الشاي أو الشوكولاتة الساخنة، من أجل أي شخصٍ يخرج في جولةٍ على الجليد. ونظرًا إلى كل هذه الإجراءات الاحترازية، لم تقع سوى إصابةٍ حادة واحدة فقط بقضمة الصقيع خلال البعثة التي استمرت عامًا كاملًا. تقول أليسون فونج، عالمة البيولوجيا بمعهد ألفريد فيجنر، التي شاركت في قيادة فريق البعثة المعنِيّ بدراسة المنظومة الإيكولوجية: "لقد حضروا إلى هناك من أجل حمايتنا، وكانت فيرينا في مقدِّمتهم بلا شك".

عالِم الفيروسات الذي ساعد أوروجواي على التصدي للجائحة.

كتبه: إميليانو رودريجيز ميجا

Credit: Pablo Albarenga for Nature

لم يمض وقت طويل حتى دقّت الشهرة باب جونزالو موراتوريو إبان جائحة "كوفيد-19"؛ إذ أصبح الناس يتعرفون عليه في شوارع مونتيفيديو، عاصمة أوروجواي، ويبتاعون له زجاجات الجعة عندما يرتاد الحانة بين الحين والحين، بل وحتى يقتربون منه في المياه كلما خرج للتزلج مع أصدقائه، قاصِدِين بذلك أن يتوجَّهوا إليه بالشكر على ما قدَّم.

وشعورهم بالامتنان تجاهه إنما يرجع إلى أنَّه ساعد أوروجواي على تفادي أسوأ تبعات الجائحة. فموراتوريو، عالم الفيروسات بكلٍّ من معهد الباستور، وجامعة الجمهورية، الواقعَين في العاصمة مونتيفيديو، تمكَّن مع زملائه من تصميم اختبارٍ لفيروس كورونا، وإطلاق برنامجٍ وطني لفحص الناس باستخدامه. وقد أسهم هذا البرنامج في احتواء حالات الإصابة بمرض "كوفيد-19"، في الوقت الذي كانت فيه فاشيات المرض تجتاح دول أمريكا اللاتينية، ومن بينها الجارتان الأقرب إلى أوروجواي: الأرجنتين، والبرازيل. وما زالت أوروجواي تسجل واحدًا من أدنى معدلات الوفيات في العالم، حيث بلغ عدد وفيات المرض 87 شخصًا فقط حتى العاشر من ديسمبر الماضي.

وفي تعليق أدلى به موراتوريو، قال: "إنَّنا حالةٌ شاذة نوعًا ما. فنحن نتحايل لنظفر ببعض الوقت، الذي سيكون موردًا نفيسًا حتى تحين لحظة وصول الأدوية أو اللقاحات".

استقبل موراتوريو عام 2020 مُفعمًا بالحماس؛ إذ كان قد تولى إدارة مختبره الخاص للمرة الأولى، بعد أن أنهى دراسة ما بعد الدكتوراة في باريس، عام 2018. وكان يخطط لدراسة تحوُّر الفيروسات، وكيف يمكن الحد من أضرارها. لكنَّه في الأيام الأولى من شهر مارس، التقى عبر الإنترنت بباحثين آخرين ينتمون إلى معهد الباستور من دول القارّتين الأمريكيتين الشمالية والجنوبية، لمناقشة ما ينبغي عليهم أن يفعلوه حيال التفشِّي السريع لفيروس كورونا.

ومِن الباحثين مَن لم يَنْتَبْهم قلق كبير إزاء هذا الوضع. ومن هؤلاء كارلوس باتياني، الباحث المتخصص في علم الأدوية، الذي يرأس معهد الباستور في مونتيفيديو؛ إذ قال لزملائه حينها إنَّه يعتقد أنَّ أوروجواي لن تتضرر كثيرًا من تلك الجائحة. وأوضح قائلًا: "لم أكن متيقنًا تمامًا من أنَّها ستتسبب في تلك التداعيات".

فعندما يكون مقتنعًا بضرورة فعل شيءٍ ما، لا يُوقفه شيء دون تحقيقه.

وقد بدَتْ ثقته هذه منطقيةً؛ فأوروجواي -تلك الدولة التي تنعم بنظام شامل للرعاية الصحية، ومنظومة دقيقة لرصد الأوبئة، وعدد سكانها منخفض نسبيًّا، يبلغ فقط 3.5 مليون نسمة- لم تنتشر بمعظم مناطقها أمراض الحمى الصفراء، وزيكا، وغيرهما من الأمراض المعدية التي اجتاحت جيرانها. لكنَّ موراتوريو كان يدرك مدى الخطر. ويقول باتيانى عن ذلك: "أسرع جونزالو بالخروج من الاجتماع، وبدأ في العمل. فعندما يكون مقتنعًا بضرورة فعل شيءٍ ما، لا يُوقفه شيء دون تحقيقه. وهو في ذلك أشبه بدون كيشوت".

رأى موراتوريو أنَّ السبيل الوحيد لتجنب الفاشيات المتفاقمة للمرض هو إجراء الفحوص على نطاقٍ واسع، وعزل الحالات الإيجابية، لكن سرعان ما ارتفع الطلب العالمي على أدوات التشخيص التجارية ارتفاعًا حادًّا. وأدرك هو وزميلته عالمة الفيروسات بيلار مورينو، التي يتعاون معها منذ مدةٍ طويلة، أنَّ نقص الإمدادات المترتب على هذه الزيادة في الطلب سيجعل حصول أوروجواي على الفحوص والكواشف أمرًا مستحيلًا. تقول مورينو: "في تلك اللحظة، أدركنا أنَّه يتعين علينا أن نعتمد على أنفسنا بطريقةٍ ما".

وفي الثالث عشر من مارس، أكّدت البلاد ظهور أولى حالات الإصابة بمرض "كوفيد-19"، وأعلنت حالة الطوارئ الصحية. علَّقت الحكومة الأنشطة التجارية، وأغلقت المدارس، وأعلنت فرض قيودٍ على الرحلات الجوية والمعابر الحدودية، وطالبت مواطنيها بالبقاء قيد العزل المنزلي. بحلول ذلك الوقت، كان موراتوريو ومورينو وأعضاء مختبرهما قد طوّروا اختبارًا خاصًّا بهم، يستخدم أفضل التقنيات المتاحة، وهي تقنية تفاعل البلمرة المتسلسل (PCR)، لرصد البصمات الجزيئية الفريدة لفيروس "سارس-كوف-2".

وفي غضون بضعة أسابيع، كان الباحثون قد تمكنوا من تحويل اختبارهم إلى أداة فحصٍ بسيطة تتسم بالكفاءة، بها ثلاثة أنابيب فقط، وتستخدم أنبوبًا واحدًا فحسب في جهاز تفاعل البلمرة المتسلسل. وبمساعدة وزارة الصحة العامة، أنشأ الباحثون شبكةً وطنية من المختبرات التي تشخص مرض "كوفيد-19"، ودربوا العاملين بها.

وبحلول نهاية شهر مايو، كانت أوروجواي تُجرِي أكثر من 800 فحصٍ يوميًّا، وتنتج ما يقرب من نصف أدوات التشخيص محليًّا. أمَّا حاليًّا، فقد وصل عدد الفحوص إلى حوالي خمسة آلاف يوميًّا، تستخدم 30% منها أداة الفحص التي طوّرها موراتوريو. وحسبما قالت زولما كوكونوبا، عالمة الوبائيات المتخصصة في الأمراض المعدية بجامعة إمبريال كوليدج لندن، فإنَّ ما اتسمت به استجابة أوروجواي من سرعةٍ وتنسيق كان مثيرًا للإعجاب، وأضافت قائلة: "لنكتفِ بالقول إنَّنا نشعر بالغيرة، إذ حققَتْ أوروجواي ذلك في وقتٍ مبكر للغاية".

وقد عادت الحياة في غالبية مناطق أوروجواي إلى طبيعتها؛ إذ أعادت الدولة فتح المدارس والمطاعم، وعاد كثيرٌ من الأفراد إلى أعمالهم. وحتى موراتوريو وفريقه عادوا رويدًا إلى إجراء أبحاثهم الأصلية، لكنَّه ما زال متأهبًا، ويقول: "نأمل أن يستمر هذا الوضع. ما أخشاه أنْ تأتي علينا مرحلة لا نكون عندها قادرين على احتواء المرض".

قادت هذه الباحثة المتخصصة في الصحة العامة تجربةً رائدة، اختبرت فيها طريقة يمكن أن تساعد على القضاء على حُمى الضنك.

كتبه: نيشا جايند

Credit: Ed Wray for Nature

بينما كان فيروس كورونا، المسبب لمرض "كوفيد-19"، يجتاح العالَم على مدار العام المنقضي، انصبَّ اهتمام آدي أوتاريني على التصدي لعدوى مميتة أخرى، هي حمى الضنك. ففي أغسطس الماضي، أفاد فريقها بأنَّه قد حقق إنجازًا كبيرًا قد يدلنا على طريقةٍ لقهر هذا المرض، الذي يعاني منه ما يصل إلى 400 مليون شخص سنويًّا، بل وربما يمهد هذا الإنجاز الطريق إلى دحر غيره من الأمراض التي ينقلها البعوض أيضًا.

تمكنت أوتاريني وزملاؤها من خفض عدد حالات الإصابة بحمى الضنك بنسبة 77% في مناطق متعددة من مدينةٍ إندونيسية كبيرة، وذلك عن طريق إطلاق بعوضٍ مُعدَّل جينيًّا بصورةٍ تمنعه من نقل الفيروس. وقد أشاد علماء الوبائيات بالنتيجة التي حققتها أوتاريني مع زملائها، ووصفوها بأنَّها مذهلة، وأنَّها تمثل انتصارًا طال انتظاره في مواجهة فيروسٍ اجتاح العديد من البلدان، وبخاصةٍ الدول منخفضة الدخل في آسيا، وأفريقيا، وأمريكا الجنوبية.

وعن هذا الإنجاز تقول أوتاريني، الباحثة في الصحة العامة بجامعة جادجا مادا (GMU) في مدينة يوجياكارتا الإندونيسية التي أُجريت فيها التجربة، والمسؤولة عن قيادة الدراسة في ذلك البلد الآسيوي: "أورَثَنا هذا الإنجاز شعورًا هائلًا بالارتياح".

كان هذا المشروع أول تجربةٍ عشوائية مقارنة لاختبار نهجٍ جديد كليًّا لمكافحة حمى الضنك (وتُعَد التجارب العشوائية المقارنة أفضل أنواع التجارب في البحوث الإكلينيكية). يقوم هذا النهج على استيلاد بعوض "الزاعجة المصرية" Aedes aegypti، الذي ينقل فيروسات حمى الضنك، وزيكا، والشيكونجونيا، بحيث يحمل البعوض بكتيريا تُسمَّى "البكتيريا الولبخية"Wolbachia ، التي تثبط الفيروسات، وتمنع البعوض من نقلها إلى البشر. وبعد استيلاد البعوض المُعدَّل، يُوضَع بيضه في جميع أنحاء المدينة، وغالبًا في منازل قاطنيها. وقد أسفرت التجارب الصغيرة التي أُجريت بهذا النهج في أستراليا وفيتنام عن نتائج مثيرة. لكنَّ مدينة يوجياكارتا ذات الكثافة السكانية العالية، التي يقطن بها حوالي 400 ألف نسمة، وترتفع فيها معدلات انتشار حمى الضنك، أتاحت فرصة أكبر بكثير لاختبار ذلك النهج.

كما أنه كان اختبارًا مهمًّا لقدرة فريق أوتاريني على كسب تأييد المجتمع المحلي، الذي سيُطلَق فيه البعوض. وعلَّق على ذلك أوليفر بريدي، الباحث المتخصص في نمذجة انتشار الفيروسات، الذي يُعنى بدراسة حمى الضنك في كلية لندن للصحة والطب المداري، قائلًا: "كان هذا أبرز مظاهر نجاح الفريق الذي قادته آدي". فقد استخدم الفريق إعلانات وسائل الإعلام، واللوحات الجدارية، فضلًا عن ملاقاة السكان وجهًا لوجه، بل وأجرى مسابقةً للأفلام القصيرة، لإطلاع الناس على التقنية المستخدَمة، وللإجابة عن أسئلتهم بشأن التجربة. وعادةً ما كان أفراد المجتمع المحلي يبدون رغبتهم في التواجد في مناطق العمل.

انطلقَتْ تجربة يوجياكارتا في عام 2011، غير أنَّ الفريق واجه بعض المشكلات في الحصول على موافقة السلطات. لذا، في عام 2013، استعان الفريق بأوتاريني، الباحثة المتمرسة في الصحة العامة، التي كانت قد عملت من قبل على التصدي لمَرَضَي السُّل والملاريا. وتفاوضت الباحثة مع العديد من الوزارات الحكومية، لتحصل بعد فترةٍ وجيزة على موافقة الجهات التنظيمية.

وعندما كُشِف النقاب عن النتائج، كان المجتمع المحلي "متحمسًا للغاية"، حسبما قالت أوتاريني. وأضافت: "حتى قبل ظهور النتائج النهائية، كنا قد تلقّينا بالفعل طلباتٍ من المجتمع تسألنا: «متى يمكنكم تنفيذ التجربة في منطقتي؟». إنَّه حلمٌ تحقَّق بعد طول انتظار".

"نفَّذت آدي ومجموعتها هذه التجربة فائقة الجودة، التي توفر لنا أفضل دليلٍ على جدوى هذه التقنية".

ويتفق زملاء أوتاريني -الذين يصفونها بأنَّها هادئة وتتمتع بقدرةٍ على الإقناع- على أنَّها كانت سببًا رئيسًا في إنجاح الدراسة. فبفضل هذه الباحثة، التي يعرفها الكثيرون باسم بروفيسور أُوت، أمكن "الحفاظ على تماسك العناصر المختلفة، بعضها مع البعض" على مدار تلك التجربة المعقدة، حسبما قال سكوت أونيل، مدير برنامج البعوض العالمي في مدينة هو تشي من الفيتنامية، الذي طوّر تقنية البعوض المستخدَمة، ويتعاون مع الباحثين المحليين في تطبيقها واختبارها. وأضاف أونيل قائلًا: "نفَّذت آدي ومجموعتها هذه التجربة فائقة الجودة، التي توفر لنا أفضل دليلٍ على جدوى هذه التقنية".

ويجري حاليًّا إطلاق البعوض الحامل للبكتيريا الولبخية في جميع أنحاء يوجياكارتا. ولأول مرة، أصبح في إمكان باحثي حمى الضنك التطلُّع إلى القضاء على الفيروس تمامًا في مدينةٍ ما، أو ربما في دولةٍ بأكملها. وحول هذا الشأن، علَّق بريدي قائلًا: "يصف الناس تلك العملية بأنَّها أشبه ما تكون بتطعيم الأرض".

بيد أنَّ هذا العام، الحافل بالإنجازات بالنسبة إلى أوتاريني، لم يخلُ من المآسي. ففي مارس الماضي، توفي زوجها، الباحث المتخصص في علم الأدوية، متأثرًا بإصابته بمرض "كوفيد-19". وفي مثل هذه الأوقات العصيبة، تلجأ أوتاريني إلى هواياتها واهتماماتها الأخرى، التي من بينها العزف على البيانو، وركوب الدراجة. تقول: "كلما واجهتني مشكلاتٌ لا أقدر على حلها، ألتمس الحلول في تلك الهوايات".

وفيما يتعلق بحمى الضنك، فإنَّ أوتاريني تشعر بالتفاؤل، وتقول: "أعتقد في فعالية هذه الطريقة؛ فربما نكون قد عثرنا أخيرًا على نقطة نور وسط هذا الظلام".

وَجَّهَت ضربةً ناجحة إلى "كوفيد-19"، بقيادتها أحد المساعي الحثيثة التي سابقت الزمن من أجل التوصُّل إلى لقاحٍ للمرض.

كتبه: إلِي دولجين

Credit: Peter Carr/The Journal News/Imagn Content Services, LLC

لم يغب عن كاثرين جانسِن أنها تخوض غمار مخاطرة كبرى، فعندما حلَّت بالعالم جائحة "كوفيد-19"، لم تكن اللقاحات القائمة على الحمض النووي الريبيّ المرسال (mRNA) من التقنيات مُثبَتة الفاعلية؛ إذ لم يسبق لأي شركة أن نجحَتْ في الحصول على تصريح باستخدام مثل هذا اللقاح على البشر من قبل. ورغم ذلك، فمع تسارُع وتيرة الوفيات الناجمة عن الإصابة بالفيروس في جميع أرجاء العالم في شهر مارس الماضي، لم يكن أمام جانسِن من خيار سوى الدفع بكل ما أُوتيَتْ من قوة باتجاه إنجاح منصَّة تطوير هذا اللقاح.

وبوصفها رئيسة قسم أبحاث اللقاحات وتطويرها بشركة "فايزر" Pfizer الأمريكية، قادت جانسِن جهودًا هائلة، ومتفرِّقة، للبرهنة على أن لقاح "كوفيد-19" الذي أنتجته الشركة آمِن وفعَّال للبشر. وقد أنجز فريقها هذا العمل في مدة لم تزِد على 210 أيام، منذ انطلاق الاختبارات في شهر إبريل الماضي، حتى نهاية المرحلة الثالثة من التجارب الإكلينيكية في شهر نوفمبر.

يُذكر أن آلاف الباحثين من شتَّى بقاع العالم، سواءٌ العاملين من الأوساط الأكاديمية، أم في صناعة الأدوية، قد شاركوا في تطوير عشرات اللقاحات الوقائية وتجربتها، في خضمِّ المعركة الدائرة مع فيروس كورونا الجديد. كما أفادت شركات عدّة بأنها قد نجحَتْ في تطوير لقاحات فعَّالة، ولسوف تطول قائمة هذه الشركات مع انتهاء مزيد من التجارب الإكلينيكية الجارية حاليًّا.

على مدار العام الماضي، ومن خلال تولِّي جانسن إدارة عمليات تطوير اللقاح، التي شارك فيها 650 فردًا، مستعينةً على ذلك -في أغلب الأحيان- بتقنية الاجتماعات عبر الإنترنت، التي يتيحها برنامج "زوم" Zoom، من شقتها الكائنة بمدينة نيويورك، انكبَّت على معالجة المشكلات الإكلينيكية التي تمخَّضت عنها تجارب لقاح "كوفيد-19"، وتدبير المتطلَّبات اللوجستية لتصنيعه، لا سيَّما متطلبات التخزين البارد. أما آخِر هذه الجهود، فقد تَمَثَّل في فحْصها الاعتبارات القانونية المتعلقة بالخطوات التالية التي يتطلَّبها إطلاق اللقاح.

وقد آتتْ الجهودُ ثمارها؛ ففي الثاني من ديسمبر، منحَتْ السلطات الصحية في المملكة المتحدة لقاح شركة "فايزر" تصريح الاستخدام الطارئ، ممهدةً بذلك الطريق إلى طرح اللقاح للتطعيم واسع النطاق، ليصبح أول لقاح للوقاية من مرض "كوفيد-19" يُجاز اعتمادًا على بيانات تجارب المرحلة الثالثة. ولم يمر وقت طويل حتى توالَتْ موافقات دول عديدة على استخدام اللقاح.

ويرى أوجور شاهين -العضو المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة "بيونتيك" BioNTech، التي شاركَتْ شركة "فايزر" في تطوير اللقاح، ويقع مقرُّها في مدينة ماينتس الألمانية- أن النجاح في هذا الأمر يُعزى في المقام الأول إلى جانسِن، حيث قال: "إنها تتميز بعزيمة لا تلِين، وتولي البيانات اهتمامًا عظيمًا". كما أنها تتسم بالفضول العلمي، والانفتاح على الآراء المخالفة، أو كما يقول شاهين: "إنها تعمل بدأب، وتستمع إلى جميع الآراء".

أما إدوارد سكولْنِك، المدير السابق لـمعامل الأبحاث التابعة لشركة "ميرك" Merck، في مدينة ويست بوينت بولاية بنسلفانيا، حيث عملت جانسِن خلال الفترة بين عامي 1992 و2004، فيقول: "إنها عالمة جسورة، تمتلك ثقة هائلة في قدرتها على إيجاد الحلول التقنية والفكرية لأي مشكلة تعترض سبيلها في مشروع كهذا".

تتمتع جانسِن بسجل حافل من الإنجازات في مجال التصدي لمسببات الأمراض تحت وطأة ظروف قاسية. فإبان عملها في شركة "ميرك"، أطلقَتْ مشروعًا لعلاج فيروس الورم الحليمي البشري، وهو مرض مُعْدٍ ينتقل عبر الاتصال الجنسي، ويسبب الإصابة بسرطان عنق الرحم، على الرغم من أنَّ الكثيرين من زملائها ارتأوا أن أبحاثها في هذا المضمار كانت مَضيعة للوقت والمال. غير أن عملها قد أثمر في نهاية المطاف أول لقاح في العالم لعلاج ذلك الفيروس، ويُسمى لقاح "جارداسيل" Gardasil، الذي تُشير التوقعات إلى أنه سوف ينقذ حياة ملايين البشر، عن طريق حمايتهم من الوقوع ضحايا للسرطان.

كما شاركَتْ جانسِن في تطوير لقاح للوقاية من مرض الجمرة الخبيثة، ولقاح آخر لمرض الجُدري، أثناء عملها بشركة لم يَعُد لها الآن وجود، تُدعى "فاكس جين" VaxGen، قبل أن تنضم إلى شركة "وايث" Wyeth، التي سُمِّيت فيما بعد "فايزر"، إثر اندماج الشركتين. وفيها طورت جانسِن لقاح الشركة للوقاية من الالتهاب الرئوي الناتج عن الإصابة بمرض المُكوِّرات الرئوية، الذي ثبتت فعاليته في صدِّ ضِعف عدد السلالات البكتيرية المسببة للمرض تقريبًا (من 7 سلالات إلى 13 سلالة)، الأمر الذي ساعد على تقليص معدلات الإصابة بالالتهاب الرئوي، وعدوى مجرى الدم، والالتهاب السحائي. فلا عجب أن يأتي هذا اللقاح، المُسمى "بريفنار 13" Prevnar 13، على رأس قائمة اللقاحات على مستوى العالم من حيث حجم المبيعات، ويليه لقاح جارداسيل، محتلًا المرتبة الثانية. وربما يشهد عام 2021 بيع لقاح "كوفيد-19"، الذي طورته شركتا "فايزر"، و"بيونتيك"، بمعدلات تفُوق معدلات بيع اللقاحين آنفي الذكر مجتمعَين.

لكنَّ جانسِن لا تغترُّ بإنجازاتها الكثيرة، "فهي عمليّة للغاية"، كما يقول سكولْنِك. ويقول شاهين إن التعاون الكثيف الذي جمَعَه بجانسِن في العمل على اللقاح جعلهما أشبه بجنديين على جبهة القتال. ففي أحد أيام الأحد، في أوائل شهر نوفمبر، وقبل أن يعلم الباحثون في شركتَي "فايزر"، و"بيونتيك" بما إذا كان لقاحهما المحتمَل قد اجتاز الاختبار الإكلينيكي المفصليّ، الذي كان يهدف إلى قياس قدرة اللقاح على الحيلولة دون الإصابة الحادة بمرض "كوفيد-19"، تواصلت جانسِن مع شاهين ليُقيِّما مُجمل إنجازاتهما معًا.

يتذكر شاهين قائلًا: "قالت لي: «أيًّا ما كانت النتيجة التي ستخلُص إليها البيانات، أودُّ أن تعلَم أنّ العمل معك كان دومًا من دواعي سروري». ولحسن الحظ، لم تنقطع أواصر التعاون بيننا بعد ذلك".

لم تنقضِ سوى ساعات قليلة إلا وقد نما إلى علم باحثي الشركتين أن فاعلية اللقاح قد تخطت نسبة 90%، وحينئذٍ اغرورقت عينا جانسِن بدموع الفرح، ونَعِمَتْ بتناول كأس من الشمبانيا برفقة زوجها، ثم لم تلبث أن عادت إلى عملها الذي عكفت عليه على مدار الثلاثين عامًا الماضية: السعي إلى تحصين الإنسانية ضد مرضٍ فتَّاك جديد. 

العالِم الذي تمكَّن، بمعاونة فريقه، من التوصُّل إلى تحديد تسلسل الحمض النووي الريبي لفيروس كورونا، وكان أوَّل مَن أتاحه عبر الإنترنت. 

كتبه: ديفيد سيرانوسكي

Credit: Zhang Wen/Communication University of Zhejiang

انطلقت المعركة العلمية العالمية ضد مرض "كوفيد-19" في صبيحة يوم الحادي عشر من يناير الماضي، في مدينة شنغهاي الصينية، عندما وافق عالِم الفيروسات تشانج يونجتشِن، بعد ترددٍ دام لبضعة أيام، على نشر البيانات الخاصة بتسلسُل جينوم الفيروس المسبب للإصابة بمرض تصاحبه أعراض مشابهة لأعراض الالتهاب الرئوي، ظهر في مدينة ووهان بالصين.

كان ذلك هو اليوم الأهم من أيام جائحة «كوفيد-19»

وبفضل هذا الكشف، أدرك العالَم أنه بصدد مواجهة نوع جديد من الفيروسات التاجيَّة (فيروسات كورونا)، شبيهٍ بالفيروس الذي كان مسؤولًا عن تفشي المتلازمة التنفُّسية الحادة الوخيمة، التي عُرفت اختصارًا بمرض "سارس" المميت، في عام 2003. وسرعان ما انكبَّ العلماء على دراسة الجينوم، من أجل التعرف على بروتينات الفيروس الرئيسة، وإنتاج مستلزمات تشخيص المرض، والعمل على تطوير اللقاحات المضادة له. ويرى لينفا وانج، عالِم الفيروسات بكلية الطب التابعة لجامعة ديوك وجامعة سنغافورة الوطنية، أن ذلك اليوم "كان اليوم الأهم في تفشي جائحة «كوفيد-19»".

على أنَّ نَشْر تسلسل جينوم الفيروس لم يكن ليَمُرَّ دون عقبات؛ فقد استقبل معمل يونجتشِن، الكائن بمركز شنغهاي للصحة العامة الإكلينيكية، عينة من الفيروس في الثالث من يناير الماضي، وفي اليوم نفسه، أصدرت السلطات الصينية أوامرها التي تحظر على الجهات الحكومية المحلية، والمَعامل التابعة لها، نشر أي معلومات حول الفيروس. وبعد قضاء 40 ساعة من العمل، وفي تمام الساعة الثانية بعد مُنتصف ليل الخامس من يناير، تواصل معه أحد أعضاء فريقه، ويُدعى تشين يان-ميي، ليلفت انتباهه إلى أن الفيروس الجديد ينتمي إلى ذات العائلة الفيروسية التي ينتمي إليها فيروس "سارس". فما كان من يونجتشِن إلا أنْ بعث إخطارًا إلى السلطات الصحية المحلية في شنغهاي، في وقتٍ لاحق من اليوم نفسه، لينقل إليها حجم التهديد الذي يمثله الفيروس، ثم رفع البيانات على الموقع الإلكتروني الخاص بالمركز الوطني لمعلومات التكنولوجيا الحيوية (NCBI)، الذي يُعَد بمثابة مستودع للتسلسلات الجينية، يتبع معاهد الصحة الوطنية الأمريكية.

ثم انتظر يونجتشِن ريثما ينتهي المركز الوطني لمعلومات التكنولوجيا الحيوية من معالجة البيانات المرفوعة، ومن ثم يُعيدها إليه للمراجعة. وخلال الأيام القليلة التالية، قدم ورقة بحثية إلى دورية Nature حول جينوم الفيروس، وزار مدينة ووهان، حيث استمع مباشرة إلى روايات الأطباء حول آثار الفيروس. وقد حثَّه أحد محرري دورية Nature على نشر تسلسُل جينوم للفيروس، وفي الحادي عشر من يناير الماضي، بينما كانت الطائرة التي يستقلها على وشك الإقلاع صوب بكين، تلَقّى مكالمة هاتفية من إدوارد هولمز -عالِم الفيروسات التطورية بجامعة سيدني في أستراليا، الذي تربطه بيونجتشن علاقة عملٍ ممتدة- طالبه فيها أن يبادر إلى نشر البيانات عبر الإنترنت.

استمهل يونجتشِن زميله هولمز دقيقةً ريثما يتدبَّر الأمر، غير أنَّ المُضيفة عاجلَتْه، مطالِبةً إياه بإنهاء المكالمة، استعدادًا لإقلاع الطائرة. في تلك اللحظة، دارت في رأس يونجتشِن المحادثات الحادة التي أجراها في ووهان. ويتذكر هذا الموقف قائلًا: "كان الأمر يزداد خطورة"، وأضاف: "ثم وجدتُني أقول له: «يا إدوارد، إني أخوِّل إليك سلطة نشر البيانات»". فما لبث هولمز أن سارع إلى نشر البيانات على موقع "فايرولوجيكال دوت أورج" virological.org، أما يونجتشِن، فقد طلب من المركز الوطني لمعلومات التكنولوجيا الحيوية إتاحة تلك البيانات. يقول هولمز إن الفريق قد علَّق العمل انصياعًا للتوجيهات الحكومية، التي يقول يونجتشن إنه لم يكن على علمٍ بها آنذاك، إلا أنه، بحسب قوله، كان يدرك أن نشر البيانات عبر الإنترنت قد يثير حفيظة بعض مسؤولي الصحة.

لم يكد يمر يومان حتى أعلنت تايلاند أن الفيروس قد وصل إليها، استنادًا إلى بيانات التسلسل الجينومي المذكورة، في حين شرع علماء الولايات المتحدة في الاستعانة بتلك البيانات لتصميم لقاح ضد الفيروس. وقد تلقى فريق يونجتشِن أمرًا حكوميًا "تقويميًا"، عجزوا بموجبه مؤقتًا عن المُضيِّ في دراسة الفيروس. كما تداولت بعض وسائل الإعلام أخبارًا تزعم أن الفريق وقع تحت طائلة العقاب، لكن يونجتشِن ينفي تلك الأخبار، قائلًا إن المسؤولين الذين زاروا معمله لم يكن لهم من ملاحظات سوى تحديث بروتوكولات السلامة البيولوجية بعد نقل المعدات خلال أعمال التشييد، وقد كانوا مُحقِّين في ذلك. ويقول: "لم نغلق المختبر"، فقد استمر في إجراء دراساته على مرض الإنفلونزا، وبحلول نهاية شهر يناير، استأنف الفريق عمله على دراسة تسلسل جينوم الفيروس.

كما يرى أن تردد الصين في نشر البيانات كان نابعًا من خوف المسؤولين من خروج الأمور عن جادة الصواب، مشيرًا إلى ما وقع سابقًا، في عام 2003، عندما أخطأ أحد العلماء البارزين في الصين في تشخيص سبب الإصابة بمرض "سارس"، إذ أرجعه إلى نوعٍ من البكتيريا. وعن ذلك يقول: "لا أعتقد أن السلطات الصينية المركزية قصدت إلى حَجْب المعلومات. كلُّ ما في الأمر أن بعض الخبراء تعوزهم الخبرة اللازمة لاتخاذ القرار الصائب".

لم تفارق الدهشةُ يونجتشِن، حتى الآن، من السرعة التي أمكن بها التعرف على فيروس "سارس-كوف-2"؛ ففي عام 2003، استغرق العلماء شهورًا عدة، حتى يتأكدوا من أن أحد الفيروسات التاجية هو ما يقف وراء الإصابة بمرض "سارس". غير أنّ التقنيات الحديثة في دراسة التسلسل صنعَتْ الفارق، ويُعَد يونجتشِن واحدًا من أبرز مَن طبَّقوا هذه التقنيات؛ فقد تمكَّن -برفقة هولمز- من التعرُّف على الآلاف من فيروسات الحمض النووي الريبي. وإضافةً إلى ذلك، أسس شبكة من المختبرات في الصين، تهدف إلى رصد الفيروسات الجديدة، سعيًا إلى التنبؤ بتفشي الأوبئة، والقضاء عليها قبل ظهورها.

ومع أنه لم يحالفه الحظ في إنجاز هذا الأمر في حالة فيروس "سارس-كوف-2"، إلا أنه يفخر بالتقدير الذي ناله من العلماء في أنحاء العالم كافة، لنشره تلك البيانات. ومشيرًا إلى هؤلاء العلماء، يقول يونجشتِن: "إنهم يرددون أنَّ يوم الحادي عشر من يناير كان منعَطفًا مهمًّا على طريق فهْمنا لمدى خطورة الوضع، ويرون أنه كان نقطة تحوُّل للصين، بل وللعالم بأسره".

عالمة الكونيات التي تسبر أغوار المادة المظلمة، وتتصدى للممارسات العنصرية في الوسط العلمي، وفي المجتمع على اتساعه.

كتبه: نيدي سابارامان

Credit: Kayana Szymczak for Nature

بالنسبة إلى عالِمة الكونيات تشاندا بريسكود-واينستاين، كان عام 2020 عامًا صاخبًا، مزدحمًا بالأحداث؛ فقد حصلت على منحتين جديدتين، وعيَّنت معها، لأول مرة، باحثًا في مرحلة ما بعد الدكتوراة، وشاركَتْ في إدارة مجموعة بحثية تُعنَى بوضع خطة للأبحاث القائمة على الرصد في مجال الفيزياء الفلكية، من أجل دراسة المادة المظلمة، وذلك على مدار العقدين المُقبلين. كما انتهت كذلك من تأليف كتابها الأول، وشرعت في تأليف آخَر، ودأبت على كتابة مقال شهريّ في دورية "نيو ساينتست" New Scientist، ونشرت فصلين في كتابين يدوران حول البحث العلمي في مجال التعليم، وأشرفَتْ على اثنين من طلاب الدراسات العليا في نشر أعمالهما الأولى، ضمن متطلَّبات برنامج الدكتوراة لكلٍّ منهما. أنجزت تشاندا كل هذا وهي على أعتاب عامها الثاني كأستاذة دائمة في جامعة نيو هامبشاير في مدينة دورهام.

وليس هذا كل شيء؛ فقد اشتركت مع عددٍ من العلماء الآخرين في تنظيم "إضراب دفاعًا عن حياة السود"؛ واحدة من أبرز الحملات عبر الإنترنت التي تطالِب المؤسسات بالتصدي للممارسات العنصرية في الوسط العلمي، والعنصرية التي يعامَل بها أصحاب البشرة السوداء في المجتمع بأسره. وقد خطرَت هذه الفكرة لبريسكود-وينشتاين في مَعرِض محادثة عبر الإنترنت، جمَعَتْها ببراين نورد، عالِم الفيزياء الذي يعمل في مختبر مُسرِّع فيرمي الوطني، الذي يقع في مدينة باتافيا بولاية إلينوي. وفي الوقت نفسه تقريبًا، بعثت إليها بريتاني كامي، عالمة الفيزياء في جامعة كاليفورنيا بمدينة سانتا كروز، برسالةٍ عبر البريد الإلكتروني، تُطْلِعها فيها بعزمها الدعوة إلى تنظيم إضراب، بُغية الضغط نحو إحداث تغيير. ثم كان أنْ زاد حجم العمل التطوُّعي، ونسَّق الفريقان فيما بينهما طريقة إذاعة أمر هذه الحملة بين جموع الأكاديميين.

تقول بريسكود-واينستاين: "لقد سئمتُ من الطريقة المتَّبعة في التعامل مع الأمور داخل المجتمع العلمي الفيزيائي".

لاقت الدعوات تجاوبًا غير مسبوق، على حد قول رايشيل بيركس، عالمة الكيمياء التحليلية في الجامعة الأمريكية بواشنطن العاصمة، التي كثيرًا ما تستغل حسابها الرسمي على موقع "تويتر" للتشجيع على تحقيق الإدماج الاجتماعي في مضمار العلوم. وقد بعثَت برسالة إلكترونية إلى دورية Nature، تقول فيها: "لم يقع في خاطري قط أنني سأشهَد شيئًا كهذا في حياتي". وأضافت أنَّ تلك اللحظة كانت لحظة تحوُّل في مواقف الكثيرين من العلماء ذوي البشرة البيضاء، قائلة: "رأيت عددًا كبيرًا من الزملاء الذين أخذوا على عاتقهم أن يكونوا أحرص على تحقيق العدالة العِرقية في تخصصات العلوم، والتكنولوجيا، والهندسة، والرياضيات (STEM)".

يرجع جانب من الاهتمام الكبير الذي لاقته الحركة إلى أسماء العلماء البارزين الذين شاركوا فيها؛ ومن بينهم بريسكود-واينستاين. لقد برز شغفها بالعلوم والرياضيات منذ مرحلة مبكرة؛ فبعدما شاهدت الفيلم الوثائقي "تاريخ موجز للزمن" A Brief History of Time، الذي أُنتج في عام 1991 عن العالِم ستفين هوكنج، وأخرجه إيرول موريس، عزَمَتْ منذ سنٍّ صغيرة على أن تشق لنفسها طريقًا للعمل في مجال الفيزياء.

درسَتْ بريسكود-واينستاين الفيزياء في جامعة هارفارد، الواقعة في مدينة كامبريدج بولاية ماساتشوستس، وعلم الفلك في جامعة كاليفورنيا بمدينة سانتا كروز، ثم تابعت مسيرتها لنَيل درجة الدكتوراة من جامعة واترلو ومعهد بيريميتر للفيزياء النظرية في كندا، وزمالة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج، فضلًا عن شَغْلها عدة مناصب. وتعمل في الوقت الحالي عضوة هيئة تدريس بقسم الفيزياء وعلوم الفلك في جامعة هامبشاير، وربما تكون بذلك هي أول امرأة سوداء تتولى وظيفة أستاذ دائم في علم الكونيات النظري، أو نظرية الجسميات، في الولايات المتحدة الأمريكية. كما تشغل منصبًا في قسم دراسات المرأة والنوع الاجتماعي الدراسات الجندرية بالجامعة ذاتها.

بينما كانت تتابِع عملها في مجال فيزياء المراحل المبكرة من عمر الكون، لينتهي بها الأمر إلى دراسة المادة المظلمة، والجسيمات الافتراضية، التي تسمى "الأكسيونات" axions، لاحظت بريسكود-واينستاين أنها كانت دائمًا عالمة الفيزياء الوحيدة ذات البشرة السوداء في كل مكان وُجدت فيه، الأمر الذي حتَّم عليها، في كثيرٍ من الأحيان، السعي الحثيث إلى البرهنة على مدى استحقاقها لمكانها. وانطلاقًا من تجاربها الخاصة، ومن استشعارها المسؤولية تجاه الأجيال التالية من الفيزيائيين، أخذَتْ على نفسها أن تقف بالمرصاد لممارسات التفرقة العنصرية والجنسية في الأوساط العلمية، وقد آمنَتْ أن "عواقب الصمت لا يمكن التعايش معها".

جاءت الدعوات للإضراب والإغلاق في يونيو الماضي، عقب مقتل كل من بريونا تايلور، وجورج فلويد، وأحمد أربري، وآخرين، وقد وقع معظم هذه الحوادث على أيدي رجال الشرطة. وأطلقَتْ مجموعة "جسيمات من أجل العدالة" Particles for Justice دعوةً لاتخاذ موقف في هذا الشأن، جاء فيها أن حوادث القتل هذه "ليست سوى أمثلة قليلة عما يتعرض له أصحاب البشرة السوداء من عنف وعنصرية في الحياة اليومية، وعلى مدى قرون، في الولايات المتحدة وكندا، وفي أنحاء العالم كافة". وتضم هذه المجموعة عددًا من الفيزيائيين الذين سبق لهم التصريح بوجود تفرقة على أساس الجنس في الوسط العلمي. وقد أكدت بريسكود-واينستاين مرارًا أنها لا تقف بمفردها وراء هذه المجموعة، وأن أحدًا بعينه ليس مسؤولًا عنها، وإنما هي نتاج عمل جماعي، أو "أسرة"، على حد وصفها.

ومما وَرَد في الدعوة التي أطلقتها المجموعة: "بصفتنا فيزيائيين، نعتقد أن ثمة حاجة ماسة إلى تنظيم إضراب في الوسط الأكاديمي؛ من أجل قَطْع الصمت، ورفع المعاناة التي يتعرَّض لها الأكاديميون السود، وإعطاء الآخرين فرصة التفكُّر فيما تورطوا فيه من ممارسات عنصرية ضد السود في الأوساط الأكاديمية، وكذلك في مجتمعاتهم المحلية، والمجتمعات الأوسع".

كما مارسَتْ هذه المجموعات الضغط على المؤسسات العلمية، من أجل اتخاذ إجراءات تجعلها تفسح مجالًا لجميع الأطياف، وتنبذ الممارسات العنصرية، وذلك من خلال الوسوم التي أطلقَتْها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهي: #ShutDownSTEM، و#ShutDownAcademia، و #StrikeForBlackLives.

وبحلول اليوم المحدد للإضراب، يوم العاشر من يونيو 2020، تعهَّدت مجموعات أكاديمية، يبلغ عدد أعضائها مجتمِعِين مئات الآلاف، بالاشتراك في الإضراب؛ ومن هذه المجموعات الاتحاد الجيوفيزيائي الأمريكي، والجمعية الفيزيائية الأمريكية، والجمعية الكيميائية الأمريكية. كما انضم إلى الإضراب عدد من الناشرين، مثل "الرابطة الأمريكية لتقدم العلوم"، التي تنشر دورية "ساينس" Science، (كما أعلنت دورية Nature أنها تعتزم استغلال ذلك اليوم في التفكير في الإجراءات التي من شأنها القضاء على التفرقة العنصرية ضد السُّود، والعمل على صياغتها).

يشمل مجال تخصص بريسكود-واينستاين علم الفيزياء الفلكية، ونظرية الجسيمات. فهي، على سبيل المثال، معنيَّة بكيفية تأثير "الأكسيونات" على تكوين المجرات، وغيرها من البِنَى الفلكية. واعتمادًا على عمليات الرصد الفلكي، شرعَتْ في استكشاف خصائص "الأكسيونات"، وما إذا كانت هذه الجسيمات تشكل قوام المادة المظلمة في الكون؛ وهي أسئلة تَشغَل الباحثين منذ عقود. تقول بريسكود-واينستاين: "إن اهتمامي بهذه الجسيمات لا ينحصر في مسألة المادة المظلمة فحسب، وإنما يتعدَّاها إلى السؤال عن حقيقة وجودها، إذا كان لها وجود من الأصل، وكذا عن سلوك تلك الجسيمات".

وقد حازت بالفعل سلسلة من التكريم، تقديرًا لإسهاماتها، وسوف تتبعها سلسلة أخرى خلال العام المقبل؛ فسوف تنال تكريمًا من الجمعية الفيزيائية الأمريكية، نظيرَ ما قدَّمته في مجالَي علم الكونيات وفيزياء الجسيمات، ولجهودها في جَعْل مجال الفيزياء أكثر شمولًا للباحثين على اختلاف مشاربهم. وفي شهر مارس المقبل، يُنتظر أن يخرج إلى النور كتابها المعنوَن بـ: "الكون المضطرب" The Disordered Cosmos، الذي يدور موضوعه حول الفيزياء وعلم الفلك، ويعرِّج على القضايا المتعلقة بالهوية، ومدى انفتاح الوسط العلمي على الجميع.

على أنَّ عملها في هذه المسارات المتفرقة لم يكتمل بعد؛ فعلى الرغم من أن الكثيرين قد استغلوا يوم العاشر من يونيو للإدلاء بتصريحات عن خططهم لتحسين أوضاع الأكاديميين من ذوي البشرة السوداء، فإن الأمر المهم هنا هو الإجراءات التي ستُتخذ في هذا الصدد. تقول بريسكود-واينستاين: "إن الثورة لم تندلع في ذلك اليوم، ولكني آمل أن نكون قد نجحنا في تحريك المياه الراكدة، لإعادة النظر بشكل جذري فيما يتعيَّن فعله من أجل إنقاذ حياة السود". 

اختصاصية علم الأوبئة التي أوصت بإغلاق مدينة ووهان، لكبح مرض "كوفيد-19" في مهده.

كتبه: ديفيد سيرانوسكي

Credit: Xinhua/Shutterstock

في الثامن عشر من يناير 2020، أرسلت الهيئة الإدارية العليا الصينية العالِمة لي لانجون، اختصاصية علم الأوبئة في جامعة جيجيانج بمدينة خانجو، وعددًا من الخبراء الآخرين إلى مدينة ووهان في مهمة لتقدير حجم التفشي الفيروسي هناك. ولم تمضِ بضعة أيام حتى طالبت لانجون، البالغة من العمر 73 عامًا، بفرض الإغلاق الفوري على مدينة ووهان، البالغ عدد سكانها 11 مليون نسمة. وفي لقاء أجراه معها التليفزيون الرسمي للصين، في الثاني والعشرين من يناير 2020، قالت: "إذا استمر الفيروس في التفشِّي، سوف تفقد مقاطعات أخرى أيضًا القدرة على السيطرة، كما حدث في ووهان، مما سيُلحِق أضرارًا فادحة بالاقتصاد والمجتمع الصينيين".

وكان تشونج نان شان، اختصاصي الأمراض التنفسية في جامعة جوانجو للعلوم الطبية، الذي كان يقود الفريق العامل في ووهان، قد أعلن قبل ذلك عن احتمالية انتشار الفيروس بين البشر. وهكذا، ساعد الإنذاران اللذان أطلقهما لانجون وشان على الدفع نحو اتخاذ إجراءات حاسمة.

وبالفعل، صدرت قرارات في الثالث والعشرين من يناير 2020، تقضي بتعليق كافة وسائل المواصلات من ووهان وإليها، وأن يَلزم السكان منازلهم، كما أُلغيت جميع الرحلات التي كانت مقررة للاحتفال بالسنة الصينية الجديدة، التي تبدأ في الخامس والعشرين من يناير. حينها، رأى كثيرون أن تلك الإجراءات مُبالَغ فيها، إلا أن إجراءات الإغلاق طُبِّقت بحزم، واستمرت 76 يومًا متصلة، حتى أن بعض سكان المدينة لم يتمكنوا من الحصول على الرعاية الطبية، بل واشتكى البعض من أنهم قد تُركوا ليلقوا حتفهم.

وقد كُللت تلك الجهود بالنجاح. وحول هذا الشأن، تقول رينا ماكينتاير، اختصاصية علم الأوبئة بجامعة نيو ساوث ويلز في مدينة سيدني الأسترالية: "لا يخفى على أحد أن الإغلاق قد أسفر عن إحكام السيطرة على الوباء داخل الصين، وحالَ دون وقوع كارثة وبائية أشد وطأة في البلاد". ووفقًا لتقديرات اختصاصيّي علم النماذج الوبائية، نجح الإغلاق في تأخير انتشار الوباء في سائر أنحاء الصين لمدة تراوحت بين ثلاثة وخمسة أيام، مما أتاح فرصة أمام المناطق الأخرى لأخذ استعداداتها. كذلك أدّت إجراءات الإغلاق إلى انخفاض أعداد الإصابات الوافدة من ووهان بنسبة 80% طيلة بضعة أسابيع.

ومن جانبه، يرى بن كاولِنج، اختصاصي علم الأوبئة في جامعة هونج كونج، أن إغلاق مدينة يسكنها 11 مليون نسمة، بهدف منع العدوى من الانتشار خارجها، يمثل سابقة فريدة من نوعها، مؤكدًا: "لا أظن أننا قد شهدنا إجراءً مشابهًا من قبل".

مكثت لانجون في ووهان، للمشاركة في رعاية المصابين بمرض "كوفيد-19"، لتصبح بذلك رمزًا تروج له الدولة للطبيب المتفاني وقت الأزمات. وهكذا، انتشرت صورها وهي ترتدي الزي الطبي، وأُطلِق عليها في وسائل التواصل الاجتماعي لقب: "الجدة لي". أما وسائل الإعلام الصينية، فقد ركزت على نشأة لانجون في أسرة فقيرة في محافظة جيدجيانج، ثم انضمامها إلى فريق "الأطباء الحفاة" barefoot doctors، الذين كانوا يشاركون في تنفيذ إجراءات احترازية أولية تهدف إلى الوقاية من الأمراض وعلاجها في المناطق الفقيرة، فضلًا عن تعيينها في الجامعة الطبية الإقليمية، وتخصصها لاحقًا في أمراض الالتهاب الكبدي.

وقد حظيَتْ لانجون بمكانة رفيعة، جعلت لها كلمة مسموعة لدى المسؤولين، عندما أوصَتْ بفرض الإغلاق على مدينة بأكملها. فعلى النقيض من قصة لانجون، نجد أن الطبيب الذي كان يُدعى لي وين ليانج، ويعمل طبيب عيون في ووهان، قد أعرب لبعض أصدقائه، قرب نهاية شهر ديسمبر من عام 2019، عن قلقه حيال ظهور بعض حالات الإصابة بفيروس يشبه فيروس "سارس" في مستشفى ووهان المركزي، غير أن تحذيراته قوبلت من شرطة المدينة بتهمة ترويج أخبار كاذبة. أصيب بعدها الطبيب بعدوى مرض "كوفيد-19"، وأجرى إبان مرضه بعض اللقاءات في وسائل الإعلام، طالب فيها بمزيد من الشفافية في معالجة هذا الأمر، قبل أن توافيه المنية في السابع من فبراير الماضي. انتقد كثير من الباحثين محاولات الصين تكميم أفواه كاشفي الفساد من أمثال ليانج، وتعتيمها على أخبار ارتفاع أعداد المصابين.

ومهما يكن من شيء، فقد فرضت الصين إجراءات صارمة وجريئة، جرأةً لم تواتِ غيرها من الدول. وفي تعليق ماكينتاير حول هذا الشأن، قالت: "يبدو أن المبادئ الأساسية لكبح الأوبئة غائبة عن دول كثيرة، أو أن مستشاريها تنقصهم الدراية، فقد لمسنا كيف أنهم متخبطون، وغير مستعدين للتعامل مع الأزمة، وهو الأمر الذي لم يحدث في الصين".

حظيَت رئيسة وزراء نيوزيلاندا بإشادة واسعة، نظير إدارتها الرشيدة وقت الجائحة.

كتبه: دياني لويس

Credit: Guo Lei/Xinhua/eyevine

خرجت جاسيندا أردرن، رئيسة وزراء نيوزيلندا، على الشاشات في الرابع عشر من مارس الماضي، وبحوزتها إحصاءات ورسوم بيانية، لتوجه إلى شعبها رسالة ثقيلة.

لم تكن نيوزيلندا قد أعلنت في ذلك الحين سوى عن ظهور ست حالات، أثبتت الاختبارات إصابتها بفيروس كورونا، المتسبب في الجائحة التي كانت أخبارها منتشرة على الصعيد العالمي في الآونة الأخيرة، وجميعها لحالات قادمة من خارج البلاد. ومع ذلك، أعلنت أردرن عن حزمة من الإجراءات الصارمة تهدف إلى كبح انتشار الفيروس، شملت فرض أسبوعين من العزل الذاتي على كل القادمين إلى البلاد، وإغلاق الموانئ أمام الملاحة، ووضع قيود على السفر إلى دول الجوار بمنطقة المحيط الهادئ المتأثرة بالجائحة. وحينها، صرحت أردرن قائلة: "لا يساورني أدنى شك في صحة هذه القرارات. علينا التسلح بالحَزْم، والمبادرة إلى اتخاذ القرارات، دون إبطاء. ولا بد من أن نفعل كل ما بوسعنا لحماية صحة شعب نيوزيلندا". وبالفعل، بعد أقل من أسبوعين، كانت نيوزيلندا قد فرضت الإغلاق التام في كافة أنحاء البلاد.

نالَتْ أردرن إشادة عالمية، لأنها أخذت بنهجٍ في إدارة بلدها يجمع بين التعاطف والحسم، في وقت ساد فيه القلق والذعر في أنحاء العالم كافة؛ إذ استطاعت أن تجعل سكان نيوزيلندا، البالغ عددهم خمسة ملايين نسمة، يقفون صفًّا واحدًا خلف الإجراءات غير المسبوقة التي جعلت من نيوزيلندا قصة نجاح فريدة في زمن الجائحة. وهكذا، تمكنت تلك الدولة الجُزُرية من كبح انتشار جائحة "كوفيد-19" بين أفراد المجتمع مرتين، حتى أن عدد الإصابات لم يتجاوز 2000 إصابة إلا بقليل، فيما لم يزد عدد الوفيات على 25 حالة وفاة.

قليلةٌ هي الدول التي أصابت مثل هذا النجاح في التعامل مع جائحة "كوفيد-19"؛ فإذا نظرنا إلى معدل الوفيات في الولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال، لوجدنا أنه يفوق نظيره في نيوزيلندا بأكثر من 170 مرة، عند ضبط النسبة والتناسب بين عدد سكان البلدين.

ساعد نيوزيلندا على كبح جماح الجائحة موقعها المنعزل، فضلًا عن صغر مساحتها، حسبما يرى بعض المتخصصين، ولكن ميكايلا كيريسي، اختصاصية علم الإدارة في كلية تي إتش تشان للصحة العامة في جامعة هارفارد بمدينة بوسطن بولاية ماساتشوستس الأمريكية، ترى أنه حتى وإنْ كانت نيوزيلندا تشترك في هذه المميزات مع دول أخرى، فإن بعضًا من زعماء تلك الدول لم يُفلحوا في إدارة الأزمة بالاقتدار الذي أظهرته أردرن في خضم الارتباك العلمي الذي انتاب العالم أجمع. وتضيف كيريسي قائلة إنه في الوقت الذي أذعن فيه زعماء آخرون للنزعة الفطرية التي تدفع باتجاه تأجيل اتخاذ القرارات إلى حين توافر المزيد من المعلومات، سارعت أردرن إلى التعامل مع الأزمة.

عقدت رئيسة الوزراء مؤتمرًا صحفيًّا يوميًّا، لمكاشفة شعبها بالتطورات أولًا بأول، وكان يدعمها في ذلك أشلي بلومفيلد، المسؤول التنفيذي لقطاع الصحة في البلاد. تقول كيريسي: "لقد تحدثت أردرن بمنتهى الشفافية" عن ارتفاع معدلات الإصابة، وعن الأسباب التي جعلت إجراءات الغلق المزعجة أمرًا لا مفرَّ منه. وأضافت قائلة: "لقد أظهرت في التواصل مع شعبها مستوًى مؤثرًا واستثنائيًّا من التعاطف والصدق".

"مكَّنها هذا الفهم العميق من تناول موضوعات معقدة وحقائق متغيرة في حديثها إلى الشعب".

وأشارت جوليت جيرارد، اختصاصية الكيمياء الحيوية وكبيرة مستشاري رئيسة الوزراء العلميين، إلى أن أردرن كانت حريصة على فهم التفاصيل العلمية، مثل كيفية استخدام علم الجينوم في تتبع الفاشيات، أو كيفية تطور الفيروس. وأضافت جيرارد: "مكّنها هذا الفهم العميق من تناول موضوعات معقدة وحقائق متغيرة في حديثها إلى الشعب".

غير أنَّ حكومة آردرن وُوجهَتْ ببعض الانتقادات، بسبب القصور الذي شاب إجراءات المراقبة المجتمعية، وعدم كفاية الاختبارات التي كانت تُجرى للعاملين والمسافرين داخل منشآت الحجر؛ ما ترتب عليه انتشار الفيروس في أوكلاند، أكبر مدن نيوزيلندا، وما استتبع ذلك من إغلاق المدينة في شهر أغسطس الماضي. كما بلغ اقتصاد نيوزيلندا في شهر يونيو أقصى معدلات الركود في تاريخه؛ وهو ما أسفر عن ارتفاع معدلات البطالة بنسبة الثلث في شهر سبتمبر.

ومع ذلك، امتثلت الغالبية الساحقة من شعب نيوزيلندا لتعليمات رئيسة الوزراء عند فرض تلك القيود. كما عكست استطلاعات الرأي ارتفاعًا ثابتًا (يُقدَّر بنسبة 80%) في التأييد المجتمعي للقرارات الحكومية، بما فيها قرارات الإغلاق. وفي شهر أكتوبر، أعيد انتخاب الزعيمة التقدمية بأغلبية مكّنتها من تشكيل حكومة أغلبية، لتصبح هذه هي المرة الأولي التي يتولى فيها حزب سياسي الحكم بالأغلبية منذ عام 1996.

يُذكر أن أردرن قد استرشدت بالعلم في قضايا أخرى أيضًا. فوفقًا لريبيكا بِردن، اختصاصية علم الاقتصاد، التي ترأس مؤسسة "الموارد المناخية" Climate Resource، وهي مؤسسة معنية بتقديم الاستشارات بخصوص سياسات التغير المناخي في مدينة ملبورن الأسترالية، بذلت أردرن جهودًا للتصدي لقضايا التغير المناخي تفوق تلك التي بذلها رؤساء الوزراء السابقون، كما وضعت هذه القضية ضمن أولويات حكومتها.

كما أصدرت نيوزيلندا في العام الماضي "قانون القضاء على الانبعاثات الكربونية"، الذي ينص على التزام الدولة بالوصول بصافي الانبعاثات إلى مستوى الصفر بحلول عام 2050، لتكون بذلك إحدى الدول المعدودة التي سنّت مثل هذه التشريعات.

رصدت حكومة أردرن حوالي 25% من إجمالي الناتج المحلي للتصدي لجائحة "كوفيد-19"، وهي نسبة تفوق مخصصات معظم الدول الأخرى، ولكن الحكومة تواجه، مع ذلك، صعوبة هائلة في إنعاش اقتصادها، الذي يعتمد اعتمادًا كبيرًا على السياحة العالمية، مع الحفاظ على الشعب في مأمن من الفيروس المستشري في دول أخرى.

الطبيب الأمريكي الموقر، الذي أمسى ضمير الأمة خلال أزمة جائحة "كوفيد-19"، حتى بعد تَعَرُّضه للتهديد بالقتل.

كتبه: هايدي ليدفورد

Credit: Al Drago/Getty

على مدار حياة أنتوني فاوتشي المهنية، الممتدة لما يربو على أربعين عامًا، عمل خلالها باحثًا في علوم الأمراض المعدية، كان هناك مَن يُنزِلونه منزلة البطل، ومَن يكيلون له اللعنات باعتباره قاتلًا. وفي الوقت الذي كان أنصاره المخلصون يصنعون بطاقات بيسبول تذكارية تحمل صوره ودُمًى على هيئته، كان آخرون يوجهون إليه تهديدات بالقتل، ويُرَوِّعون أبناءه.

قدم فاوتشي خلال فترة عمله رئيسًا "للمعهد القومي الأمريكي لبحوث الحساسية والأمراض المعدية" NIAID، في مدينة بيثيسدا بولاية ميريلاند، المشورة إلى ستّة من رؤساء الولايات المتحدة، كما قاد أمةً قَلِقَة عبر مخاوفها من احتمال حدوث هجوم بأسلحة بيولوجية، وتفشي فيروسات نقص المناعة البشرية، وإيبولا، وزيكا. أما في الوقت الراهن، فإن ما لعبه من دور في إسداء المشورة إلى الحكومة، والتواصل مع الجماهير أثناء جائحة كورونا، جعلا منه طبيب الأمة؛ فقد طرح فاوتشي إرشادات بخصوص الإجراءات التي يجب على الولايات المتحدة اتخاذها لمكافحة انتشار الفيروس، والتي جاءت في أكثر الأحيان متعارضة مع رغبة الرئيس دونالد ترامب، ناهيك عن أنه اقتطع من وقته جزءًا خصَّصه لعلاج المصابين بمرض "كوفيد-19"، وبفيروس نقص المناعة البشرية. وقد صرّح فاوتشي، الذي يعمل لمدة ثماني عشرة ساعة يوميًّا على مدار الأسبوع، قائلًا: "يمنحك التعامل المباشر مع المريض فهمًا مختلفًا عن طبيعة المرض".

يرى مايكل أوسترهولم، اختصاصي علم الأوبئة ومدير مركز بحوث الأمراض المعدية وسياساتها بجامعة مينيسوتا بمدينة مينيابوليس، أن حجم جائحة "كوفيد-19"، و"تسييس" استجابة قطاع الصحة العامة للجائحة قد أجبرا فاوتشي على اتخاذ خطوات لم يسبق له الإقدام على اتخاذها. يقول أوسترهولم: "كان لفاوتشي دورٌ رئيس في محاولة توصيل دور العِلْم في التعامل مع الأزمة، وما يمكن فعله حيالها، إلى الجماهير والزعماء المنتخبين على حد سواء".

وقد وُوجهت جهود فاوتشي بمقاومة، لكنه كان يألف هذا النوع من الصدام.

ففي عام 1988، حين كان تفشي وباء الإيدز في أوجِه، نشرت مجلة "سان فرانسيسكو إجزامينر" San Francisco Examiner على غلافها تصريحات للكاتب المسرحي لاري كريمر، نعت فيها فاوتشي بأنه "قاتل"، و"أخرق، عديم الفائدة"؛ إذ رأى كريمر، ومعه ناشطون آخرون في مجال مكافحة الإيدز، أن التجارب الإكلينيكية التي كان "المعهد القومي الأمريكي لبحوث الحساسية والأمراض المعدية" يجريها على العقاقير المضادة لفيروس نقص المناعة البشرية كانت تسير بخطى متثاقلة للغاية، في الوقت الذي كان فيه آلاف البشر يموتون بسبب المرض. وعندما نظَّم عدد من النشطاء وقفة احتجاجية أمام مكتب فاوتشي، دعا الأخير بعضًا منهم لإجراء حوارٍ معهم. وبمرور الوقت، نشأت علاقة بينه وبين هؤلاء، أثمرت تغيرات إيجابية في طريقة حصول المصابين بالإيدز على بعض العقاقير التي لا تزال قيد التجارب، ما يُعَد نقلة نوعية في وقت لم يكن فيه للمرضى صوت مسموع في مسيرة التجارب العلمية الهادفة إلى علاجهم. يعلِّق فاوتشي على ذلك قائلًا: "كانت فترة عصيبة، وقد ظن كثير من العلماء وقتها أنني تخليت عن مبادئي".

عادةً ما يجيد فاوتشي التعامل مع الزعماء السياسيين بأسلوب ودود ولاذع في آنٍ واحد، بلكنته المعهودة التي تنم عن انحداره من حي بروكلين. وقد وصفه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب بالبطل، تقديرًا لجهوده في مجال دراسات الإيدز، كما عمل فاوتشي مع الرئيس جورج بوش الابن على صياغة مبادرة "خطة الطوارئ الرئاسية للإغاثة من مرض الإيدز" PEPFAR، وهي برنامج عالمي يقدم العلاج للمصابين بفيروس نقص المناعة البشرية. ولكن جهود فاوتشي الواعية الدؤوبة لتفعيل إجراءات صحية تهدف إلى كبح انتشار جائحة "كوفيد-19" على مدار العام الماضي جعلت منه هدفًا للهجوم العنيف الذي شنَّه الرئيس دونالد ترامب، ومعه آخرون ممن سعوا إلى التقليل من خطورة الجائحة، بغية إعادة تدوير عجلة الاقتصاد الأمريكي.

"إنني أسعى إلى إرساء سياسات للصحة العامة تهدف إلى إنقاذ حياة البشر".

وما إنْ ألمح ترامب ذات مرة إلى أنه قد يعزل فاوتشي من منصبه، حتى صبّ بعض أتباع الرئيس جامَّ غضبهم على فاوتشي. ومن هؤلاء ستيف بانون، أحد مستشاري ترامب السابقين، الذي صرَّح بأنه يود رؤية رأس فاوتشي معلَّقًا على حربة أمام البيت الأبيض. وهكذا، يتحرك فاوتشي الآن وسط كتيبة من حراس الأمن الفيدراليين. وعن التهديدات التي تعرّض لها، يقول فاوتشي إنها جعلته يشعر "بانزعاج أكثر من الخوف". ويضيف قائلًا: "إنني أسعى إلى إرساء سياسات للصحة العامة تهدف إلى إنقاذ حياة البشر"، غير أن سلوك فاوتشي في المجال العام خيب آمال بعض الباحثين، إذ كان كثيرًا ما يظهر إلى جوار ترامب أثناء المؤتمرات الصحفية وهو يصرح مرارًا وتكرارًا بمعلومات مغلوطة بشأن حدة الجائحة. وبالرغم من أن فاوتشي كان يقدم بين الحين والآخر تصريحات تتناقض مع تلك التي يدلي بها ترامب، فإنه لم يسبق له أن واجه الرئيس بشكل مباشر.

يذكر مارك هارينجتون، المدير التنفيذي للمركز البحثي "مجموعة العمل من أجل العلاج" Treatment Action Group، الذي يقع مقره في مدينة نيويورك، والذي يُعنى بعلاج أمراض الإيدز، والسل، وفيروس الالتهاب الكبدي سي، والوقاية منها، أن فاوتشي صار أكثر جرأة ووضوحًا في الإعلان عن آرائه منذ توقف انعقاد تلك المؤتمرات الصحفية في إبريل الماضي. ويضيف هارينجتون قائلًا: "وعلى مدار الأشهر القليلة المنصرمة، لطالما كان فاوتشي يصدح بالحق في وجه السلطة، كما لم يفعل أي من الأعضاء الآخرين في مجموعة العمل، أو في الحكومة الفيدرالية". ولا ينتوي فاوتشي، الذي بلغ الثمانين من العمر في ديسمبر الماضي، التقاعد عمَّا قريب؛ فقد وافق على البقاء في منصبيه: مديرًا "للمعهد القومي الأمريكي لبحوث الحساسية والأمراض المعدية"، وكبيرًا للمستشارين الطبيين للرئيس المنتخب جو بايدن. ومن جهته، يتوقع أوسترهولم أن يستمر فاوتشي في الاضطلاع بدور فعال في المجال العام.

أما هارينجتون، فيتطلع إلى اليوم الذي يعود فيه فاوتشي إلى الاهتمام بقضايا مُلحة أخرى، مثل فيروس نقص المناعة البشرية، والالتهاب الكبدي سي. وصرح قائلًا: "عليه أن يعود إلى رسالته الأصلية، فهي حقًّا رسالة عظيمة".