كتب وفنون

دروس في العمل الجماعي من قلب وكالة ناسا

توضّح عالمة الاجتماع جانيت فيرتِسي أن الاكتشافات التي يتوصّل إليها العلماء تعتمد على طريقة تعاونهم مع بعضهم بعضًا.

ألكساندرا ويتزي
  • Published online:
علماء بعثة "كاسيني" يراقبون مركبة فضاء البعثة وهي تغوص في الغلاف الجوي لكوكب زحل.

علماء بعثة "كاسيني" يراقبون مركبة فضاء البعثة وهي تغوص في الغلاف الجوي لكوكب زحل.

Credit: Joel Kowsky/NASA

"تشكيل العلوم: منظومات العمل وصناعة القرار والثقافة في فِرَق ناسا البحثية" 

جانيت فيرتِسي، مطبعة جامعة شيكاجو، عام 2020.

على مدار 25 عامًا من تغطية أخبار عِلْم الكواكب في الولايات المتحدة، اعتدتُ رؤية أشخاص بعينهم في البيانات الصحفية، والمؤتمرات، ومقاطع البثّ الشبكي، وهم يعرضون اكتشافات مَركبات فضائية تابعة لوكالة "ناسا"، مكلَّفة باستكشاف مجموعتنا الشمسية. وقد استمتعتُ باستطلاع طبيعة الشبكات المعقدة التي تربط بين أولئك الباحثين بعضهم بعضًا، ولكنْ لم يسبق أن أُتيح لي الاطلاع بشكل مباشر ودائم على التفاعُل الشخصي فيما بينهم. والآن، تزيح عالمة الاجتماع جانيت فيرتِسي الستار عن صور هذا التفاعُل، لتصبح رأي العين لنا جميعًا. وتجدر الإشارة إلى أن فيرتِسي لعبت دورًا مهمًّا في العديد من مشروعات وكالة "ناسا" على مدار سنوات، وها هي تصحب القرّاء في رحلةٍ إلى قلب اثنين من هذه المشروعات؛ هما: بعثة "كاسيني" Cassini إلى كوكب زحل، و"مشروع المركبات الفضائية الجوّالة لاستكشاف المريخ" Mars Exploration Rovers.

وجدير بالذكر أن ما نراه في هذه الرحلة ليس مستحبًّا دائمًا، لكنه مفيدٌ. وفي كتاب "تشكيل العلوم"Shaping Science، لا تتناول فيرتِسي التفاصيل الدقيقة حول كيفية عمل تلك البعثات فحسب، بل تعرض كذلك استنتاجات عامّة حول طبيعة الاكتشافات العلمية، وكيف أنها تتوقّف على طريقة تعاوُن العلماء مع بعضهم بعضًا. فطبيعة هذا التعاون لها تداعيات بين أي فريق باحثين في أيّ مجال.

وتستند فيرتِسي إلى الأبحاث الكلاسيكية حول نشأة المعارف، مثل أبحاث عالِم الاجتماع هاري كولينز، الذي قضى سنوات من حياته بين العلماء الباحثين عن موجات الجاذبية، وعالمة الاجتماع دايان فون التي درست ثقافة مديري مشروعات المكاكيك الفضائية، لفهْم كيف انتهى بهم الحال إلى وضع إجراءات روتينية لمواجهة المخاطر. وترى فيرتِسي أن عِلْم الكواكب يُعَد أرضًا خصبة لدراسة تنظيم فِرَق العمل المعقدة. ففي حالتَي بعثة "كاسيني"، وبعثة المريخ، عملت مجموعات كبيرة من العلماء، والمهندسين، والمديرين على تصميم روبوتات، وبنائها، وتشغيلها لإرسالها في بعثات إلى كواكب بعيدة عن كوكب الأرض، لكنها فعلت ذلك بطرق تختلف عن بعضها بعضًا اختلافًا جذريًّا. (استخدمت فيرتسي اسمين حركيين للبعثتين، هما: "هيلين"، و"باريس"، وأسماءً مستعارة للباحثين فيهما، ربما رغبةً في الحفاظ على خصوصيتهم. وما على الخبراء في هذا المجال إلا تخمين تلك الشخصيات).

كانت بعثة "كاسيني"، التي أُطلِقت في عام 1997، وانتهت مع اقتحام الغلاف الجوي لكوكب زحل في عام 2017، محفوفةً بالمخاطر منذ البداية. عُدَّت البعثة من بين بعثات الكواكب الرئيسة لوكالة "ناسا"، إذ تكلّفت مليارات الدولارات، وعُلّقت عليها آمال كبرى، وأُطلِقت بالشراكة مع وكالة الفضاء الأوروبية، وهو ما ترتّب عليه محاولة التوفيق بين العديد من المصالح المتضاربة؛ للخروج بنظام متكامل يحقق أهدافه. وقد تبنّت البعثة مقارَبةً تعتمد على منظومة معقدة ربطت بين عدة فرق بحثية تركز على جانب محدد استُهدفت دراسته في نظام كوكب زحل (مثل حلقات الكوكب، وغلافه الجوي، وأقماره، إلخ). وعمل قادة البعثة على دمج تلك الأهداف معًا، وهو ما أسفر -في كثير من الأحيان- عن فِرَق عمل مختلفة، تتبادل -في الأساس- المساعدات؛ لتحقيق أهدافها العلمية، كأنْ يقول أحدهم: "يمكنك تصوير حلقات الكوكب في هذا الوقت، إذا استطعتُ تشغيل مطياف البلازما في وقت آخر".

وعلى النقيض، كان للمركبتين الجوّالتين "سبيريت" Spirit، و"أوبورتيونيتي" Opportunity اللتين أُطلقتا في عام 2003، وانقضت مهمتهما في عامَي 2010، و2018، باحثٌ رئيس واحد (هو ستيفن سكوايرز، من جامعة كورنيل في مدينة إيثاكا بولاية نيويورك، وإنْ كانت فيرتِسي قد رفعت عنه الحرج، وأطلقت عليه اسم "جيريمي"). وقد قاد سكوايرز فريق البعثتين، الذي كان جميع أعضائه يشاركون بآرائهم لاتخاذ القرارات بصورة جماعية. وتعاوَن الباحثون في هاتين البعثتين معًا لتحديد نهج العمل المتبع، والاتفاق عليه، مثل اختيار الصخور المقرّرة دراستها لاحقًا، أو اختيار الاتجاه الذي ستسلكه المركبة الجوّالة.

وقد حقّقت بعثة "كاسيني" وبعثة المريخ نجاحًا ساحقًا، وأسفرتا عن اكتشافات جوهرية في علم الكواكب. ورغم ذلك، ترى فيرتِسي أن طبيعة هذه الاكتشافات شكّلتها طريقة طرح الباحثين للأسئلة.

فقد أسفرت بعثة "كاسيني" عن رؤى متعمقة لأقمار زحل وحلقاته، وأجزاء أخرى من هذا الكوكب من منظور وسائل محددة، مثل الدراسات باستخدام الرادار للتغيرات التي طرأت بمرور الوقت على البحيرات على قمر "تيتان"، أكبر أقمار زحل. أما مركبتا "سبيريت"، و"أوبورتيونيتي"، فقد أسفرتا عن اكتشافات حول صخور، وكثبان رملية، وتضاريس أخرى محددة على سطح المريخ من منظور آلات عديدة. ويتيح النهج الأول معلومات في مناح شتى على دفعات صغيرة، في حين أن النهج الثاني هو أكثر ميلًا إلى إتاحة مجموعة من المعلومات حول بيئات بعينها.

ومن هذا المنظور، تقدّم تلك البعثات دروسًا يمكن أن تستفيد منها فِرَق العمل بوجه عام. ولنأخذ مشاركة البيانات على سبيل المثال، حيث تحاجج فيرتِسي بأن بعثة المريخ تبنّت مفهوم البيانات المفتوحة، ليس لمجرد أنها بعثة مموَّلة من دافعي الضرائب (وهو التفسير المعتاد)، بل لأن ذلك هو ما فرضه الهيكل الأفقي لفريق البعثة. أما في حال بعثة "كاسيني"، فقد انتهى الحال بقائدة فريق التصوير بالوقوع في دائرة من العلاقات التي انعدمت فيها الثقة بينها وبين العلماء الآخرين عندما حاولت فرض سيطرتها فيما يتعلق بالصور الخاصة بفريقها.

وكما هو متوقع، تشير فيرتِسي إلى أن التحيّز الجنسي المؤسّسي قد لعب دورًا -على الأرجح- في المصاعب التي واجهتها قائدة فريق التصوير (فقد قال أحد العلماء في المشروع إنه سيجعلها "تتصارع في الوحل" مع أحد الباحثين الذكور لحلّ مشكلة ما). وقد تقلّدت نساء أخريات مناصب عليا في بعثة "كاسيني"، لكن حدث ذلك مع اقتراب نهاية رحلة مركبة الفضاء الخاصة بالبعثة، إذ كان مقبولًا أن تُشرِف النساء على بعثة قائمة بالفعل، لا على بعثة جديدة. ولحسن الحظ أن هذا الفِكر في طريقه إلى زوالٍ الآن؛ إذ تقود عالمة الكواكب إليزابيث تيرتل بعثة "دراجون فلاي" التابعة لوكالة "ناسا" إلى القمر "تيتان".

ومن بين الدروس المستفادة الأخرى، ما يتعلق بالتحديات التي تنطوي عليها إدارة مجموعة من الأفراد، لا يعملون في المكان نفسه، وهو تحد بات شديد الوضوح في ظل جائحة "كوفيد-19"، وفي نمط العمل القائم على المؤتمرات المرئية. وعلى سبيل المثال، على الرغم من أن فِرَق مراقبة البعثات تعمل كمركز تنظيمي، فإن كثيرين من علماء الفِرَق الأخرى بهذه البعثات يعملون عن بُعْد من مقارّ المؤسسات التي ينتمون إليها في بلدانهم. ويتنافس هؤلاء العلماء على السلطة من بعيد، وهو نمطٌ بات مألوفًا إلى حدٍّ كبير الآن. وقد تغلّب فريق بعثة "كاسيني" على تحديات العمل عبر بلدانٍ ومناطق زمنية مختلفة، من خلال تعزيز الشعور بالانتماء إلى مجتمع واحد في المؤتمرات الافتراضية، فكان أفراد الفريق يضعون صور المشاركين في المؤتمرات المرئية عن بُعْد على الجدران (وهو ما يذكرنا بالمكالمات التي لا حصر لها التي سيستضيفها تطبيق "زوم" Zoom لفِرَق العمل لاحقًا). وقد أتاح هذا النهج للعلماء خارج الولايات المتحدة فرصة المشاركة في مهمّة رائدة كهذه، ومنح باحثي "ناسا" فرصة الاستفادة من أفضل المواهب على مستوى العالم.

قد تكون هذه الدروس المستخلَصة مُجدية في حال المشروعات التعاونية التي تسعى للانطلاق؛ فتشير فيرتِسي إلى أن الشركات الناشئة في المجال التقني تميل إلى تفضيل المنظومات الأفقية التي تلتف حول قائد مُلهم واحد، على غرار منظومة بعثة المريخ. أما المؤسسات الأكبر حجمًا، مثل الجامعات التي تسعى للتوفيق بين مصالح عدة أقسام ومجالات، فهي تعمد عادةً إلى منظومة أشبه بتلك الخاصة ببعثة "كاسيني".

وفي النهاية، تجدر الإشارة إلى أن الاكتشافات العلمية التي أزيح الستار عنها في البعثتين كانت نتاجًا مباشرًا لجهود الأفراد المشاركين فيهما. وأيًّا كان ما تَكَشَّف عن سطوعالبحيرات على القمر "تيتان"، أو التكوين المعدني لصخرةٍ ما على كوكب المريخ، فإن الأفراد، سواء من المسؤولين عن المركبات الفضائية، أم ممن عملوا مِن خلف شاشات حواسيبهم، أم مَن شاركوا في عددٍ لا يُحصى من الاجتماعات عن بُعْد، كانوا المحرك الرئيس لما اكتشفته تلك الروبوتات التي تؤدي مهمتها بين الكواكب. وقد سرّني أنْ تعرفتُ على هؤلاء الأفراد عن كثب من خلال هذا الكتاب.

ألكساندرا ويتزي

مراسِلة لدى دورية Nature، تقيم في مدينة بولدر بولاية كولورادو.