رؤية كونية

العِلْمُ سبيلٌ لتعزيز صحّة المحيطات وتحقيق رخاء البشر

يمكن للإرادة السياسية الاستفادة من العِلْم بما يعود بالنفع على المحيطات والبشر. 

إيرنا سولبيرج 
  • Published online:

EIRIN LARSEN/THE PRIME MINISTER’S OFFICE

ترعرعتُ على الساحل الغربي للنرويج، حيث علّمني أبواي الصيد وأنا بعدُ طفلةٌ صغيرة. اصطدت أول سمكة "ماكريل" وأنا على متن قارب عند مضيق هاردنجر، وتناولتُها مقليةً على العشاء. ذكرياتٌ كهذه تبقى محفورةً في ذاكرتنا إلى الأبد. المحيط جزءٌ لا يتجزأ من تاريخ النرويج وحضارتها واقتصادها ونظامها الغذائي، وما أحوجنا إليه لنتصدّى للمخاطر التي تهدّد وجودنا، بدءًا من جائحة "كوفيد-19"، ووصولًا إلى التغير المناخي. وبصفتي رئيسة وزراء البلاد، فإنّ مِن واجبي أن أضمن استدامة علاقتنا مع المحيط؛ فجهود الحماية والإنتاج والرخاء لا بدّ أن تمضي يدًا بيد.

لن نتمكّن من تحقيق تلك الغاية وحدنا. ففي سبتمبر الماضي، عدتُ إلى الساحل الغربي، حيث قضيتُ بعض الوقت في جمْع المخلّفات البلاستيكية مع مجموعة من المتطوعين. كانت تلك المخلفات قادمةً من كلّ مكان، وكثيرٌ منها وصل إلى النرويج بفعل التيارات المحيطية. ولأنّ المخاطر الكبرى التي تهدّد المحيط باتت الآن عالمية، فإن جهود حمايته لا بدّ أن تكون عالميةً هي الأخرى. 

ربما تكون المنطقة البحرية المحميّة حول "بحر روس" في القارة القطبية الجنوبية هي الإنجاز العالمي الأبرز في سلسلة الجهود التي تستهدف حماية المحيطات. وقد وُقّعت هذه الاتفاقية بعد جُهدٍ جهيد في عام 2016، وبموجبها اتفقت أكثر من 24 دولة على حماية النظم البيئية في مياه القارّة القطبية الجنوبية، وحظر الصيد في 70% منها.

لا شك أن جهود الحماية لها دور مهم في تجدّد المياه المتضرّرة، لكننا نحتاج إلى المزيد من تلك الجهود، إذ يمكننا الاستفادة من المحيط وقدراته الهائلة في دفع عجلة النمو الاقتصادي، وتوفير فرص عمل مُنصفة، والحفاظ على النظم البيئية، وتخفيف وطأة التغير المناخي. نحتاج أيضًا أن نفتح باب التطور أمام الصناعات المستدامة، مثل توربينات الرياح البحرية، وزراعة الأعشاب البحرية، وهو ما يتطلّب إرادةً سياسية، ورؤيةً علمية، وتعاونًا دوليًّا.

لهذا السبب، أسّستُ، قبل ثلاث سنوات تقريبًا، اللجنة العليا لاقتصاد المحيطات المستدام (المعروفة باسم لجنة المحيطات)، التي أشترِك في رئاستها مع رئيس جمهورية بالاو، الواقعة غرب المحيط الهادئ. وقد اتفقت الأربع عشرة دولة الأعضاء باللجنة في شهر ديسمبر 2020 على الإدارة المستدامة بنسبة 100% للمناطق الاقتصادية الخاصة بها (المياه الإقليمية) بحلول عام 2025، ومن ثمّ الاستفادة من المحيط، دون التأثير على صحّته. وتشكّل سواحل الدول الأعضاء في اللجنة حوالي 40% من جميع السواحل الوطنية على مستوى العالم، فضلًا عن أن الاتفاقية تغطي عددًا من ممرّات الشحن الأكثر ازدحامًا على مستوى العالم، ومناطق الصيد الأعلى إنتاجية، والوجهات السياحية الأكثر جذبًا.

 

لماذا تعهّدنا بهذه الالتزامات؟ يغطي المحيط 70% من مساحة كوكب الأرض، ويمكن من خلاله نقل البضائع بكفاءة أكبر من النقل الجوي من حيث تقليل الانبعاثات الكربونية، إضافة إلى أنه مصدر أكثر استدامة لتوفير البروتين، مقارنةً بالمناطق البريّة. ويشير أحد التقديرات إلى أن كل دولار أمريكي يُستثمر في تحسين صحّة المحيط سيحقق عائدًا يساوي 5 دولارات، شريطة أن تتعاون الدول معًا كي ننعم بهذه المكاسب. أما إذا أخفقنا، فستكون العواقب وخيمة. ففي قطاعات معينة، مثل الصيد والشحن والسياحة، قد يتحمّل الاقتصاد العالمي بحلول عام 2050 تكلفة تزيد على 400 مليار دولار سنويًّا من جرّاء تدهور صحّة المحيط، بسبب الاستغلال الجائر، والتلوث، والتغير المناخي. 

ينبغي على الدول تفعيل المساءلة فيما بينها، ووضع سياسات تدعم بعضها البعض، مثل مشاركة البيانات والتكنولوجيا التي من شأنها أن تساعد على رصد عمليات الصيد غير المشروع، وأنشطة التلوث. والنرويج لم تَعُد تتعامل مع قضايا النفط، والنقل، والمصائد، والاستزراع المائي، والمعادن، كلّ على حدة، بل تراقب الأنشطة المحيطية على مستوى القطاعات المختلفة وتديرها، حيث يساعد ذلك على وضع أهداف ومؤشرات ومعايير مشتركة للبيانات، ويسهّل أيضًا عملية التنسيق على مستوى الحكومة.

كانت أولى المهام التي اضطلعت بها لجنة المحيطات هي بناء المعرفة، إذ شكّلنا فريقًا دوليًّا متعدد التخصصات، يضم أكثر من 250 خبيرًا (نصفهم تقريبًا من النساء) يمثلون 48 دولة أو إقليمًا. نُشرت نتائج أبحاث الفريق في دورية Nature (انظر: go.nature.com/3kyd0dx)، وفي تقرير شاملٍ خلُص إلى أن بناء اقتصاد محيطي مستدام هو أمر ضروري وممكن على حدٍّ سواء.

نادرًا ما يحظى البحث العلمي باهتمام القادة السياسيين، ونادرًا ما يتخذونه أساسًا لعملية وضع السياسات، غير أن أعضاء "لجنة المحيطات" يترجمون أدلّة بحثهم العملي الآن على أرض الواقع. وسوف تختلف الحلول المقترحة حسب طبيعة كل دولة. فالنرويج وتشيلي -على سبيل المثال- لديهما صناعات زراعة مائية مزدهرة، وفيجي لديها شواطئ استوائية سياحية، أما البرتغال واليابان، فلديهما ثقافات مزدهرة من الأطعمة البحرية، في حين تمتلك إندونيسيا مصائد الأسماك، ولديها شِعاب مرجانية مناسِبة لممارسة رياضة الغطس. 

إنّ تحقيق تَقدُّم ملموس ومستدام يتطلب تعاونًا دوليًّا، ومن دونه سيكون التخطيط عشوائيًّا بلا أثر، على غرار ما شهدناه في المحميات البحرية التي لا تعدو أن تكون "حبرًا على ورق". فهذه المناطق محمية على الخرائط فحسب، لكنها ليست كذلك على أرض الواقع. أما مناطق "أعالي البحار"، التي تغطي نصف سطح الأرض، فهي غير محميّة من الأساس.

سوف يستغرق الأمر بعض الوقت، قبل أن يظهر مردود تلك الجهود. وعلى سبيل المثال، كنتُ قد شاركتُ في عام 2017 مع بيل جيتس، المعروف بدعمه للمشروعات الخيرية، لإطلاق "التحالف المعنِيّ بابتكارات التأهب للأوبئة"، الذي يهدف إلى تطوير لقاحات للأوبئة. والآن فقط، نشهد المردود الإيجابي لهذا المشروع في تسريع عملية تطوير وتوزيع لقاح "كوفيد-19".

قد يحتجّ المنتقدون بأن أكثر من 14 دولة تستفيد من المحيط، وأنّ دولًا منها تُعتبر من أكبر الدول إسهامًا في المشكلات التي يعاني منها المحيط، ولديها الإمكانات اللازمة لحل هذه المشكلات. ورغم ذلك، علينا أن نبدأ الجهود من نقطة ما، ومن خلال تكاتفنا معًا سوف نحقق الاستدامة لنحو 30 مليون كيلومتر مربع من المحيطات. ونأمل أن يزداد عددنا مع الوقت، لأنّ المنافع المترتبة على تحسين إدارة المحيط أمر لا خلاف عليه. قد يقول المتشككون أيضًا إنّ لجنة المحيطات لا تعدو أن تكون وسيلة تستخدمها الدول الأعضاء لتحسين صورتها. والحقيقة أنه إذا كان الحفاظ على المحيطات يحسّن صورة الدول، فذلك أمرٌ جيدٌ أيضًا.

سوف تنعكس جهودنا بصورة إيجابية على خدمات المحيطات، مثل الصيد، والترفيه، وخفض الانبعاثات، وتوفير فرص عمل لائقة. فحماية المحيطات وتعزيز إنتاجيتها هما وجهان لعملةٍ واحدة. 

إيرنا سولبيرج

رئيسة وزراء النرويج.

الصفحة على "تويتر": @erna_solberg