أخبار

فيزيائيون في الصين ينافسون «جوجل» في تحقيق التفوق الكَمِّي 

أدَّى حاسوب كَمِّي قائم على الفوتونات عمليةً حسابية، قد لا تستطيع الحواسيب التقليدية أداءها أبدًا.

فيليب بول

  • Published online:
أجرى هذا الحاسوب الفوتوني مهمةً حوسبية، من شأن أي حاسوبٍ تقليدي أن يستغرق 2.5 مليار سنة لإجرائها.

أجرى هذا الحاسوب الفوتوني مهمةً حوسبية، من شأن أي حاسوبٍ تقليدي أن يستغرق 2.5 مليار سنة لإجرائها.

Credit: Hansen Zhong

يزعم فريقٌ في الصين أنَّه قدَّم أول برهان قاطع على ما يُعرَف بـ"التفوق الكَمّي"، الذي يعني الاستعانة بآليات العمل غير المتوقعة لميكانيكا الكَمّ في أداء عمليات حسابية معقدة، يُحتمل إذا نَفَّذَتها الحواسيب الكلاسيكية ستُجْرِيها ببطء شديد يَحُول دون إتمامها.

استخدم باحثو الفريق حِزمًا من أشعة الليزر لأداء عملية حسابية ثبت رياضيًّا استحالة إجرائها عمليًّا باستخدام الحواسيب العادية. وبعكس أول برهانٍ قدَّمتْه شركة "جوجل" على التفوق الكمي في العام الماضي، فإنَّ النسخة الصينية لا ينافسها فعليًّا أي حاسوبٍ تقليدي. وقد نُشِرت نتائج الفريق في دورية "ساينس" Science يوم الثالث من ديسمبر الجاري (H.-S. Zhong et al. https://doi.org/10.1126/science.abe8770; 2020).

وتعقيبًا على هذا الحدث، يقول جيان-وي بان، الأستاذ بجامعة الصين للعلوم والتكنولوجيا في مدينة خُفِّي الصينية، الذي شارك في قيادة الفريق: "أثبتنا إمكانية استخدام الفوتونات، وهي الوحدة الأساسية للضوء، لاستعراض قدراتٍ حوسبية كمية تفوق بأشواط نظيراتها الكلاسيكية". وأضاف أنَّ العملية الحسابية التي أَجْروها، والتي تُسمَّى بمعضلة "اختيار عينات البوزونات"، لها تطبيقاتٌ محتملة في مجالات نظرية المخططات، والكيمياء الكمية، وتعلُّم الآلة.

كما عَلَّق على تلك التجربة الفيزيائي إيان والمزلي، الباحث من جامعة إمبريال كوليدج لندن، قائلًا: "هذه قطعًا تجربة تنمّ عن براعة مذهلة، وتُعد إنجازًا مهمًّا".

وجدير بالذكر أنّ فِرَقًا من مختبرات تابعة لمؤسسات أكاديمية أو شركات تتبارى منذ فترة للبرهنة على هذا التفوق الكمي quantum advantage (وهو المصطلح الذي صار يُستخدم الآن على نطاقٍ واسع، بدلًا من مصطلح Quantum supremacy). وعلى سبيل المثال، في العام الماضي، أعلن باحثون من مختبر الحوسبة الكمية، التابع لشركة "جوجل"، والواقع في مدينة سانتا باربرا بولاية كاليفورنيا الأمريكية، عن تقديمهم لأول برهانٍ على التفوق الكمي على الإطلاق. واستخدموا في ذلك جهازهم "سيكامور" Sycamore، القائم على أحدث التقنيات، الذي اشتمل على 53 بتًّا كميًّا مصنوعًا من دوائر فائقة التوصيل، محفوظة في درجات حرارة فائقة البرودة (F. Arute et al. Nature 574, 505–510; 2019)، بيد أنَّ بعض الباحثين في مجال تقنيات الكَمّ شككوا في صحة هذه المزاعم، محتجين بإمكانية وجود خوارزمية كلاسيكية أفضل، قد تتفوق على نظيرتها الكَمِّية، إذا استُخدمت، وبأنه للبرهنة على التفوق الكمي على نحو قاطع، ينبغي ألَّا تكون هناك أي احتمالية لاكتشاف طريقةٍ كلاسيكية أسرع بكثير لأداء المهمة المُجرَّبة.

أمَّا فريق الجامعة الصينية في خُفِّي، الذي يقوده بان مع الباحث تشاو-يانج لو، فاختار معضلة حسابية مختلفة لتقديم برهانه، وهي معضلة "اختيار عينات البوزونات". وقد تخيلها في عام 2011 عالِمَا الحواسيب سكوت آرونسون، وأليكس أرخيبوف، اللذان كانا يعملان آنذاك في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بمدينة كامبريدج الأمريكية. وتتضمن تلك المعضلة حساب التوزيع الاحتمالي لبوزوناتٍ كثيرة (البوزونات هي فئة من الجسيمات الأولية، تضم الفوتونات)، تتداخل موجاتها الكَمّية فيما بينها بطريقة تضفي -في الأساس- حالة من العشوائية على مواضع تلك الجسيمات. ويمكن حساب احتمالية رصد أحد البوزونات في موضعٍ محدد، عن طريق معادلة بها كثير من القِيَم المجهولة. وقد بيَّن آرونسون وأرخيبوف أنَّه في حال وجود عشرات البوزونات، لا توجد طريقة كلاسيكية مختصرة لإجراء تلك العملية الحسابية، الطويلة إلى حد يستحيل معه إجراؤها.

وبإمكان الحاسوب الكمي أن يتجاوز تلك العملية الحسابية الشاقة، التي تقوم على تجربة جميع الحلول الممكنة، وذلك عن طريق محاكاة هذا التوزيع الكمي مباشرةً، بالسماح للبوزونات بالتداخل، ثم اختيار عينةٍ من التوزيع الناتج. ولفعل ذلك، قرَّر بان وزملاؤه استخدام الفوتونات لتقوم بدور البتات الكمية في تجربتهم، وأَجْروا العملية على حاسوبٍ كَمّي فوتوني، يعمل في درجة حرارة الغرفة.

وبدأ الباحثون بالعمل على نبضات ليزرية، فرمَّزوا البيانات في المواضع الفراغية لحالاتٍ معينة من حالات الفوتونات والبيانات الخاصة بقطبية هذه الفوتونات، أي اتجاهات حقولها المغناطيسية، ثم قُرِبّت تلك الحالات من بعضها، كي تتداخل فيما بينها، وتُنتِج توزيع الفوتونات الذي يمثل مُخرَج العملية. بعد ذلك، استخدم الفريق كاشفاتٍ ضوئية قادرة على رصد الفوتونات المفردة، لقياس ذلك التوزيع.

واستطاع بان وزملاؤه بتلك الطريقة إيجاد حلولٍ للمسألة في مائتي ثانية. وقدَّروا أنَّ التوصل إلى تلك الحلول باستخدام الحاسوب الصيني الفائق "تايهولايت" TaihuLight سوف يستغرق 2.5 مليار عام.

مشكلات عملية

وعن هذا البرهان، يقول كريستيان ويدبروك، المدير التنفيذي لشركة "زانادو" Xanadu الناشئة للحوسبة الكمية، الواقعة في مدينة تورنتو الكندية، التي تسعى لتطوير حواسيب كمية لها استخداماتٌ فعلية، اعتمادًا على علم الفوتونيات: "إنها المرة الأولى التي يُبرهَن فيها على التفوق الكَمّي باستخدام الضوء، أو علم الفوتونيات".

ويرى والمزلي أنَّ زعْم الفريق برهنته للتفوق الكمي مقنع، إذ يقول: "من المستبعد أن نكون قادرين على اكتشاف خوارزمية كلاسيكية أفضل". بيد أن ويدبروك يشير إلى أنَّ الدارة الفوتونية التي ابتكرها الفريق الصيني ليست قابلةً للبرمجة حتى الآن، بخلاف جهاز "سيكامور" الخاص بشركة "جوجل". لذا، في الوقت الحالي "لا يمكن استخدامها في حل المسائل العملية"، غير أنه أضاف قائلًا إنَّه إذا استطاع الفريق تطوير شريحة قابلة للبرمجة، قد يمكن حينها حل عدة معضلات حوسبية مهمة، بما في ذلك المعضلات التي تتنبأ بكيفية ارتباط البروتينات ببعضها البعض، وكيفية اهتزاز الجزيئات، حسبما أوضح لو.

ويشير ويدبروك إلى أنَّ الحوسبة الكَمّية الفوتونية بدأ تطويرها في مرحلة متأخرة عن غيرها من المقارَبات، لكنَّها الآن من الممكن "أن تتفوق على المقارَبات الأخرى". وأضاف قائلًا: "في جميع الأحوال، تَغَلُّب الحواسيب الكَمّية على نظيراتها الكلاسيكية ليس إلا مسألة وقت".

 

Affiliation