افتتاحيات

لا بد من إعادة ترتيب أولويات الأبحاث العلمية للقضاء على الجوع

يحتاج صناع السياسات إلى أبحاث تتناول طرق القضاء على الجوع، بيد أن مراجعة أجريت على الأدبيات العلمية وجدت أن غالبية الأبحاث وضعت أولويات خاطئة في هذا الصدد.

  • Published online:

كيف يمكن للأبحاث العلمية أن تسهم في القضاء على الجوع؟ إحدى طرق الإجابة عن هذا السؤال هي تقييم الأبحاث المنشورة حول هذه المشكلة، وتحديد أي التدخلات يمكنها أن تشكِّل فارقًا في حياة 690 مليون شخص يعانون الجوع يوميًّا.

وهذا ما يقوم به تحالُف بحثي دولي يُسمى "سيريس 2030"1 Ceres 2030. ففي الأسبوع الثاني من شهر أكتوبر الماضي، نُشِرَت نتائج مساعي التحالُف التي استمرت على مدار ثلاث سنوات، والرامية إلى مراجعة أكثر من 100 ألف مقال بحثي، وظهرت في دوريات مجموعة "نيتشر ريسيرتش"2 Nature Research (انظر: go.nature.com/3djmppq). وتُعَد هذه النتائج التي نُشِرَت بعد أيام فقط من فوز برنامج الغذاء العالمي بجائزة نوبل للسلام كاشفةً ومثيرة للقلق على حد سواء.

استطاع التحالُف تحديد عشرة تدخلات عملية، من شأنها مساعدة جهات مَنْح التبرعات على التصدي للجوع، لكن هذه التدخلات استُقيَت من نسبة قليلة فحسب من المؤلفات العلمية. كما وجد أعضاء التحالُف أن الغالبية العظمى من المنشورات البحثية في مجال الزراعة التي أجروا تقييمًا لها عجزت عن تقديم حلول للمشكلة، لا سيما للتحديات التي واجهها صغار المزارعين وأُسَرهم.

أما برنامج الغذاء العالمي، فهو الهيئة الأساسية التابعة للأمم المتحدة التي تُعنى بالسعي للقضاء على الجوع، بما في ذلك هدف التنمية المستدامة الرئيس (SDG)، وهو القضاء على الجوع بحلول عام 2030.

وقد اكتشف الباحثون دراسات كثيرة توصلت إلى أن أصحاب الحيازات الصغيرة من المزارعين كانوا أكثر مَيلًا لتبَنِّي نُهج جديدة، لا سيما زراعة محاصيل أقدر على التكيف مع المناخ، وذلك عندما قُدم لهم الدعم ممثَّلًا في الاستشارات الفنية، والمعلومات، والأفكار، فيما يُعرَف إجمالًا بخدمات الإرشاد الزراعي.

"من أصل حوالي 570 مليون مزرعة على مستوى العالم، تقلّ مساحة أكثر من 475 مليون مزرعة منها عن هكتارين فحسب".

ووجدت دراسات أخرى أن دخْل هؤلاء المزارعين يرتفع عندما ينضمون إلى جمعيات تعاونية، ومجموعات مساعدة ذاتية، وغيرها من المنظمات التي بإمكانها أن تكون حلقة وصل بينهم وبين السوق، ووسائل النقل المشترك، أو المساحات التشارُكية التي يمكن تخزين المحاصيل فيها3. كما تزدهر أحوال المزارعين عندما يتمكنون من بيع محاصيلهم عبر منافذ غير رسمية لشركات صغيرة ومتوسطة الحجم4.

ومع هذا.. فقد توصل تحالُف "سيريس 2030" إلى نتيجة سببت حالة من الدهشة والارتباك بين أعضائه، إذ اتضح أن ثلثي مَن يعانون الجوع يعيشون في مناطق ريفية. ومن أصل حوالي 570 مليون مزرعة على مستوى العالم نجد أنّ أكثر من 475 مليون مزرعة منها تقل مساحة كل منها عن هكتارين فحسب. ويتلازم فقر المناطق الريفية مع انعدام الأمن الغذائي. ورغم ذلك، اكتشف باحثو  تحالُف"سيريس 2030" أن الغالبية العظمى من الدراسات التي قَيَّموها –أكثر من 95% منها– ليست لها علاقة باحتياجات أصحاب الحيازات الصغيرة من المزارعين وأُسَرهم. وفضلًا عن ذلك، تضمن عدد ضئيل من الدراسات البيانات الأساسية في هذا الصدد. فقد جاء في نتائج إحدى الأوراق البحثية لتحالُف "سيريس 2030" تصريح صادم بأنّ "أغلب الأبحاث التي خضعت للدراسة لم يشارك فيها إلا باحثون، وخلت تمامًا من مشاركة المزارعين"5.

لماذا إذَن لا يجيب مزيد من الباحثين عن مزيد من الأسئلة العملية التي تهم صغار المزارعين بشأن القضاء على الجوع؟ يمكن إرجاع الكثير من أسباب ذلك إلى الأولويات المتغيرة لتمويلات الأبحاث الزراعية.. فخلال العقود الأربعة الماضية، تغير تمويل هذا النوع من الأبحاث، ليجري توفيره عن طريق القطاع الخاص. وفي الوقت الحالي، يأتي أكثر من نصف تمويلات هذه الأبحاث من قطاع شركات الزراعة، حسب دراسات فيليب باردي وزملائه6، وهو باحث متخصص في سياسات العلم والتكنولوجيا من جامعة مينيسوتا في مدينة سانت بول.

اهتمام أقل بالأنشطة الصغيرة

وفي الوقت ذاته، فإن الأبحاث التطبيقية التي تنطوي على تعاوُن مع صغار المزارعين وأُسَرهم لا تسفر عن ترقي الباحثين في المسارات المهنية الأكاديمية فورًا. فالكثير من الباحثين، وبوجه خاص أولئك المنتمين إلى شبكة الفريق الاستشاري للبحوث الزراعية الدولية (CGIAR)، التي تضم مراكز البحوث الزراعية في جميع أنحاء العالم، يعملون بالفعل مع أصحاب الحيازات الصغيرة من المزارع، بيد أنه في الجامعات الأكبر ذات الأنشطة البحثية المكثفة، يميل الباحثون بدرجة أقل إلى أن تتناول أبحاثهم الأنشطة الزراعية صغيرة الحجم. وقد بدأت تتزايد في الجامعات رغبة فِرَق وضع الاستراتيجيات البحثية في أن يتقدم الأكاديميون العاملون بها لمحاولة الحصول على مِنح أكبر، لا سيما إذا كان نظام تقييم البحوث الوطني يكافئ أولئك الذين يجلبون المزيد من  الدخول من الأبحاث.

ويتحمل الناشرون أيضًا جزءًا من المسؤولية في هذا الإطار، فعلى سبيل المثال.. صرَّح جارون بورسييلو -المدير المشارك لتحالف "سيريس 2030"، وعالِم البيانات من جامعة كورنيل في إيثاكا في نيويورك- لدورية Nature بأن الأبحاث المعنية بصغار المزارعين قد لا تُعَد مبتكرة بما يكفي، أو تحظى بأهمية أو مكانة كبرى على الصعيد العالمي في حركة النشر العلمي. وينبغي على جميع الناشرين أن يأخذوا في الاعتبار ضعف تأييد الدوريات العلمية هذا في ضوء النتائج التي توصل إليها تحالُف "سيريس 2030".

وينبغي الاحتفاء بتحالف "سيريس 2030" لتسليطه الضوء على هذه المشكلات. وجدير بالذكر أن تمويل هذا التحالُف تتولاه مؤسستان، هما: "بيل وميليندا جيتس" Bill & Melinda Gates Foundation –التي يقع مقرها في سياتل في واشنطن- والوزارة الاتحادية الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية. وقد تعهد كلا الممولَين بزيادة تمويلاتهما للبرنامج الحكومي الدولي للزراعة والأمن الغذائي، الذي يوجِّه الأموال من جهات التمويل الدولية إلى صغار المزارعين. صحيح أن لهذا أهميته، لكنه لا يعالج  المشكلة الأهمّ التي كشفت عنها أبحاث تحالف"سيريس 2030"؛ وهي أن أغلب الأبحاث التي تتناول قضايا الجوع، هي أبحاث ذات جدوى محدودة عمليًّا إلى درجة تَحُول دون وضع نهاية لمشكلة الجوع.

وتحتاج الهيئات البحثية الوطنية بدورها إلى الانتباه إلى هذه المسألة، فهذه الهيئات تمثل المصدر الرئيس لتمويل الباحثين في الجامعات. وتحقيق أهداف التنمية المستدامة فيما يخص القضاء على الجوع سيستلزم زيادة حجم مشاركة أصحاب الحيازات الصغيرة وأُسَرهم في الأبحاث بما يوازي عشرة أضعاف حجمها الحالي، فلطالما أُهمِلَت احتياجاتهم، ومن ثم أُهمِلت سبل القضاء على الجوع الذي يعانونه.

References

  1. Laborde, D., Porciello, J. & Smaller, C. Ceres2030: Sustainable Solutions to End Hunger (Ceres2030, 2020). | article
  2. Nature Plants https://doi.org/10.1038/s41477-020-00795-9 (2020). | article
  3. Bizikova, L. et al. Nature Food https://doi.org/10.1038/s43016-020-00164-x (2020). | article
  4. Liverpool-Tasie, L. S. O. et al. Nature Sustain. https://doi.org/10.1038/s41893-020-00621-2 (2020). | article
  5. Stathers, T. et al. Nature Sustain. https://doi.org/10.1038/s41893-020-00622-1 (2020). | article
  6. Pardey, P. G., Chan-Kang, C., Dehmer, S. P. & Beddow, J. M. Nature 537, 301–303 (2016).  | article