أنباء وآراء

مظاهرُ البِنْية الهرمية للتنقُّل البشري

تحليلٌ لبياناتٍ عالميةِ النطاق يتوصَّل إلى نتيجةٍ مفادها أنَّ التنقل البشري له بِنْية هَرميَّة. أحد النماذج المطروحة لتفسير مثل هذه البِنَى الهرمية يُعيدُ إنتاج اختلافاتٍ في سلوك التنقُّل المرتبط بالنوع الجنسي ومستويات التحضُّر. 

إلسا آركوت

  • Published online:

نعتقدُ بديهيًّا أنَّ البشر يتنقلون عبر نطاقاتٍ مكانيةٍ مُميَّزةٍ، مثل الأحياء والمُدن والبلدان، غير أن تحليلاتٍ أُجريت على مجموعاتٍ ضخمةٍ من البيانات تشير إلى أنَّ تنقُّل البشر ليس له نطاقات مُتأصِّلة 1-3. وفي بحثٍ نُشر مُؤخرًا في دورية Nature، جمعت الباحثةُ أليساندريتي وزملاؤها4 بين بياناتٍ عالميةِ النطاق، والنمذجة، من أجل التوصُّل إلى حلٍ لهذا اللغز.

تتطوَّر المناطقُ الريفية والمستوطنات والمدن لدعم استدامة حياة سكانها. فعلى سبيل المثال، تتحول ممراتُ المُشاة في بعض الأحيان إلى طرقٍ أو حتى خطوط سكك حديدية، بهدف تسهيل التفاعلات المختلفة بين الأفراد، والمجتمعات، والمجموعات الاجتماعية الأخرى. وعلى مستوى الأفراد، يسافر كلُّ فردٍ كي يتواصل مع الآخرين، ويقِيم صداقاتٍ معهم، ويُؤسِّس تبادلًا معرفيًّا وسلعيًّا بينه وبينهم، كما يسافر من أجل أن يصبح جزءًا من أعراف وتقاليد معينة، وحتى يستفيد بما تُتيحه المناطق الحضرية من خدمات، كالتعليم، والفُرص الاقتصادية، والترفيه.   

كلٌّ منَّا مُتفرِّد بذاته، وربما نكون على اقتناع بأنَّ حياتنا أشدُّ إثارةً من حياة جيراننا، لكنها ربما لا تكون مثيرةً كحياة الموسيقيين، الذين عادةً ما يقضون أوقاتهم في الهواء الطلق يتدرَّبون على العزف، ويُقِيمون حفلاتٍ في أنحاء مختلفةٍ من المدينة، ويتجولون في كلِّ أرجاء بلدهم، وربما العالم، لكنْ ثمة أسئلة تطرحُ نفسها: لو نتجتْ عن تحرُّكاتِنا اليومية آثارٌ، على غرار الآثار الفيرومونية التي يُخلِّفها النمل، فهل ستكون تلك الآثار ذات نمطٍ يمكن إدراكه حسيًّا‎؟ وهل سيظل هذا النمطُ قائمًا لو عِشنا في مدينةٍ مختلفة، أو في بلدٍ آخر؟  

لا يمكن إعطاء إجاباتٍ مناسبة عن هذه الأسئلة، إلا عن طريق تحليل أنماط التنقُّل العالمية. فعن طريق تتبُّع استخدام الهواتف الذكية، وبطاقات الائتمان، وغيرها من الوسائل التكنولوجية على نطاق جغرافي واسع، أمكن لبعض الباحثين الأكاديميين الاستفادة من مجموعات البيانات هذه، والتوصُّل إلى نتيجةٍ مفادها أن التنقُّل البشري لا يمكن توصيفه بالنطاقات المكانية1-3. وقد نُشِرَت هذه النتائج في دوريات علمية رائدة. ومع ذلك، يبدو أنها تتعارض مع حدسنا، بل ومع ما هو مقبول في مجال الجغرافيا، وهو أنَّ تنقُّل الأفراد يعتمد على الظروف المحيطة، وتُقيِّده التكلفة.   

فنحن نُخطِّط لتنقّلاتنا، وندرك الأماكن المرتبطة بها وفق نهجٍ هرمي. ويتجلَّى هذا المنظور في اختيار وسيلة نقلٍ مُعيَّنة، بناءً على الوجهة التي نقصدها. فعلى سبيل المثال، ربما نسأل، مثلًا، أيُّ خطٍّ من خطوط مترو الأنفاق سينقلُنا نحو شمال المدينة، وعمَّا إذا كانت تتوفر قطاراتٌ مباشِرةٌ إلى مدينةٍ مُعيَّنة، أم لا، أو أيّ شركة طيرانٍ ستحملُنا إلى بلدٍ مُعيَّن.

وتقدِّم الدراسة التي أعدَّتها أليساندريتي وزملاؤها حلًّا لأحْجية التنقُّل هذه. فهي تَطرح نموذجًا يتوافق مع تصوُّرنا الهرمي للمكان الذي يفيد بأنَّ الأفراد لديهم نطاقاتِ تنقُّلٍ مختلفة يَحكمُها السياق. فقد أجرى الباحثون القائمون على الدراسة تحليلًا لبيانات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) تَخصُّ مئات الآلاف من الأفراد على مستوى العالم باستبانةٍ زمنية ومكانية عالية، واستدلوا على بِنْية هرمية تُميِّز تنقُّل كل فرد. وقد أكَّدوا أن البِنية المُتصوَّرة ليست من نسج أدمغتنا، ولا تفرضها التقسيماتُ الإدارية، بل تتوافق بالأحرى مع طريقة تنقُّلنا في المكان.

استخدمت أليساندريتي وزملاؤها آثار التنقُّل العالمية هذه لتحديد بعض أنماط النطاقات المكانية التي يُشار إليها بالحاويات في الدراسة (شكل 1-أ). واكتشف الباحثون أن حجم الحاوية له توزيع احتمالي يُعرف باسم توزيع لوغاريتم طبيعي (شكل 1-ب)، ما يدعم صحة النتائج التي استُخلِصَت حديثًا حول أحجام المستوطنات5. وقد وجدوا أنَّ توزيع اللوغاريتم الطبيعي يُعَدّ بديلًا إحصائيًّا أفضل من التوزيع الخالي من المقياس (نوعٌ من التوزيع يتبِع قانون الأُسس)، وهو ما يتعارض مع سلوك التنقُّل الخاضع لقانون الأُسس الذي أشارت إليه أبحاثٌ سابقة1-3. وقد أمكن للباحثين في هذه الدراسة التوفيق بين هذه النتائج، عن طريق الحصول على توزيعٍ يتَّبع قانون الأُسس من تجميع كلِّ الحاويات (الشكل 1-ج).

شكل 1 | نموذج للتنقُّل البشري. تُقدِّم أليساندريتي وزملاؤها4 نموذجًا يعكس خصائص أساسية للتنقُّل البشري. في هذا النموذج، تُمثَّل النطاقاتُ المكانية المرصودة للتنقُّلات البشرية -مثل نطاقات الأحياء، والمدن، والبلدان- بحاويات مختلفة الحجم. ووفقًا لهذا المُخطط، ينتقل شخصٌ بين موقعين معيَّنين في حاوياتٍ صغيرة تقع داخل حاوياتٍ متوسطة الحجم، تقع بدورها داخل حاوياتٍ كبيرة. ب. طَبَّق القائمون على الدراسة نموذجهم على بيانات تنقُّل عالمية. ويُسلِّط هذا التمثيل البياني -فيما يتصلُّ بحاويتين مُفردتين- الضوء على احتمال أن تكون الحاوية ذات حجمٍ مُعين على مقياس لوغاريتمي-لوغاريتمي. وتُعرَف توزيعاتُ الاحتمالات هذه بأنها توزيعاتٌ لوغاريتمية عادية. ج. وعند تجميع كل الحاويات، بدلًا من دراسة كل منها على حدة، يتَّبع حجم الحاوية، عوضًا عن ذلك، توزيعًا يخضع لقانون الأُسس. ويوفِّق إنشاء هذين التوزيعين المختلفين، استنادًا إلى مجموعة واحدة من البيانات، بين وجهتَي نظر مختلفتين عن التنقُّل البشري.

شكل 1 | نموذج للتنقُّل البشري. تُقدِّم أليساندريتي وزملاؤها4 نموذجًا يعكس خصائص أساسية للتنقُّل البشري. في هذا النموذج، تُمثَّل النطاقاتُ المكانية المرصودة للتنقُّلات البشرية -مثل نطاقات الأحياء، والمدن، والبلدان- بحاويات مختلفة الحجم. ووفقًا لهذا المُخطط، ينتقل شخصٌ بين موقعين معيَّنين في حاوياتٍ صغيرة تقع داخل حاوياتٍ متوسطة الحجم، تقع بدورها داخل حاوياتٍ كبيرة. ب. طَبَّق القائمون على الدراسة نموذجهم على بيانات تنقُّل عالمية. ويُسلِّط هذا التمثيل البياني -فيما يتصلُّ بحاويتين مُفردتين- الضوء على احتمال أن تكون الحاوية ذات حجمٍ مُعين على مقياس لوغاريتمي-لوغاريتمي. وتُعرَف توزيعاتُ الاحتمالات هذه بأنها توزيعاتٌ لوغاريتمية عادية. ج. وعند تجميع كل الحاويات، بدلًا من دراسة كل منها على حدة، يتَّبع حجم الحاوية، عوضًا عن ذلك، توزيعًا يخضع لقانون الأُسس. ويوفِّق إنشاء هذين التوزيعين المختلفين، استنادًا إلى مجموعة واحدة من البيانات، بين وجهتَي نظر مختلفتين عن التنقُّل البشري.  

كبر الصورة

أحد الإنجازات الأخرى التي حقَّقتها الدراسة يتعلق باستخدام النموذج في مُحاكاة آثارِ التنقُّل البشري، وكيف تعكس هذه الآثار الاختلافات في سلوك التنقُّل المرتبط بالنوع الجنسي ومستوى التحضُّر. فقد وجدت أليساندريتي وزملاؤها أنَّ تنقُّل النساء أكثر تعقيدًا من تنقُّل الرجال، ومع ذلك، فإنه أصغر على مستوى النطاق المكاني. وفضلًا عن ذلك، أكَّد الباحثون أنَّ سكان المناطق الريفية لديهم حاوياتٌ أكبر بكثير من حاويات سكّان المناطق الحضرية. 

وقد حيَّر أصلُ هذه البِنْية الهرمية المرصودة ألبابَ الأكاديميين على مدار أكثر من قرنٍ. ووُضِع العديد من النظريات والنماذج6-8 في محاولةٍ لفهم الأنماط الناجمة عن التطور المشترك للبِنية المادية9 للمُدن، وما تُتيحه من خدمات. ومع ذلك، واجهت هذه المحاولات تحديات شتى، انبثقت من حقيقةِ أنَّ البِنية التحتية تتغير ببطءٍ، في حين يشهد استغلالُ الأراضي والخصائصُ السكّانيةُ تغيُّرًا متسارعًا.  

لقد تشكَّلت النظُم الحضرية بالتنقُّلِ والحاجةِ إلى تلبية التفاعلات البشرية المختلفة التي تُؤثِّر فيها سرعة النقل والمواصلات10. فعلى مدار قرونٍ، خلَّف الإنسان وراءه آثار التنقُّل عبر شبكات الطرق11، ما أدى إلى تشفير البِنية الهَرَمية للنظُم الحضرية على نطاقاتٍ عدة. وثمةُ عددٌ من الأسئلة التي تبحث عن إجابة، وهي: هل يمكن توسيعُ نطاق دراسةِ أليساندريتي وزملائها، بحيث تُفسِّر أسباب ظهور مثل هذه الأنماط على مستوى العالم، وكذلك أسباب وجود تشكُّلاتٍ وتحوُّلاتٍ خاصة في المُدن؟ وهل يُعزى التنظيمُ المرصود للنطاقات المكانية الحضرية إلى قرونٍ من التنقُّل؟ وهل يمكن أن تساعدنا هذه الدراسةُ على التنبؤ بمستقبَل مُدننا، بعدما صارت بمقدورنا الآن الاستفادةُ من آثار التنقُّلات التي تُشكِّل هذه المدن؟ 

References

  1. Brockmann, D., Hufnagel, L. & Geisel, T. Nature 439, 462–465 (2006). | article
  2. González, M. C., Hidalgo, C. A. & Barabási, A.-L. Nature 453, 779–782 (2008). | article
  3. Song, C., Koren, T., Wang, P. & Barabási, A.-L. Nature Phys. 6, 818–823 (2010). | article
  4. Alessandretti, L., Aslak, U. & Lehmann, S. Nature 587, 402–407 (2020). | article
  5. Corral, Á., Udina, F. & Arcaute, E. Phys. Rev. E 101, 042312 (2020). | article
  6. Christaller, W. Central Places in Southern Germany (Prentice-Hall, 1966). | article
  7. Alonso, W. Location and Land Use: Toward a General Theory of Land Rent (Harvard Univ. Press, 1964).  | article
  8. Wilson, A. G. Entropy in Urban and Regional Modelling (Pion, 1970).  | article
  9. Batty, M. & Longley, P. Fractal Cities: A Geometry of Form and Function (Academic, 1994). | article
  10. Pumain, D. Espace Géogr. 26, 119–134 (1997). | article
  11. Arcaute, E. et al. R. Soc. Open Sci. 3, 150691 (2016). | article

إلسا آركوت

باحثةٌ في مركز التحليل المكاني المتقدِّم بجامعة كوليدج لندن، لندن، المملكة المتحدة.

البريد الإلكتروني: e.arcaute@ucl.ac.uk