افتتاحيات

لا بد أن تتبنى اليونسكو إصلاحات داخلية تحفظ أهميتها 

بعد مرور 75 عامًا على تأسيسها، تكافح هذه المنظمة -التابعة للأمم المتحدة، والمعنية بالتعاون العلمي- لصياغة دورها المستقبلي.

  • Published online:

وُلدَت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، أو اختصارًا "اليونسكو" UNESCO في السادس عشر من نوفمبر من عام 1945، بعد أسابيع قليلة من انتهاء الحرب العالمية الثانية. وقد آمن مؤسسوها بقدرة العِلْم –إلى جانب الثقافة والتعليم– على توطيد السلام بين الدول، وحماية حقوق الإنسان، ورفع مستويات المعيشة. والآن، مع بلوغ الأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو عامهما الخامس والسبعين، نجد أن الأخيرة -التي تتخذ من باريس مقرًّا لها- تكافح من أجل صوغ مستقبلها. 

وثمة الكثير مما يمكن أن نستعرضه من إنجازات المنظمة على مدار تاريخها؛ فنجدها اليوم تدير البرنامج الذي استطاع أن يصنف أكثر من 1100 مَعْلم أثري بارز ضمن مواقع "التراث العالمي"، كما أسست المنظمة شبكة عالمية تضم ما يزيد على 700 محمية من محميات المحيط الحيوي. كذلك تتحرى المنظمة التزام الدول بتوفير التعليم لكل طفل، كما تُتَابِع التهديدات التي يواجهها الصحفيون في العالم أجمع. 

بيد أن اليونسكو، بوصفها إحدى منظمات الأمم المتحدة المتخصصة، لم تتلق قط تمويلًا مناسِبًا، وما زالت حتى اليوم تحاول التعافي من أزمة قائمة منذ عشر سنوات في جمع التمويلات. وقد وصل حجم إنفاقها خلال الفترة بين عامَي 2010 و2011 إلى 1,1  مليار دولار أمريكي، لكنه انخفض بنسبة قدرها 16% خلال عامَي 2012 و2013، بعد حصول السلطة الفلسطينية على عضوية كاملة بالمنظمة، وحَجْب الولايات المتحدة وإسرائيل لتمويلاتهما للمنظمة؛ احتجاجًا على تلك الخطوة. ورغم ارتفاع ميزانية إنفاق المنظمة مرة أخرى إلى 1,1 مليار دولار أمريكي خلال عامَي 2018، و2019، فإن صعود معدلات التضخم قد أضعف كثيرًا قوتها الشرائية. وتمر اليونسكو في الوقت الراهن بعملية تَحَوُّل، تهدف في جزء منها إلى التكيف مع مواردها المحدودة.

وقد أجرت دورية Nature حوارات مع عاملِين حاليين وسابقين في المنظمة، وكذلك مع بعض الباحثين الذين يجرون دراسات بالتعاوُن معها. وتبيَّنَت من هذه اللقاءات مشاعر الاعتزاز الكبير بالمنظمة، والتقدير البالغ لإنجازاتها السابقة، بيد أنه تكشفت في الوقت نفسه توقعات بمستقبل مخيب للآمال لها. ولذا، يتعين على المنظمة السعي إلى وضع حل نهائي لما تواجهه من مشكلات.  

التضافُر البَنّاء 

ينمّ تاريخ اليونسكو بجلاء عن قدرة العِلْم على النهوض بالمعرفة والعلاقات الدبلوماسية. فقد استطاعت المنظمة في أعقاب حربين عالميتين، وعلى الأخص إبان الحرب الباردة، أن تفتح الأبواب الموصدة أمام التعاون الدولي في المجالات العلمية، لا سيما في مجالات العلوم الفيزيائية.

كما نظمت اليونسكو في عام 1951 لقاءً، أسفر فيما بعد عن تأسيس "المنظمة الأوروبية للبحوث النووية" CERN، التي ازدهرت منذ إطلاقها لتتحول من مشروع يهدف إلى تحقيق الوحدة بين علماء الفيزياء الأوروبيين، وتشجيعهم، إلى مركز يتيح التعاون بين العلماء من أنحاء العالم كافة. وقد أثمر نشاط "المنظمة الأوروبية للبحوث النووية" عن إنجازات تقنية أخرى لم تكن في الحسبان، وقد أوفت المنظمة بالتزامها بإتاحة ما يتوفر لديها من معلومات للعالَم أجمع. 

وفي عام 1961، في الوقت الذي كانت تعزف فيه الدول عن مشاركة بياناتها عن المحيطات، عقدت اليونسكو أول اجتماعات "الهيئة الدولية لعلوم المحيطات"، التي ما زالت تلعب دورًا في الجهود الدولية الرامية إلى إدارة موارد المحيطات. كما تواصلت جهود اليونسكو لبناء جسور بين العلماء في الدول التي توترت العلاقات بينها من خلال "مشروع أشعة السنكروترون في مجال العلوم التجريبية وتطبيقاتها" في الشرق الأوسط ((SESAME، الذي تأسس في عام 1999، ويُعَد أول مصدر لأشعة السنكروترون في الشرق الأوسط. ويُعَد المشروع أداة مهمة للباحثين في عدة مجالات تتنوع بين الطب، وعلوم المواد. ويُذكر في هذا السياق أن إقناع علماء من إيران وإسرائيل، أو من قبرص وتركيا -وجميعها من الدول الأعضاء في المشروع- بالعمل معًا ليس بالإنجاز الهين.

وفي العام ذاته، شاركت هيئة اليونسكو في تنظيم "المؤتمر العالمي للعلوم في بودابست"، الذي أسفر عن تأسيس موقع SciDev.Net، الذي يُعَد من أٌولَى المنصات المفتوحة التي تنشر نتائج الأبحاث العلمية. وقد تعاونت معه دوريَّتا "ساينس" Science، وNature في إتاحة بعض من محتواهما للمستخدمين في الدول منخفضة الدخل، ومتوسطة الدخل.

وقد تحققت هذه الإنجازات كافة من جانب منظمةٍ لم تُدْرِج أبدًا كلمة "العِلْم" ضمن اسمها، إذ وُلدت -في المقام الأول- بهدف حماية التعليم والثقافة، وتشجيعهما، بيد أنها أفسحت المجال للعلوم، بعد أن استطاع علماء بارزون ووسائل إعلام علمية (مِن بينها دورية Nature) إقناع الدول المؤسِّسة لمنظمة الأمم المتحدة بأنّ رؤيتها لعالَم يسوده السلام لن تتحقق بدون العِلْم.

وبالرغم من كل الإنجازات الملموسة التي حققتها اليونسكو، فقد واجهت مصاعب نجمت عن مَواقف تَبَنّاها بعضٌ من كبرى الدول الأعضاء فيها، وهو ما أثر بالتبعية على قدرة العاملين في المنظمة على أداء مهامهم. وما جعل موقف المنظمة محبطًا هو أن بعض الدول تعاملت مع عضويتها فيها على أنها غير مُلْزِمة، من حيث الانضمام إلى المنظمة والانسحاب منها كيفما شاءت. ولم تولِ تلك الدول إلا اهتمامًا بسيطًا بالتبعات السلبية لسياساتها على أداء المنظمة، عندما توقفت عن تمويلها؛ فنجد، على سبيل المثال، أن الولايات المتحدة قد انسحبت مرتين من عضوية اليونسكو، كما انسحبت المملكة المتحدة، وسنغافورة من عضوية المنظمة في الماضي، لتعاوِدا الانضمام إليها بعد عدة سنوات. 

ويؤثر امتناع الدول الغنية عن دفع مستحقاتها لليونسكو سلبًا على مشروعات المنظمة، ويؤدي كذلك إلى إضعاف الثقة في التزام تلك الدول بأهداف المنظمة، فضلًا عن أنه يعني اضطرار مسؤولي المنظمة إلى بذل مزيد من الوقت والجهد لإيجاد مصادر تمويل أخرى، وإعادة تنظيم فِرق العمل والهياكل الإدارية بما يناسب الأولويات الجديدة، وهو ما يؤثر في نهاية المطاف على قدرة هذه الفِرَق على إنجاز أيّ من مهامها كما ينبغي. وعلى سبيل المثال، الوقت الذي تستهلكه المنظمة لمكافحة الحرائق يَحدّ مما تُخَصِّصه من وقت للتعامل مع أولويات أخرى.

وقد وضعت قيادات منظمة اليونسكو في عام 2013 مقترحًا يهدف إلى التعامل مع انخفاض دَخْل المنظمة، كان سيؤدي -على الأرجح- إلى إنهاء معظم أنشطتها في قطاع الاتصالات والمعلومات، بيد أن الدول الأعضاء ارتأت أنه إجراء قاس، ومن ثم رفضته. والآن، تتبنى المديرة العامة للمنظمة -أودري أزولاي- مقارَبةً جديدة تهدف في جزء منها إلى تخليص المنظمة من بعض الضغوط السياسية التي تواجهها في عملها، عن طريق التركيز على أهداف تؤيدها دول أكثر، وكذلك استثمار نقاط قوة المنظمة المتمثلة في دورها كراعٍ للثقافة، وبوصلة أخلاقية، ومعملٍ لإنتاج الأفكار.

وقد أطلقت أزولاي وفريق العمل في المنظمة عملية "تحول استراتيجي"، تهدف إلى المبادرة بإجراء إصلاحات داخلية، وتغيير برامج المنظمة، وهو تغيير يستلزم موافَقة الدول الأعضاء عليه في نهاية العام المقبل. وفي الوقت ذاته، تضع أزولاي خمسة أهداف على رأس أولويات المنظمة؛ ألا وهي: إعادة إعمار مدينة الموصل العراقية التي دُمرت وإحياؤها، وتشجيع سياسة الوصول المفتوح إلى العلوم، والعمل على صياغة معايير أخلاقية مشتركة، نحن في حاجة ماسّة إليها في مجال الذكاء الصناعي، ووضع رؤية طويلة المدى فيما يخص التعليم والتنوع البيولوجي. ويأتي هذا الاهتمام بالتنوع البيولوجي متأخرًا، لكنه يُعَد إقرارًا ضروريًّا بخبرات اليونسكو في دراسة المعارف المستقاة من مجتمعات السكان الأصليين، والخبرات المحلية في مجالات البحث المختلفة. وقد عززت نتائج استطلاع رأْي أَجْرته اليونسكو -شمل 15 ألف شخص- أهمية هذا المبحث؛ عندما سُئِل هؤلاء الأشخاص عما يَعُدّونه أهم التهديدات التي تواجه تحقيق السلام؛ فأجاب ثلثاهم بأن التنوع البيولوجي، والتغير المناخي هما أهم القضايا التي تشغلهم.

هناك كذلك دواع قوية لإحياء الرسالة التي تبنّتها اليونسكو سابقًا فيما يخص العلوم، إذ بإمكان العلوم الأساسية والتطبيقية أن تسهم من جديد في التقريب بين الشعوب والمجتمعات في ظل التمزق الذي يخيم على عالمنا المعاصر. وعلى سبيل المثال، تستطيع اليونسكو في الشرق الأوسط الإسهام في إحياء العلاقات بين العلماء في قطر مع نظرائهم في الدول المجاورة، إذ لم يعد تحقيق التعاون بين هؤلاء الباحثين ممكنًا في الوقت الراهن، نتيجةً للصراعات الإقليمية. كذلك يمكن أن تضطلع المنظمة بدور أكبر في البحث العلمي في منطقة جنوب آسيا، التي تأثرت بالعلاقات المتوترة بين الهند وباكستان. كما يمكن أن تقدِّم المنظمة المزيد من الدعم للباحثين في أوروبا، التي بدأت تنشأ فيها شروخ في العلاقات بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

وعلى اليونسكو أن تعمل على بناء الجسور بين البشر من خلال العِلْم، كعهدها سابقًا، إلا أننا  يجب ألا نغفل صعوبة تلك المهمة، إذ تواجه اليونسكو الآن بعد 75 عامًا من إنشائها أحد أصعب الاختبارات. ولذلك.. يتعين على الدول الأعضاء أن تبذل قصارى جهدها في التعاون مع إدارة المنظمة وأطقمها الميدانية. ويجب ألّا نستهين بالدور الذي يمكن أن تلعبه اليونسكو في عالَم مفعم بالأزمات، لأنه إذا هلكت المنظمة، سيكون على العالَم أن يعيد تأسيسها من جديد.