كتب وفنون

علماء فك الشفرات الذين قادوا ظهور علم الحوسبة

مضى على عمليات الرقابة الحكومية في هيئة مقر الاتصالات الحكومية البريطانية نصف قرن، تخللته حروب عالمية، وحروب باردة، وسبرانية.

أندرو روبينسون

  • Published online:
متخصصتان في علم الشفرات في هيئة مقر الاتصالات الحكومية البريطانية في بليتشلي بارك تستخدمان حاسوب كولوسِس لفك شفرة الاتصالات العسكرية الألمانية في أثناء الحرب العالمية الثانية.

متخصصتان في علم الشفرات في هيئة مقر الاتصالات الحكومية البريطانية في بليتشلي بارك تستخدمان حاسوب كولوسِس لفك شفرة الاتصالات العسكرية الألمانية في أثناء الحرب العالمية الثانية.

Credit: SSPL/Getty

"ما وراء إنجما": رواية هيئة مقر الاتصالات الحكومية البريطانية الرسمية لتاريخها"

جون فيريس

بلومزبيري (2020)

"يهدف أغلب العلماء المتخصصين إلى أن يكون لهم السبق في نشر النتائج التي يتوصلون إليها، لأنه من خلال النشر يحقق العمل البحثي الفائدة منه". هكذا كَتَب عالِم الرياضيات جيمس إليس في عام 1987، بيد أنه على النقيض يستدرك قائلًا: "لكن تقنيات التشفير تحقق الاستفادة القصوى منها من خلال تقليل المعلومات المتاحة للخصوم المحتملين".

عمل إليس في جهاز حكومي، في مجال استخبارات الإشارات، المعروف اختصارًا باسم (SIGINT)، شأنه في ذلك شأن آلان تورينج، وكثيرين ممن قادوا حركة ابتكار أجهزة الكمبيوتر وشبكة الإنترنت. واليوم، يدخل في هذا المجال استخبارات الاتصالات (COMINT)، (أي استخبارات جمع المعلومات من الاتصالات، مثل المكالمات الهاتفية)، والاستخبارات الإلكترونية (ELINT)، (أي استخبارات جمع المعلومات من الانبعاثات الإلكترونية، كتلك التي تصدرها الرادارات، وغيرها من الأجهزة التي تصدر الأشعة الكهرومغناطيسية). وإليس وتورينج هما اثنان فحسب من بين كثير من المتخصصين في فكّ الشفرات، ومصمميها الذين يَرِد ذِكرهم في كتاب "ما وراء إنجما" Behind the Enigma، الذي يسرد لأول مرة تاريخ واحدة من أبرز هيئات الاستخبارات السريّة حول العالم، ألا وهي هيئة مقر الاتصالات الحكومية البريطانية (GCHQ)، بتصريح من الهيئة نفسها. اشتهرت هذه الهيئة، التي تقع في بليتشلي بارك، بعملية فك رموز شفرة آلة "إنيجما" Enigma الألمانية في الحرب العالمية الثانية، لكنْ كما يكشف المؤرخ الكندي جون فيريس، ليس هذا إلا ملمحًا بسيطًا من تاريخ هذه الهيئة التي تحيطها هالة من السرية والغموض.

ومن خلال بحث مذهل، يروي فيريس قصصًا عالمية لإنجازات من عالِم الرياضيات، والهندسة، وعلوم البيانات، واللغويات، وُظفت في خدمة السياسة، والدبلوماسية، والحرب، والقطاع الأمني. وتمتد هذه الإنجازات على مدى قرن من الزمن، بدءًا من عمليات اعتراض البرقيات إلى البرمجيات الخبيثة التي يمكنها إتلاف البِنَى التحتية. وبعد مقدمة موجزة عن استخبارات ما قبل عام 1914، التي اعتمدت على الخطابات، والبرقيات، والرسائل اللاسلكية، تبدأ رواية فيريس بعلوم التشفير في الحرب العالمية الأولي، وتأسيس هيئة مقر الاتصالات الحكومية البريطانية في عام 1919، وهو المقر الذي عُرف وقتها بكلية علم الأكواد والشفرات الحكومية. وتنتهي رحلة الكتاب بتوصيف مؤلفه للهيئة بما تمثله حاليًّا من خط حماية للمشاعات السبرانية. وهو دور يُعَد -إلى حد كبير- غير خفي. وعلى سبيل المثال.. في سبتمبر من عام 2001، كانت الطائرة الوحيدة التي سُمح لها بدخول أراضي الولايات المتحدة مباشرة عقب هجمات تنظيم القاعدة، هي طائرة رئيس هيئة مقر الاتصالات الحكومية البريطانية، الذي سافر عبر المحيط الأطلنطي للتعاوُن مع نظيره الأمريكي.

وما يتضح في هذا الصدد أن قطاع استخبارات الإشارات تبايَن أداؤه ما بين الكفاءة الشديدة إلى الجدوى شبه المنعدمة. وعلى سبيل المثال.. في يوليو من عام 1962، قبل بضعة شهور من اندلاع أزمة الصواريخ الكوبية، رصدت هيئة مقر الاتصالات الحكومية البريطانية رسائلَ سوفيتية مشفرة تشير إلى أن سفينتَي ركاب وبضائع سوفيتيتين "يُحتمل أن تكونا في طريقهما إلى كوبا"، وأن هذه الرحلة قد تكون "لأهداف غير روتينية"، غير أنها لم تُشِر إلى غرض السفينتين، أو ما تحملانه. بعد ذلك، في منتصف شهر أكتوبر من العام نفسه، رصدت طائرة تجسس أمريكية من طراز "يو-2" U-2 أول الأدلة على وجود الصواريخ السوفيتية في كوبا، وهو ما أشعل فتيل الأزمة. وبعد مرور أسبوعين، عقب فترة وجيزة من إعلان الرئيس جون إف. كينيدي فرْض حصار بحري على كوبا، رصدت هيئة مقر الاتصالات الحكومية البريطانية سيلًا من الرسائل المشفرة العاجلة، أُرسلت من موسكو إلى السفن السوفيتية. ومن ثم، فإن مجال استخبارات الإشارات قد ساعد على تنبيه الحكومات وتحذيرها، غير أنه يُذكر أن القرار السياسي للولايات المتحدة استند إلى الملاحظات الميدانية التي قَدَّمتها قواتها المسلحة.

وفي مثال على العكس من ذلك، في نهاية حرب جُزُر فوكلاند، التي خاضتها المملكة المتحدة ضد الأرجنتين في عام 1982، أعلن قائد فرق العمليات البريطانية أنه لولا اكتشاف هيئة مقر الاتصالات الحكومية البريطانية لخطة الهجوم الأرجنتينية مبكرًا، وهو ما حدث في الأساس خلال عمليات استخبارات حول اتصالات باللغة الإسبانية، لباء الغزو بالفشل في البحر، بيد أنه بمجرد هبوط الجنود البريطانيين على جزر فوكلاند، خذلهم قطاع استخبارات الإشارات البريطاني في المعركة، نتيجة للطابع الارتجالي الذي اتسمت به طريقة عمل سلسلة القيادة.

وفي تلك الأحداث، لعبت المعاهدة البريطانية الأمريكية (UKUSA)، أو ما يُعرف بـ"الخمس أعين"، التي يَرِد ذكرها في الكتاب بصفة متكررة، دورًا محوريًّا. وهي اتفاقية متعددة الأطراف، ما تزال سارية، تهدف إلى التعاون في مجال استخبارات الإشارات بين أستراليا، وكندا، ونيوزيلندا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة. وقد دُشّنت بين هيئة مقر الاتصالات الحكومية البريطانية، ووكالة الأمن القومي الأمريكية في عام 1946، مع بداية الحرب الباردة، لكن لم يُعلن عنها حتى عام 2005.

ويستعرض الكتاب على نحو مثير للاهتمام خلفيات موظفي هيئة مقر الاتصالات الحكومية البريطانية السابقين والحاليين، الذين يبلغ عددهم اليوم 6 آلاف موظف، مقارنة بأقصى عدد بلغه في فترة الحرب، وهو 10 آلاف موظف. كما يتناول عقلياتهم، وآليات عملهم، وإنجازاتهم، وعلاقاتهم المتنوعة بأقرانهم في دول أخرى. وعلى سبيل المثال، يورد أنه في حديث لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) في عام 2013، قال ديفيد أوماند، رئيس هيئة مقر الاتصالات الحكومية البريطانية المتقاعد، مازحًا في معرض حديثه عن النظراء الأمريكيين لعملاء الهيئة: "لدينا العقول، ولديهم الأموال، وهو ما يجعل منه تعاونًا مثمرًا للغاية".

ولا شك أن علماء الرياضيات في هيئة مقر الاتصالات الحكومية البريطانية تمتعوا -في كثير من الأحيان- بأسرار التفوق في المجال الأكاديمي. فعلى سبيل المثال، اقترح إليس في عام 1970 إمكانية الوصول إلى "تشفير رقمي آمِن، وغير سري"، لكنه لم يملك أي تصوّر لطريقة تنفيذ هذه الفكرة. وفي عام 1973، استطاع كليفورد كوكس –وهو زميل أصغر سنًا لإليس، أصبح في وقت لاحق رئيس قسم الرياضيات بهيئة مقر الاتصالات الحكومية– تنفيذ هذا المفهوم، عن طريق ابتكار نظام المفتاح العام، الذي يُعرف الآن باسم خوارزمية تشفير "آر إس إيه" RSA، وهو الاسم المشتق من الحروف الأولى لأسماء كل من: رون ريفست، وعدي شامير، وليونارد آدليمان، الذين ابتكروا الخوارزمية، بشكل مستقل عن الهيئة، في عام 1977 في الولايات المتحدة.

وفي عام 1974، ابتكر مالكولم ويليامسون، وهو عالِم رياضيات آخر كان يعمل في هيئة مقر الاتصالات الحكومية، تقنية التبادل العلني بين طرفين لمفتاح سري مشترك، أصبح لاحقًا أساس كل المعاملات المؤَمَّنة التي تُجرى على شبكة الإنترنت. وسُميت هذه التقنية بدورها على اسم عالمَي تشفير أمريكيَّيْن، هما: ويتفيلد ديفي، ومارتن هلمان، اللذان توصلا إلى هذا الاكتشاف بصورة مستقلة عن الهيئة في عام 1976. ولم تُرفع السرية عن هذين الاكتشافين شديدَي الأهمية، اللذين انبثقا من هيئة مقر الاتصالات، إلا في عام 1997. وحتى الآن، في عام 2020، حسبما يكتب فيريس، "لا يزال العاملون في مجال استخبارات الإشارات يشعرون بعدم الارتياح لرؤية اسم هيئة مقر الاتصالات الحكومية البريطانية في العناوين الرئيسة التي تتداولها الصحافة".

وفي كثير من الأحيان، كان المعينون في فريق الهيئة من علماء اللغويات، الذين تمتعوا أحيانًا بمهارات استثنائية، وضموا خلال فترة الحرب العالمية الثانية عددًا كبيرًا من  الأكاديميين الموهوبين من خريجي جامعتَي أكسفورد، وكامبريدج (وإنْ كانت هيئة مقر الاتصالات الحكومية قد رفضت تعيين جي. آر. آر. تولكين، خريج أكسفورد، رغم إتقانه لعدة لغات). ومن بين هؤلاء، لمع اسم جون تشادويك، الذي كان آنذاك شابًّا متخصصًا في الدراسات الكلاسيكية من جامعة كمبريدج، الذي تَلقَّى دورة دراسية مكثفة في اللغة اليابانية في عام 1944، للمساعدة على فك شفرة الرسائل المرسَلة من ممثلي البحرية اليابانية ممن عملوا في برلين واستكهولم إبان الحرب. واستطاع تشادويك، بعد انتهاء الحرب، بالتعاون مع مايكل فنتريس، المعماري وعالِم فقه اللغة، فك شفرة أقدم نص أوروبي مكتوب، وهو النظام الخطي المقطعي "باء"، الذي يعود إلى الحضارة الموكيانية، وهو يمثل أحد الأشكال العتيقة من اللغة اليونانية.

كذلك كان من المعروف أن النساء مثلن أكثر من 75% من موظفي الهيئة. وينوِّه فيريس إلى أنه في ثلاثينات القرن الماضي، بالمقارنة بـ"التمييز الحاد القائم على النوع الاجتماعي" الذي خيّم على صناعة الحوسبة، كانت هيئة مقر الاتصالات الحكومية "تعتمد معايير تقييم قائمة على الموهبة، لا على النوع الاجتماعي بمجرد الالتحاق بها"، بيد أن قصص النساء النابغات في تلك الآونة لم يُزَح الستار عنها إلا مؤخرًا، كما تشهد على ذلك ندرة صور الشخصيات النسائية في قسم الصور بالكتاب. وقد كان من بين موظفي الهيئة: إيميلي أندرسون عالمة اللغويات، وأستاذة اللغة الألمانية سابقًا، التي عملت في ثلاثينات القرن الماضي رائدة عالمية في مجال تحليل الشفرات. وكذلك جوان كلارك، عالمة الرياضيات، التي استخدمت الإحصاءات البايزية لتسريع عمليات فك الشفرات في الهيئة، بالتعاوُن مع تورينج، الذي خطبها لفترة قصيرة. وفي عصرنا الحالي، تدرك المؤسسة، مثل أغلب نظيراتها في مجال أمن الفضاء السبراني، أن عليها القضاء على الفجوة الهائلة بين عدد الذكور وعدد الإناث في قوة العمل لديها، إلا أن فيريس يتجنب الخوض في هذا الأمر بالتفصيل.

ولا شك أن اعتبارات السرية والعمل الحكومي تقيِّد الخوض في تحليل كهذا، بقدر ما تحدّها اهتمامات الكاتب الأكاديمية (التي تُعَد أقرب إلى الناحية العسكرية منها إلى الناحية العلمية). فعندما وجهت الهيئة دعوة إلى فيريس، امتنعت عن إجراء نقاش حول قطاع استخبارات الاتصالات الدبلوماسية في فترة ما بعد عام 1945، وعن مناقشة الجوانب التقنية المرتبطة بالأساليب التي تستخدمها حاليًّا، إذ إن وكالات استخبارات أخرى، كوكالة الأمن القومي الأمريكية، تمتعت بحق الفيتو فيما يخص إفشاء تفاصيل المشروعات المشتركة. وكان من المحظور كذلك التطرُّق إلى سجلات الفترة التالية لنهاية الحرب الباردة في عام 1991. ولتناول تلك العقود الزمنية، اضطر فيريس إلى إجراء مقابلات مع الموظفين الحاليين. وفي الغالب، جرى ذلك بموجب اتفاق بـ"عدم الإفصاح عن هوية المصدر".

وهكذا، كانت تغطية الكتاب للفترة من عام 1990 إلى عام 2020 أضعف من الناحية النقدية. ففي نِقاش حول تسريبات عام 2013، التي أدلى بها إدوارد سنودن، متعهد وكالة الأمن القومي الأمريكية، بشأن عمليات المراقبة التي جرت في ظل المعاهدة البريطانية الأمريكية، وهي تسريبات تَبِعَها تحقيق أجرته الحكومة البريطانية بشأن هيئة مقر الاتصالات، يرفض فيريس الاتهام القائل إنّ الوكالة تجمع معلومات استخبارية عن الأشخاص، بغض النظر عن مدى الخطورة التي يشكلونها على أمن المملكة المتحدة. فمن وجهة نظره، التي فشل في التدليل عليها، فإن هذه الأخطاء الفادحة ناتجة عن إهمال، أكثر منها عن تعمد. ويكتب فيريس: "لم تتصد هيئة مقر الاتصالات الحكومية البريطانية صراحةً للعناصر القانونية والإجرائية لِمَا جرى من جمْع معلومات على نطاق شاسع، لأنها لم تكن لديها معرفة بكيفية فِعْل ذلك، وليس لأنّ لديها ما تخفيه".

واليوم، يحتوي قفصٌ مؤَمَّنٌ، موجود في قسم الأرشيفات بقبو هيئة مقر الاتصالات الحكومية البريطانية، على سجلات تحريات أُجريت عن كل عضو من فريق عمل الهيئة، جُمعت من خلال المقابلات الشخصية التي أجريت قبل التعيين مع أُسَر هؤلاء الأفراد وأصدقائهم. ولم تتح تلك السجلات لفيريس. وكل واحد منها يجري إتلافه عقب وفاة العضو. وحول ذلك.. كتب فيريس: "ليس هناك ما يجسّد طبيعة هيئة مقر الاتصالات الحكومية البريطانية أكثر من هذا التركيز على مَنْح الخصوصية لأولئك الذين ينزعونها عن الناس". ولعل هذا هو السبب في أنه حتى عندما يتعلق الأمر بأشخاص متوفين يَرِد ذِكرهم في هذا العمل التأريخي الرائد، فإن هذه الشخصيات نادرًا ما  تُبعث في الكتاب. وبالرغم من كل عمليات التحري القائمة على البحث الأكاديمي، التي أجراها فيريس على مدار الكتاب، فحتى شخص مثل آلان تورينج، وهو أحد مَن لعبوا دورًا رئيسًا في فك تشفير آلة "إنجما"، وهو نفسه شخصية غامضة مثيرة للاهتمام على مستوى العالم، لا يُفصِح بالكثير عنه.

تتضمن كُتُب أندرو روبنسون العديدة العناوين التالية: "لغات مفقودة: لغز نصوص عالمية لم نكتشف شفرتها" Lost Languages: The Enigma of the World’s Undeciphered Scripts، و"أينشتاين لاجئًا: كيف أنقذت بريطانيا أعظم علماء العالم؟" Einstein on the Run: How Britain Saved the World’s Greatest Scientist. وهو يقيم في لندن.

 البريد الإلكتروني: andrew@andrew-robinson.org