افتتاحيات

إعادة الجدار الأخضر العظيم بأفريقيا إلى المسار الصحيح

لا تزال خطة زراعة 7 آلاف كيلومتر من الأراضي الجافة في أفريقيا تواجه صعوبات تَحُول دون تنفيذها. ولذلك، تجدُر بالباحثين المساعدة.

  • Published online:

"الجدار الأخضر العظيم بأفريقيا" هو خطة لاستصلاح 7 آلاف كيلومتر من الأراضي المتدهورة، التي تمتد من السنغال في غرب أفريقيا إلى جيبوتي في شرقها. وهو فكرة جريئة وطموحة تهدف إلى المساعدة على مكافحة الجفاف والتصحّر، اللذين يؤثران حاليًّا على نحو 45% من مساحة الأراضي في أفريقيا. طَرَح هذا المشروع قبل 13 عامًا اثنان من كبار رجال الدولة في قارة أفريقيا، هما: أولوسيجون أوباسانجو، الذي كان يشغل وقتها منصب رئيس دولة نيجيريا، والرئيس السنغالي الأسبق عبد الله واد، لكن المشروع اكتسب أهمية أكبر في الوقت الحالي، نظرًا إلى المخاطر الناجمة عن تغير المناخ، واعتماد سكان القارة على الزراعة كوسيلة لكسب عيشهم.

واجه المشروع صعوبات في تحقيق أهدافه الرئيسة حتى الآن. فقد اقتصر استصلاح أو إعادة تأهيل الأراضي على أقل من خُمْس المساحة المحددة للمشروع. وإضافة إلى ذلك، لا ينظر كبار صانعي القرار في الاتحاد الأفريقي إلى مشروع الجدار الأخضر باعتباره أولويةً، ويبدو أن المانحين الدوليين عازفون عن الالتزام بتقديم المزيد من التمويل. ولذلك، ينبغي على الباحثين والحكومات والوكالات الدولية أن تتعاون بصورة أفضل لإصلاح هذا المخطط بالغ الأهمية.

اتّسع نطاق تركيز المشروع عن رؤية مؤسّسيه، بسبب ظهور طرق لاستصلاحٍ الأراضي المتدهورة، بخلاف عملية إعادة التشجير، مثل إنشاء الحدائق المجتمعية، والمحميات الطبيعية، لكنّ إضافة هذه الوسائل وغيرها قد زاد من تعقيد مبادرة الجدار الأخضر. تَطَلّب الأمر تعاون وزارات مختلفة في كلّ من البلدان المشتركة في هذا المشروع، وهو أمر صعبٌ بطبيعة الحال، إلا أنه يزداد صعوبة مع إضافة عاملين آخرين إلى المعادلة: الاتحاد الأفريقي، ومجتمع المانحين الدوليين. وقد تأكدت هذه الملاحظات وغيرها في تقييم مستقل للمشروع، أُجري بتكليفٍ من الشركاء المسؤولين عنه، ونُشر ضمن اجتماع "اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحّر" UNCCD في شهر سبتمبر.

يحاول هذا التقرير التقييمي أن ينظر إلى الجانب المضيء، إذ يشير إلى أن 11 دولة على طول الجدار الأخضر قد أعادت تأهيل ما يقرب من 4 ملايين هكتار من الأراضي، ووفّرت 350 ألف فرصة عمل خلال هذه العملية. يؤكد التقرير أيضًا أن مجموعة أكبر من الدول الأفريقية، يبلغ عددها 21 دولة، قد تعهّدت باستصلاح وإعادة تأهيل 100 مليون هكتار من الأراضي بحلول عام 2030، بما يوفر 10 ملايين فرصة عمل صديقة للبيئة. وفي الوقت نفسه، لا يحاول التقرير تجميل حقيقة أن الحكومات والجهات المانحة ستحتاج إلى تأمين مبلغ يتراوح بين 3.6، و4.3 مليار دولار أمريكي سنويًّا على مدار العقد المقبل، لكي يتسنّى تحقيق هدف استصلاح وإعادة تأهيل 100 مليون هكتار. وستكون هذه مهمة بالغة الصعوبة (وصفها التقرير بأنها "قفزة نوعية")،  إذا ما وضعنا في الاعتبار أن المشروع قد جمع نحو مليارَي دولار في عقده الأول، لكنها ليست بالأمر المستحيل، وهناك عدة طرق أساسية يمكن للباحثين أن يُسهموا من خلالها في تحقيق أهداف المشروع.

يقدّم التقرير الصادر عن "اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحّر" معلوماتٍ أساسيةً عن التقدُّم المُحرَز في كل بلد، مثل عدد النباتات والشتلات المنتَجة، ومساحة الأرض المُعاد تشجيرها، وعدد الأشخاص الذين تلقّوا تدريبًا، وعدد فرص العمل التي وفّرها المشروع. وقد قُدِّم معظم هذه البيانات من كلّ دولة من الدول المشاركة. وينبغي أن تُترك الخطوة التالية للباحثين المستقلّين –مثل أعضاء "المنبر الحكومي الدولي للعلوم والسياسات في مجال التنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية" IPBES– لتقييم هذه البيانات ونشر مراجعاتهم، بهدف مساعدة جميع الأطراف على اكتساب مزيد من الثقة في البيانات وفي عملية المراقبة.

دائمًا ما يشكّل التمويل تحديًا في مثل هذه المشروعات. وبالرغم من أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي، البالغ عددها 55 دولة -بالتعاون مع شركائها الدوليين– تبدو قادرةً على جمع المبالغ المطلوبة، فإن هذه الدول قد سبق أنْ التزمت بتمويل مبادراتٍ دولية ذات أهداف مماثلة لمشروع الجدار الأخضر. فالبلدان الأفريقية، على سبيل المثال، قد وقّعت على أهداف "أيشي للحفاظ على التنوع البيولوجي"، التي من بينها: الحدّ من فقدان الموائل وتدهورها، ووقّعت أيضًا على أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، التي من بينها مكافحة التصحّر، واستصلاح الأراضي والتربة المتدهورة، وهي من الدول الأعضاء كذلك في "اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحّر"، التي تعهّدت بالوصول إلى ما تُطلق عليه "تحييد أثر تدهور الأراضي" بحلول عام 2030.

يشير تقرير "اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحّر" إلى أن الحلّ قد يكمن في إنشاء صندوق ائتماني موحّد. ويمكن أن يُجدِي هذا المقترح نفعًا، إذا وافقت البلدان والوكالات الدولية على حشد مواردها وتحديد متطلبات موحّدة فيما يخص عملية رفع التقارير. ويمكن للباحثين المساعدة في هذا الصدد من خلال تطوير آلية لقياس مدى نجاح الدول في تحقيق أهدافها المرتبطة بالجدار الأخضر، ووضع إطار مشترك للمساءلة.

ما أحوجنا إلى استصلاح الأراضي وإعادة تأهيلها، فشعوب البلدان المتضررة هي من بين الشعوب الأكثر فقرًا في العالم، والغالبية العظمى منها تعتمد على الزراعة أو الإنتاج الحيواني في كسب قوت يومهم. ومن المتوقع أن يتسبب تغير المناخ في رفع متوسط ​​درجات الحرارة بمقدار يتراوح بين 3 و6 درجات مئوية بحلول نهاية القرن الحالي، مقارنةً بخط أساس درجات الحرارة في أواخر القرن العشرين. ومن المتوقع أيضًا أن نشهد المزيد من حالات الطقس المتطرفة التي ستقلّل بدورها من إنتاجية المحاصيل.

يحتاج مشروع الجدار الأخضر إلى مستوى أفضل من التعاون بين الوكالات الدولية، ويحتاج إلى مساعدة الباحثين، كما يتطلّب من الجيل الحالي من قادة القارة الأفريقية أن يكثفوا جهودهم، وأن يضطلعوا بدور أكثر وضوحًا في دعم المشروع، مثلما فعل رئيساه المؤسِّسان.