أنباء وآراء

المراحل الأولى من نشأة الكواكب

رصد العلماءُ حلقاتٍ ضيقةٍ وفجواتٍ حول نجمٍ وليدٍ، باستخدام أقوى التلسكوبات الراديوية في العالم. ويقدِّم هذا الاكتشاف لمحةً عمَّا يُمكن أن تكون عليه المراحل الأولى من نشأة الكواكب.

باتريك شيهان
  • Published online:

تُحاط النجوم الوليدة في العادة بأقراصٍ دوَّارة من الغاز والغُبار، تعرف بالأقراص الكوكبية الأوَّلية، أو الأقراص النجمية الأوَّلية. تُمثِّل هذه البِنى في الأساس مُستودعات المادة التي تمضي قُدمًا في تكوين الكواكب، غير أن التوقيت الذي تبدأ فيه عملية تكوُّن الكواكب، مثار تساؤلٍ كبيرٍ لا يزال في حاجةٍ إلى إجابة. في بحثٍ نُشر في دورية Nature، تُسلِّط سيجورا-كوكس وزملاؤها1 الضوء على هذا اللغز، بالإشارة إلى سلسلةٍ من الحلقات والفجوات في قرصٍ نجميٍ أوَّليٍ حديث النشأة للغاية، حتى إنَّ السحابة التي صاحبت مولده لا تزال في مرحلة الانهيار لتكوين النجم والقرص. كثيرًا ما تُعزى خصائصٌ كهذه إلى الدروب التي تحفُرها الكواكبُ عبر القرص. ونظرًا إلى أنَّ هذا القرص ربما يكون الأحدثَ نشأةً بين الأقراص التي رُصدت فيها تلك الخصائص، فإن الاكتشافات التي توصَّل إليها الباحثون تساعد على تحديد المقياس الزمني لنشوء الكواكب ووضع القواعد الأساسية التي تحكم النظريات التي تتناول كيفية تكوُّن الكواكب.

إن تكوُّن الكواكب عملية مُعقَّدة، تتضمن تراكُم جسيمات الغبار الدقيقة (التي يقل حجمها عن ميكرومتر واحد)، حتى تصير أجسامًا في حجم الأرض، أو حتى أكبر منها. طُرحت أكثر النظريات رواجًا لتُقدِّم تفسيرًا لهذه العملية، وتُعرف باسم نظرية تراكُم اللُّب2، ويذهب أصحاب هذه النظرية إلى أن التجمُّع المُتواصل للجُسيمات الصغيرة يُؤدي إلى تكوُّن الحصى والصخور والجلاميد، ثم الكواكب في نهاية الأمر. من المشكلات التي قد تعترض هذا السيناريو مسألةُ أن تكوُّن الكوكب يُمكن أن يكون بطيئًا، وهو ما يتعارض في ما يبدو مع المُلاحظات التي تُفيد بأنَّ الأقراص النجمية الأوَّلية التي يتجاوز عمرها نحو مليون سنة لا تملك من المادة ما يكفي لتكوين كواكب في ما يبدو3. وقد طُرحت تحديثات لهذه النظرية بهدف معالجة هذا القصور4،5، غير أن السبيل الوحيد لتحسين نماذج تراكُم اللب يتمثَّل في تحديد الزمن الذي تستغرقه عملية التكوين الفعلي للكواكب. وبطبيعة الحال، أفضل طريقة للتوصل إلى ذلك، العثور على كواكبَ وليدةٍ في أقراصٍ حديثة النشأة.

من بين الطرق التي تُنتهَج في تحديد الكواكب الوليدة، البحث عن أدلةٍ تُثبِّت تأثيرَها في بِنية القرص الذي يحتويها. في السنوات الخمس الماضية، أتاح التلسكوب الراديوي بمصفوفة مرصد أتاكاما الكبيرة الملِّيمترية ودون الملِّيمترية  (ALMA) في تشيلي، عددًا كبيرًا من الصور عالية الوضوح للأقراص النجمية الأوَّلية التي يتجاوز عمرها مليون سنةٍ. وأشارت الصور إلى وجود عددٍ كبير من البالبِنىُنَى التحتية المُثيرة6.

والحلقاتُ الضيقةُ المُضيئة والمُعتمة هي البِنى التحتية الأكثر شيوعًا، وربما تُشكِّل دلائلَ على وجود كوكب يحفر فجواتٍ في القرص خلال دورانه حول النجم. وقد رُصدت كذلك خصائص أُخرى، على هيئة بِنى حلزونية الشكل أو بِنى ضخمة غير مُتناسقة، في توزيع المادة في القرص. ومن بين النتائج اللافتة التي توصَّلت إليها الدراسة أن هذه البِنى التحتية التي قد تربطها صلةٌ بتكوُّن الكوكب، ربما توجد تقريبًا في كل قرصٍ نجمي أوَّلي صُوِّر بدرجةٍ عاليةٍ من الوضوح تكفي لرصده7. وربما يُشير سيناريو "حفر الكواكب للفجوات" ضمنًا إلى أن الكواكب يُمكن أن تتكوَّن في غضون نحو مليون سنةٍ.

ويطرح معدل العثور على كواكبَ في أقراصٍ يتجاوز عمرُها المليون سنةٍ، أسئلةً بخصوص أقدم زمن أمكن فيه للكواكب، أو على الأقل للبِنى التحتية، أن تتكوَّن. فقد عُثر على بضعة أمثلة من أقراصٍ أحدث نشأة (يتراوح عُمرها بين 500 ألف سنة إلى مليون سنة) وبها بِنى تحتية8، لكن هذه البِنى لم تكن أحدث نشأة بكثير مقارنةً بأنظمة البِنى التحتية التي رُصدت قبلها.

تدفع دراسة سيجورا-كوكس وزملائها هذه الحدود الزمنية إلى الوراء، بعثورها على الأدلة الأولى الواضحة على وجود بِنى تحتية ضيقة، مُعتمة ومُضيئة، أشبه بالحلقات، في قرصٍ لم يبلُغ عمره نصف مليون سنةٍ. وهذا من شأنه أن يضع قيودًا جديدة بشأن التوقيت الذي يمكن أن تتشكَّل فيه مثل هذه الخصائص، ومتى يمكن للكواكب أن تتكوَّن (إذا كانت الكواكب تُفسِّر وجود هذه الخصائص فعلًا). وجد الباحثون في الصورة التي التقطها مصفوفة مرصد أتاكاما الكبيرة الملِّيمترية ودون الملِّيمتريةلهذا القرص حديث النشأة، حلقتين مُعتمتين مصحوبتين بحلقتين مناظرتين مضيئتين (انظر شكل 1 في دراسة سيجورا-كوكس وزملائها1)، وهو ما يُشبه ما جرى رصده في الأقراص الأقدم عمرًا. ويمكن تمييز هذه الخصائص الطفيفة في الصورة عند النظر إليها بعين مُتفحِّصة، إلا أن الباحثين حسَّنوا تلك الخصائص بحذف نموذج لقرص أملس من الصورة، مما مكَّنهم من إظهار الخصائص غير الملساء على نحوٍ أوضح. وبهذه الطريقة، استطاعوا العثور كذلك على أدلة تُبرهن على أن القرص ربما يفتقر إلى التناسق على نحوٍ غير ظاهر.

شكل 1| حلقاتٌ في قرصٍ نجمي أوَّلي‎ حديث النشأة. تتكون النجوم عندما تنهار سحابةٌ من الغبار والغاز مكوِّنة قرصًا من مادةٍ أكثر كثافة، يُطلَق عليه القرص النجمي الأوَّلي. ويتكوَّن النجمُ عند مركز القرص، بينما يُمكن أن تتكون الكواكب من مادة القرص. تُسلِّط سيجورا-كوكس وزملاؤها1 الضوءَ على عمليات الرصد التي أجروها على قرصٍ نجمي أوَّلي حديث النشأة للغاية (عمره أقل من 500 ألف سنة) حتى إنه لا يزال مُحاطًا بغلافٍ من مادة السحابة الأصلية. قد تُشكِّل الحلقاتُ المرئيةُ من القرص علاماتٍ على تشكُّل الكواكب. الحلقات في الصورة الأصلية باهتة جدًا (انظر شكل 1 في دراسة سيجورا-كوكس وزملائها1) لكنها معروضة هنا بتحديدٍ أكثر، بقصد الإيضاح. تُلقي نتائج هذه الدراسة، الضوء على أبكر توقيتٍ يمكن أن تتشكَّل فيه الكواكب من الأقراص النجمية الأوَّلية.

شكل 1| حلقاتٌ في قرصٍ نجمي أوَّلي‎ حديث النشأة. تتكون النجوم عندما تنهار سحابةٌ من الغبار والغاز مكوِّنة قرصًا من مادةٍ أكثر كثافة، يُطلَق عليه القرص النجمي الأوَّلي. ويتكوَّن النجمُ عند مركز القرص، بينما يُمكن أن تتكون الكواكب من مادة القرص. تُسلِّط سيجورا-كوكس وزملاؤها1 الضوءَ على عمليات الرصد التي أجروها على قرصٍ نجمي أوَّلي حديث النشأة للغاية (عمره أقل من 500 ألف سنة) حتى إنه لا يزال مُحاطًا بغلافٍ من مادة السحابة الأصلية. قد تُشكِّل الحلقاتُ المرئيةُ من القرص علاماتٍ على تشكُّل الكواكب. الحلقات في الصورة الأصلية باهتة جدًا (انظر شكل 1 في دراسة سيجورا-كوكس وزملائها1) لكنها معروضة هنا بتحديدٍ أكثر، بقصد الإيضاح. تُلقي نتائج هذه الدراسة، الضوء على أبكر توقيتٍ يمكن أن تتشكَّل فيه الكواكب من الأقراص النجمية الأوَّلية.

كبر الصورة

الشيء الذي يُثير الاهتمام هو مدى الاختلاف بين ما تبدو عليه هذه الخصائص وتلك التي رُصدت في الأقراص الأقدم، فلقد كانت الحلقات ضحلةً نوعًا ما، ويصعُب جدًا تبيُّنها، على العكس من الخصائص الواضحة التي تمتاز بها الأقراص الأقدم. يتطلَّب الأمر الحصول على مجموعة أكبر من عمليات الرصد المتعلقة بالأقراص الأحدث نشأةً، كي يتسنَّى لنا معرفة ما إذا كان ذلك الفرق مألوفًا، فإذا تبيَّن ذلك بالفعل، فإن هذا قد يُوفِّر أدلةً مُهمةً بخصوص نشأة الكواكب، وعن توقيت بداية تلك النشأة. وقد يُتوقَّع أن تحفر الكواكب الأحدث نشأة فجواتٍ ضخمة، ومن ثمَّ ربما يكون ما رصدته سيجورا-كوكس وزملاؤها هو تراكمٌ لمادة غبارية، بحيث تصير على هيئة مناطق عالية الكثافة يُمكن أن تتشكَّل الكواكب من خلالها.

"الشيءُ الذي يُثير الاهتمام هو مدى الاختلاف بين ما تبدو عليه هذه الخصائص وتلك التي رُصدت في الأقراص الأقدم".

يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار عدد من أوجه القصور في الدراسة الجديدة. فمن المعلوم أن أعمار النجوم حديثة النشأة يصعب قياسها، وأنه بالنسبة إلى أنظمةٍ على هذا القدر من حداثة النشأة، ليس أمامنا سوى استخدام الطرق غير المباشرة. فالنجوم التي لم تبلغ أعمارها نحو مليون سنةٍ ما زالت مطمورة في سحابة من المادة التي في طور الانهيار لتكوين القرص والنجم (شكل 1). ونظرًا إلى أن ذلك الغلاف سوف يضمحل بمرور الزمن حسبما هو مُتوقَّع، فإن النسبة بين كمية المادة في الغلاف وكميتها في القرص، يمكن أن تُتَّخذ مقياسًا لعمر النظام. غير أن عمليات قياس هذه الكميات يصعب إجراؤها، وتُعطي بالضرورة تقديراتٍ للعمر تفتقر إلى الدقة. ولذا فإنه من غير الواضح بالضبط إلى أي مدى تُعدُّ هذه الخصائص أحدث نشأة، بالمقارنة مع خصائص الأقراص التي رُصدت في السابق، ومن ثمّ فليس معلومًا على وجه الدقة توقيت أول ظهور في حياة القرص لهذه الأدلة على نشأة الكواكب، مقارنةً بالأنظمة المرصودة الأخرى.

علاوةً على ذلك، فإن حفر الكواكب للفجوات هو التفسير الأكثر قبولًا لخصائص الأقراص، على غرار تلك التي سجَّلتها الدراسةُ الحالية، غير أن هناك تفسيراتٍ أخرى مُقترحة، من بينها، على سبيل المثال، تسامي الغازات من حبيبات الغبار في أثناء تحرُّك المادة نحو الداخل، تجاه المنطقة الأكثر سُخونة في القرص9. هذا التفسير يجعل من الصعوبة بمكانٍ عزوَ هذه الخصائص إلى الكواكب الموجودة في الأقراص حديثة النشأة وحدها. ومع ذلك، فإن أغلب الأسباب المُحتملة لمثل هذه الخصائص قد تلعب دورًا في عملية تكوُّن الكواكب، ولذا من المحتمل بطريقة أو بأخرى أن يكون ما رصدته سيجورا-كوكس وزملاؤها بداياتٍ فعلية لتكوُّن أحد الكواكب في واحدٍ من أحدث الأقراص المرصودة نشأةً.

  

References

  1. Segura-Cox, D. M. et al. Nature 586, 228–231 (2020). | article
  2. Pollack, J. B. et al. Icarus 124, 62–85 (1996). | article
  3. Manara, C. F., Morbidelli, A., & Guillot, T. Astron. Astrophys. 618, L3 (2018). | article
  4. Youdin, A. N. & Goodman, J. Astrophys. J. 620, 459–469 (2005). | article
  5. Ormel, C. W. & Klahr, H. H. Astron. Astrophys. 520, 43 (2010). | article
  6. Huang, J. et al. Astrophys. J. 869, L42 (2018). | article
  7. Andrews, S. M. Annu. Rev. Astron. Astrophys. https://doi.org/10.1146/annurev-astro-031220-010302 (2020). | article
  8. Sheehan, P. D. & Eisner, J. A. Astrophys. J. 857, 18 (2018). | article
  9. Zhang, K., Blake, G. A. & Bergin, E. A. Astrophys. J. 806, L7 (2015). | article

باتريك شيهان، يعمل في مركز البحوث والاستكشافات مُتعددة التخصصات في علم الفلك بجامعة نورثويسترن، إيفانستون، إلينوي 60201، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني

psheehan@northwestern.edu