أنباء وآراء

دورُ الكيراتين كوسيلةٍ مُعِينةٍ للذاكرة

خيوطُ الكيراتين، وهي بوليمراتٌ بروتينيةٌ ثابتةٌ أشهرُ ما يُميِّزها الوظيفةُ التي تؤديها في الشعر والأظافر، وقد تبيَّن دورُها في توفير ذاكرةٍ عن حالة الخلية من ناحية القُطبية، في مرحلةٍ حاسمةٍ من النمو المُبكِّر لجنين الفأر. 

ماتاوش تريلينسكي، باز باوم
  • Published online:

لا تزالُ العمليات التي تَنشأُ بواسطتها جميعُ أنواع الخلايا على اختلافها من خليةٍ مُفردةٍ -وهي البُويضة المُخصَّبة- فيتشكَّل في النهاية كائنٌ حيٌ مُكتمَلُ النمو، من أكبر ألغاز الحياة. فمن المعلوم أن خلايا الجنين تستغرقُ بعض الوقت حتى تستقر على مصيرٍ مُحدَّدٍ، لأنَّ انقسام الجنين المُفرَد في أثناء المراحل المُبكِّرة من النمو، يُمكن أن يَنتج عنه توأمان، أو ثلاثة توائم، أو أكثر. ولكن كيف تتقرَّر مصائرُ الخلايا؟ وكيف تُنسِّق الخلايا خياراتِها مع قريناتها؟ اقترح الباحثون عدةَ آلياتٍ تُؤثِّر في المسارات التي تتَّخذُها الخلايا في المراحل المُبكِّرة من نمو أجنة الثدييات. وتسلِّط ليم وزملاؤها1 الضوء على دورٍ مُدهشٍ يلعبه الكيراتين -أحدُ البوليمرات البروتينية- في أُولى عمليات اتخاذ القرار هذه.

ثمة اثنان من أهم تحديات النمو المُبكِّر، أولهما زيادةُ عدد الخلايا من خلال دوراتٍ مُتكرِّرة لانقسام الخلايا، وثانيهما ضمانُ اتخاذ هذه الخلايا أشكالًا ووظائف مُتمايزة في الوقت والمكان المُناسبين لتكوين أنسجةٍ وأعضاء قادرةٍ على أداء وظائفها. ويُمكن أن تَقترنَ إحدى هاتين العمليتين بالأخرى من خلال ما يُسمَّى الانقسامات "غير المتماثلة" للخلايا، وهي انقساماتٌ تُنتج خليتين شقيقتين تملك كلُّ واحدةٍ منهما هويةً مُختلفةً عن الأخرى، سواءٌ حدث ذلك نتيجة التوزيع غير المُتماثل لمادة الخلية الأم، أو استجابةً للاختلافات الموضعية في الوسط الخارج خلوي، الذي تلقاه الخلايا بعد الانقسام.

وفي مرحلةٍ مُبكِّرةٍ من النمو، تترتَّب خلايا أجنة الثدييات على نحوٍ غير متماثلٍ للمرةِ الأولى في أثناء انتقال الجنين من طور الخلايا الثماني إلى طور الخلايا الست عشرة، فتتركَّز مجموعاتٌ فرعيةٌ من البروتينات عند الأقطاب المُتقابلة للخلايا، وهي خاصيةٌ تسمى القُطبية القِمِّية-القاعدية. وتظلُّ هويةُ الخلية قابلة للتعديل في هذه المرحلة، لكن الخلايا الوليدة (الناتجة عن الانقسام) التي ينتهي بها المطاف عند الحواف (والتي تُعرَف اصطلاحًا باسم الأديم الظاهري المُغذِّي) في جنين الخلايا الست عشرة، هي الخلايا التي تُكوِّن المشيمة، بينما تُشارك الخلايا الوليدة التي ينتهي بها المطاف داخل الجنين في تكوين جسم الجنين نفسه.

واستنادًا إلى القُطبية القِمِّية-القاعدية، التي رصدها العلماء، في أثناء انتقال الجنين من طور الخلايا الثماني إلى طور الخلايا الست عشرة، طُرِح تصوُّرٌ يُفيد بأن الهوية المستقبلية لهذه الخلايا تتحدَّدُ من خلال وراثة غير مُتماثلة للنطاق القِمِّي المُواجه للخارج2، وهو نطاقٌ غَنيٌ بالأكتين (أحد مُكوِّنات "هيكل" الخلية) وبروتينات القُطبية3. لكنَّ فريق الباحثين الذي أجرى الدراسة الحالية كان قد أوضح في السابق3، باستخدام التصوير الحي السريع، أن النطاق القِمِّي يختفي مرحليًا في أثناء الانقسام الميتوزي للخلية، قبل أن يتشكَّل من جديد في الخلايا الوليدة على حواف الجنين. وهذه الملاحظة المُحيِّرة رجَّحت وجود عوامل أخرى تعمل كذاكرةٍ يمكنها استدعاء القُطبية خلال الانقسامات. ومن خلال تتبُّع تلميحات وردت في أبحاثٍ سابقة تتعلقُ بأجنة الفئران4، أصبح الكيراتين محور تركيز ليم وزملائها، وهو نوعٌ من البروتينات الخيطية الوسيطة.

وقد رصد فريق الباحثين، من خلال تصوير الكيراتين، بضعة بوليمرات قصيرة من خيوط الكيراتين في مجموعة فرعية من الخلايا الموجودة في جنين الخلايا الثماني. ومع نمو هذه الخيوط خلال المرحلة الواقعة بين الانقسامات في دورة الخلية، والمُسمَّاة بالطور البيني، تصبحُ أكثر ميلًا للارتباط بالقشرة القِمِّية الغنية بالبروتين، وهي طبقة من البروتينات تقع داخل غشاء الخلية مباشرة. وعندما تفكَّك النطاقُ القِمِّي في أثناء الانقسام الميتوزي، ظلت خيوط الكيراتين ثابتةً في مكانها (شكل 1-أ).

شكل 1 الكيراتين في المراحل المُبكِّرة من نمو الأجنة. أ. عندما يكون جنينُ الفأر في مرحلة الخلايا الثماني (لا يظهر جميع الخلايا بالشكل)، يجري التعبير عن خيوط الكيراتين عشوائيًا في مجموعةٍ فرعيةٍ من الخلايا، قبل الارتباط مع "قشرة" على أحد جوانب الخلية (يُسمَّى الجانب القمي). وتتسمُّ القشرةُ بأنها غنيةٌ ببروتين الأكتين. تُبيِّن ليم وزملاؤها1 أنَّه عند انقسام هذه الخلايا تتفكَّك القشرة، لكن خيوط الكيراتين تظل مُتَّخِذةً موضعها القِمِّي. وتتحدُّد هوية الخلايا الوليدة بموقع الكيراتين بالنسبة إلى المحور الذي يجري الانقسام على أساسه. وينتهي المطاف بالخلايا الوليدة التي ينقُصُها الكيراتين إلى داخل الجنين، فتمضي قُدمًا في تكوين كُتلة الخلايا الداخلية. أما الخلايا الوليدة التي تَرِث المنطقة القَمِّية عن الأم، فتَرِث الكيراتين أيضًا، وهو يُساعد على إعادة تثبيت القشرة عند القُطب القِمَّي. وتُسهم هذه الخلايا في تكوين الأديم الظاهري المُغذِّي الذي تنشأُ منه المشيمة. ب. في أغلب الظروف الأخرى التي خضعت للدراسة، يتضمَّنُ الانقسامُ غير المتماثل التنسيق بين أدلةٍ مستقطَبة مُتعدِّدة (على غرار البروتينات المُستقطَبة) ومحورِ انقسامٍ خاصٍ ومُحدَّدٍ. ج. في الأنواع الأخرى، مثل الذُباب، تُوفِّر الوراثةُ غير المُتماثلة لتجمعات البروتين ذاكرةً عن حالة الخلية الأم.

شكل 1 الكيراتين في المراحل المُبكِّرة من نمو الأجنة. أ. عندما يكون جنينُ الفأر في مرحلة الخلايا الثماني (لا يظهر جميع الخلايا بالشكل)، يجري التعبير عن خيوط الكيراتين عشوائيًا في مجموعةٍ فرعيةٍ من الخلايا، قبل الارتباط مع "قشرة" على أحد جوانب الخلية (يُسمَّى الجانب القمي). وتتسمُّ القشرةُ بأنها غنيةٌ ببروتين الأكتين. تُبيِّن ليم وزملاؤها1 أنَّه عند انقسام هذه الخلايا تتفكَّك القشرة، لكن خيوط الكيراتين تظل مُتَّخِذةً موضعها القِمِّي. وتتحدُّد هوية الخلايا الوليدة بموقع الكيراتين بالنسبة إلى المحور الذي يجري الانقسام على أساسه. وينتهي المطاف بالخلايا الوليدة التي ينقُصُها الكيراتين إلى داخل الجنين، فتمضي قُدمًا في تكوين كُتلة الخلايا الداخلية. أما الخلايا الوليدة التي تَرِث المنطقة القَمِّية عن الأم، فتَرِث الكيراتين أيضًا، وهو يُساعد على إعادة تثبيت القشرة عند القُطب القِمَّي. وتُسهم هذه الخلايا في تكوين الأديم الظاهري المُغذِّي الذي تنشأُ منه المشيمة. ب. في أغلب الظروف الأخرى التي خضعت للدراسة، يتضمَّنُ الانقسامُ غير المتماثل التنسيق بين أدلةٍ مستقطَبة مُتعدِّدة (على غرار البروتينات المُستقطَبة) ومحورِ انقسامٍ خاصٍ ومُحدَّدٍ. ج. في الأنواع الأخرى، مثل الذُباب، تُوفِّر الوراثةُ غير المُتماثلة لتجمعات البروتين ذاكرةً عن حالة الخلية الأم.

كبر الصورة

كذلك فقد تبيَّن للباحثين أن الخيوط الوسيطة الأخرى تظل مرتبطةً بالقشرة في أثناء الانقسام الميتوزي، مع أن ذلك قد يبدو أمرًا غير متوقع6،5. وقد وجدت ليم وزملاؤها أن الاحتفاظ القِمِّي بهذه البوليمرات يعتمد على انتشارها البطيء الذي تَحدُّ منه ضخامةُ وزنها الجزيئي، وشبكة الأكتين السيتوبلازمي التي تُطمَر فيها تلك البوليمرات. ونتيجة لذلك، تَرِث الخلايا الوليدة التي تحتفظ بسطحٍ مواجه للخارج خيوطَ الكيراتين. ومن ثمّ فإن هذه البوليمرات الثابتة والخاملة نسبيًا، تعمل كذاكرةٍ مادية للحالة القُطبية، بمجرد أن تستقر في موضعها عند أحد طرفي الخلية.

وعلاوةً على ذلك، أوضح الباحثون أنه بمجرد خروج خلايا الجنين الجديد ذي الخلايا الست عشرة من الانقسام الميتوزي، تعمل خيوطُ الكيراتين الموروثة على تسريع وتيرة إعادة الاستقطاب في قشرة الخلايا القِمِّية، وهو ما يُؤثِّر في الخلية فتصير إحدى خلايا الأديم الظاهري المُغذِّي (عبر مسارات تأشير تشمل بروتينيYap وHippo7). ويقترن هذا التأثير بدوره بارتفاع في مستويات التعبير عن الكيراتين. ولذلك في غضون ساعات، تعمل التغذيةُ الراجعةُ الإيجابيةُ في هذا النظام على تقويةِ تراكُم الكيراتين في الخلايا المحيطية، كما تعمل على تثبيط التعبير عنه في الخلايا الموجودة في مركز الجنين. وبحلول مرحلة الخلايا الاثنتين والثلاثين، عندما تكون مصائر الخلايا قد تقرَّرت على نحو أكثر استقرارًا، يُصبح الجنينُ نفسه في حالة استقطاب واضحة، فتَكون هناك طبقةٌ خارجيةٌ من الخلايا الداعمة الغنية بالكيراتين، وخلايا داخليةٌ خاليةٌ من الكيراتين.

واستنادًا إلى دورها الأكيد في تقوية الخلايا الظهارية8، قد يعمل الكيراتين، في السياق الجنيني، على منع الخلايا الخارجية من أن تُستدخَل عبر الانقباض القِمِّي، كما يُساعد في إعطاء الأديم الظاهري المُغذِّي شكله الكروي شبه التام. وعلى النقيض من ذلك، فإنَّ الحفاظ على مستوياتٍ مُنخفضةٍ من الكيراتين في الخلايا الموجودة في المركز، قد يساعد هذه الخلايا على الاحتفاظ بسمةِ الشكل المرن التي تحتاج إليها من أجل تخليق جنين مُتعدِّد الطبقات.

وباستخدامها خيوط الكيراتين لوسم القشرة المحيطية بثباتٍ، تستطيع أجنّةُ الثدييات (التي تتباين فيها أنماطُ انقسام الخلية تباينًا واسعًا بين أفرادها) أن تضمن تَكوُّن الخلايا -المُقدَّر لها أن تصير جزءًا من خلايا الأديم الظاهري المُغذِّي- في الطبقة الخارجية لعنقود الخلايا على نحوٍ دائمٍ، بصرف النظر عن اتجاه الانقسامات. ولا تلعب خيوط الكيراتين دور المُحدِّدات المُتوارَثة على نحوٍ غير متماثل سوى في هذه الانقسامات النادرة نسبيًا التي تحدث "من الداخل إلى الخارج". ولهذا السبب، يختلف الجنين الثديي المُبكِّر عن أغلب النُظُم الحيوية الأخرى التي خضع فيها الانقسامُ غير المتماثل للدراسة (شكل 1- ب). ففي تلك الحالات، يتطلب الأمر إحداث انقسام غير متماثلٍ وقابلٍ للتكرار، ومن ثمّ يُوجَّه جهاز الانقسام الميتوزي نفسه، على نحوٍ يجعل الخلايا الوليدة تَرِثُ نسبًا مختلفةً من محدِّدات مصير الخلايا المُتموضعة في القشرة9.

في السنوات المُقبلة، سيكون من الضروري التوفيقُ بين البيانات التي حصلت عليها ليم وزملاؤها، والأدوارِ المُقترَحة للتوزيع غير المُتكافئ للحمض النووي الريبي المرسال الذي يُشفِّر بروتين Cdx210 (والذي من بين وظائفه تكوينُ الأديم الظاهري المُغذّي)، أو الأدوار المُقترحة للانقباضية التفاضلية لمُركَّب بروتين الأكتوميوسين11، في الأحداث التي يتداعى فيها التماثل، والتي تقع في هذه المرحلة في أجنة الفئران. كما أن مصيرَ الخلايا المُنقسِمة التي لا تُعبِّر عن الكيراتين في مرحلة الخلايا الثماني لا يزال بحاجة إلى الدراسة.

"يُوفِّر الكيراتين ذاكرةً ماديةً للقُطبية، وهي ذاكرةٌ مستقلةٌ نسبيًا عن أحداث انقسام الخلية". 

ومن منظورٍ أوسع، تُبيِّن هذه الدراسة كيف أن الوظيفة الخلوية لبروتينٍ مثل الكيراتين يُمكن أن تنشأ من خصائصه المادية. ففي المراحل المُبكِّرة من أجنة الفئران، يُوفِّر الكيراتين ذاكرةً ماديةً للقُطبية، وهي ذاكرةٌ مستقلةٌ نسبيًا عن أحداث انقسام الخلية. وفي الكائنات الحية الأخرى، بدءًا من البكتيريا ووصولًا إلى الحيوانات عديدة الخلايا، تبيَّن أيضًا أن هناك البروتينات الأخرى التي تُكوِّن بوليمرات أو تجمُّعات، تُوفِّر ذاكرة مادية عن حالة الخلية في أثناء الانقسامات غير المتماثلة12 (شكل 1-ج). ولذلك فإن دراسة ليم وزملائها تُقدِّم مثالًا إضافيًا مُدهشًا على استغلال الطبيعة للخواص المادية للبروتين.

  

References

  1. Lim, H. Y. G. et al. Nature 585, 404–409 (2020). | article
  2. Johnson, M. H. & Ziomek, C. A. Cell 24, 71–80 (1981). | article
  3. Zenker, J. et al. Cell 173, 776–791 (2018). | article
  4. Jackson, B. W. et al. Differentiation 17, 161–179 (1980). | article
  5. Serres, M. P. et al. Dev. Cell 52, 210–222 (2020). | article
  6. Duarte, S. et al. Nature Commun. 10, 4200 (2019). | article
  7. Nishioka, N. et al. Dev. Cell 16, 398–410 (2009). | article
  8. Yamada, S., Wirtz, D. & Coulombe, P. A. J. Struct. Biol. 143, 45–55 (2003). | article
  9. Knoblich, J. A. Nature Rev. Mol. Cell Biol. 11, 849–860 (2010). | article
  10. Skamagki, M., Wicher, K. B., Jedrusik, A., Ganguly, S. & Zernicka-Goetz, M. Cell Rep. 3, 442–457 (2013). | article
  11. Maître, J.-L. et al. Nature 536, 344–348 (2016). | article
  12. Otzen, D. & Riek, R. Cold Spring Harb. Perspect. Biol. 11, a033860 (2019). | article

ماتاوش تريلينسكي وباز باوم، يعملان في مُختبر بيولوجيا الخلايا الجزيئية التابع لمجلس البحوث الطبية، بجامعة كوليدج لندن، لندن WC1E 6BT، المملكة المتحدة.

البريد الإلكتروني: b.baum@ucl.ac.uk