أنباء وآراء

توقعات بانحسار جليدي أسوأ في صفيحة جرينلاند الجليدية

يكشف تقييم انحسار الجليد في صفيحة جرينلاند الجليدية في الماضي، والحاضر، والمستقبل عن أن معدلات انحساره في القرن الواحد والعشرين ستربو بكثير عنها في أي نقطة زمنية سالفة على مدار 11,700 عام مضت.

آندي أشواندن
  • Published online:
الشكل 1: أنهار من ماء الجليد المنصهر تشق طريقها وسط صفيحة جرينلاند الجليدية.

الشكل 1: أنهار من ماء الجليد المنصهر تشق طريقها وسط صفيحة جرينلاند الجليدية.

Credit: Sean Gallup/Getty

يستمر ذوبان الجليد في صفيحة جرينلاند الجليدية بمعدل متزايد، بسبب ارتفاع درجة حرارة الهواء والمحيطات2،1. ويؤدي ذوبان جليد الصفيحة حاليًّا إلى تزايُد المتوسط العالمي لمنسوب سطح البحر بما يقرب من 0.7 ملِّيمتر سنويًّا؛ (انظر: go.nature.com/3mrkuw8)، لكنّ توقعات النماذج المناخية3 تشير إلى احتمالية وصول هذا المعدل إلى ما بين 2 و7 ملِّيمتر سنويًّا بحلول عام 2100. وعلى الرغم من ذلك، لم يسبق تقييم المعدلات المرصودة والمتوقعة لذوبان الصفيحة الجليدية في سياق التغيرات الطبيعية التي تطرأ عليها. وفي بحث نُشر مؤخرًا في دورية Nature، أسنَد برينر وآخرون4 هذه الفجوة المعرفية إلى محاكاة تطوُّر صفيحة جرينلاند الجليدية خلال عصر الهولوسين؛ أي على مدار 11,700 عام مضت. ويوضح الباحثون أنه على الرغم من أن معدلات الذوبان الحالية في الصفيحة الجليدية تضاهي أعلى معدلات الذوبان بها خلال عصر الهولوسين، فمِن المرجّح أن تزداد تلك المعدلات في المستقبل.

ويحدث الانحسار الحالي لحواف الصفيحة الجليدية بفعل انحسار قنوات الأنهار الجليدية الكبيرة، التي تنتهي بأودية خِلالية ضيقة تُنقص الأجزاء الداخلية من الصفيحة تدريجيًّا. وينتج هذا الانحسار عن ارتفاع درجة حرارة المحيطات، وسيستمر في لعب دور رئيس في فقدان الكتلة الجليدية بالصفيحة في القرن الواحد والعشرين3. بيد أن تدفق قنوات الأنهار الجليدية محكومٌ بالتكوين الهندسي للقنوات البحرية السفلية التي تمتد إلى حوالي 100 كيلومتر فقط في الأجزاء الداخلية للأنهار الجليدية الكبرى بالصفيحة. وهكذا، فإن مساحة الجزء الذي يتصل بالمحيط من الصفيحة الجليدية أقل بكثير من مساحة الجزء المعرّض للغلاف الجوي (الشكل 1). وعليه، فعلى مدار آلاف السنين، كان تأثير الظروف الجوية، مثل التغيرات في هطْل الأمطار ودرجة حرارة الهواء، على مساحة الجليد بالصفيحة أكثر أهمية من تأثير انحسار الأنهار الجليدية المحيطية.

ولحساب مقدار تزايُد الجليد أو فقده سنويًّا خلال عصر الهولوسين، كانت الدراسات السابقة تعتمد عادةً على تقدير درجات حرارة الهواء السابقة من النسب القياسية (يرمز إليها بالرمزδ18O) لوفرة النظيرين المستقرين أكسجين-18، وأكسجين-16 في جزيئات المياه التي تشكل العينات اللُّبّية الجليدية. ولأن المياه التي تحتوي على نظير الأكسجين المستقر 18O، تتبخر بسرعة أقل، وتتكثف بصورة أسهل من تلك التي تحتوي على نظير الأكسجين المستقر 16O، يمكن أن نستدلّ من خلال النسب القياسية لهذين النظيرين على درجة حرارة الهواء في الأوقات التي كانت تتساقط فيها الثلوج. وبعدها، يمكن استخدام نهج بسيط للتوفيق بين نماذج درجة حرارة الهواء في الماضي، ومعدلات هطْل الأمطار في الوقت الحالي؛ للوقوف على معدلات الهطْل في الماضي.

لكنّ برينر وزملاءه استخدموا نهجًا مختلفًا؛ فبدلًا من الاعتماد فقط على نماذج مناخية قائمة على النسب القياسية لهذين النظيرين، استعانوا بسجلات تاريخية للمناخ، نُشرت خلال هذا العام5، وجرى التوصل إليها من خلال الجمع بين نموذج مناخ يَعتمِد على محاكاة النسب القياسية للنظيرين، وقياسات سُمْك الصفيحة الجليدية المأخوذة من عينات جليدية لُبِّية. ويَحسِب نموذج المناخ هذا الذي استخدمه الباحثون التغيرات في معدلات الهطْل، استجابةً للتغيرات في شكل الصفيحة الجليدية، ويوفر تصورًا لمعدلات الهطْل بشكل أفضل من الاكتفاء باستخدام نهج التوفيق بين نماذج درجة حرارة الهواء في الماضي، ومعدلات هطْل الأمطار في الوقت الحالي.

استخدم المؤلفون هذه السجلات التاريخية في وضع نموذج لتطور غرب الجنوب الغربي من الصفيحة الجليدية باستبانة مكانية عالية إلى حدّ يكفي للكشف عن العمليات الفيزيائية الرئيسة هناك. وقد وقع اختيارهم على هذه المنطقة الصغيرة نسبيًّا لسببين؛ أولهما أن تقليل مساحة المنطقة الخاضعة للدراسة يقلل من التكاليف الحسابية التي تكون مرتفعة في حالة النمذجة باستبانة عالية. ثانيًا، يقع هذا الجزء من الصفيحة الجليدية فوق اليابسة؛ وهو ما يجعل وضع نموذج لتطوره أكثر سهولة، لأن الحدود البحرية تضيف بُعدًا آخر من التعقيد. ويُعتقد أن هذه المنطقة تمثل الصفيحة الجليدية بالكامل6، لكننا في انتظار تأكيد الأبحاث المستقبلية لذلك.

وباستخدام هذا النموذج، حدّد برينر وآخرون سلسلة زمنية للتغيرات التي طرأت على الحواف الجليدية للصفيحة الجليدية، تبدأ من 11,700 عام مضت، وصولًا إلى عام 2100. وبالنظر إلى الماضي، وجد المؤلفون أن الصفيحة الجليدية في غرب الجنوب الغربي قد انحسرت شرقًا بين 12 ألف عام، و7000 عام مضت، وبعدها كانت التغيرات التي طرأت عليها بمرور الزمن بسيطة. وفي ذروة انحسار الجليد بالصفيحة، كانت تتضاءل بمعدل يصل إلى 6000 جيجاطن كل 100 عام. وتشير السلسلة الزمنية للتغيرات التي طرأت على الصفيحة إلى أن معدل انحسار الجليد بها اليوم يضاهي ذاك المعدل؛ إذ يبلغ حوالي 6100 جيجاطن لكل 100 عام، لكن الأسوأ لم يأتِ بعد؛ فمن المتوقع أن يتراوح معدل انحسار الصفيحة الجليدية في القرن الواحد والعشرين بين 8800 و35,900 جيجاطن، استنادًا إلى معدلات الزيادة في تركيز غازات الدفيئة في الغلاف الجوي بمرور السنوات (الشكل 2). وقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع مستوى سطح البحر ارتفاعًا يتراوح بين سنتيمترين، و10 سنتيمترات بحلول عام 2100.

الشكل 2: انحسار الجليد في صفيحة جرينلاند الجليدية في الماضي والحاضر والمستقبل. وَضَعَ برينر وزملاؤه4نموذجًا للتغيرات في الكتلة الجليدية في غرب الجنوب الغربي بصفيحة جرينلاند الجليدية منذ 11700 عام مضت إلى عام 2100، ووجدوا أن انخفاض هذه الكتلة الجليدية قد حدث بوتيرة ثابتة نسبيًّا بين 11700 و7000 عام مضت، ثم وصل إلى ذروته عند معدل يبلغ حوالي 6000 جيجاطن لكل مائة عام. وقد تضاءلت معدلات انحسار الجليد بعد ذلك إلى أن ارتفعت في العصر الحديث. ففي عصرنا الحالي، تنخفض الكتلة الجليدية بمعدل يقارب 6100 جيجاطن لكل 100 عام، غير أن المؤلفين يتوقعون أن معدلات انحسار الجليد ستتزايد أيضًا بشكل هائل في المستقبل، لتكون قد وصلت إلى معدل يتراوح بين 8800 جيجاطن (النقطة الزرقاء)، و35,900 جيجاطن (النقطة الحمراء) لكل 100 عام بحلول 2100. ويمثل الخط الرمادي في الشكل النسب المتوسطة في جميع عمليات المحاكاة التي أجراها المؤلفون.

الشكل 2: انحسار الجليد في صفيحة جرينلاند الجليدية في الماضي والحاضر والمستقبل. وَضَعَ برينر وزملاؤه4نموذجًا للتغيرات في الكتلة الجليدية في غرب الجنوب الغربي بصفيحة جرينلاند الجليدية منذ 11700 عام مضت إلى عام 2100، ووجدوا أن انخفاض هذه الكتلة الجليدية قد حدث بوتيرة ثابتة نسبيًّا بين 11700 و7000 عام مضت، ثم وصل إلى ذروته عند معدل يبلغ حوالي 6000 جيجاطن لكل مائة عام. وقد تضاءلت معدلات انحسار الجليد بعد ذلك إلى أن ارتفعت في العصر الحديث. ففي عصرنا الحالي، تنخفض الكتلة الجليدية بمعدل يقارب 6100 جيجاطن لكل 100 عام، غير أن المؤلفين يتوقعون أن معدلات انحسار الجليد ستتزايد أيضًا بشكل هائل في المستقبل، لتكون قد وصلت إلى معدل يتراوح بين 8800 جيجاطن (النقطة الزرقاء)، و35,900 جيجاطن (النقطة الحمراء) لكل 100 عام بحلول 2100. ويمثل الخط الرمادي في الشكل النسب المتوسطة في جميع عمليات المحاكاة التي أجراها المؤلفون.

كبر الصورة

ونظرًا إلى أن التوقعات الدقيقة لانحسار الجليد في صفيحة جرينلاند وصفيحة القارة القطبية الجنوبية في المستقبل لها أهمية مجتمعية كبرى، فمن المهم أن نتساءل عن مدى دقة النموذج الذي وضعه المؤلفون. وتُعَد المطابقة التاريخية إحدى الوسائل الجيدة لتقييم دقة النماذج؛ حيث يُختبر النموذج بإدخال بيانات حول أحداث تاريخية معروفة، أو حظيت بتقدير تقريبي لنرى إلى أي مدى تتطابق نتائج النموذج مع الملاحظات السابقة. وقد طبّق برينر وزملاؤه هذا النهج، وأوضحوا أن تقديراتهم لعصر الهولوسين تتفق مع بيانات النمذجة الجيولوجية المنشورة مؤخرًا لأماكن الحواف الجليدية لصفيحة جرينلاند في غرب الجنوب الغربي في عصر الهولوسين7.

ويظل وضْع تصور دقيق لانحسار الجليد في العصر الحديث تحديًا صعبًا، لكنه ضروري لوضع تنبؤات موثوقة بشأن تأثير التغيرات المستقبلية في صفيحة جرينلاند على زيادة مستوى سطح البحر. فالنموذج الذي يبخس تقدير انحسار الجليد اليوم سيبخس -على الأرجح- أيضًا تقديره في المستقبل. ومع أن برينر وزملاءه يوضحون أنه يمكن لنموذجهم تتبُّع أماكن الحواف الجليدية للصفيحة خلال عصر الهولوسين، يجب أن تثبت الأبحاث المستقبلية أن النموذج قادر أيضًا على وضع تصور دقيق لانحسار الجليد في العصر الحديث، بل يجب في الواقع تقييم أي نماذج مستخدَمة لتقدير انحسار الجليد في المستقبل على أساس مدى مطابقتها للملاحظات التاريخية والمعاصِرة معًا.

وبفضل العمل الذي قام به برينر وزملاؤه، أصبحنا الآن أقرب إلى وضع تنبؤات دقيقة وموثوقة لانحسار الجليد في صفيحة جرينلاند الجليدية، حيث يتزايد يقيننا أيضًا الآن بأننا سنشهد معدلات غير مسبوقة لانحسار الجليد في صفيحة جرينلاند الجليدية، ما لم يحدث انخفاض كبير في انبعاثات غازات الدفيئة.  

References

  1. Hanna, E. et al. J. Clim. 21, 331–341 (2008).| article
  2. Holland, D. M., Thomas, R., de Young, B., Ribergaard, M. H. & Lyberth, B. Nature Geosci. 1, 659–664 (2008). | article
  3. Aschwanden, A. et al. Sci. Adv. 5, eaav9396 (2019). | article
  4. Briner, J. P. et al. Nature 586, 70–74 (2020). | article
  5. Badgeley, J. A., Steig, E. J., Hakim, G. J. & Fudge, T. J. Clim. Past Discuss. https://doi.org/10.5194/cp-2019-164 (2020).| article
  6. Vaughan, D. G. & Arthern, R. J. Science 315, 1503–1504 (2007). | article
  7. Lesnek, A. J., Briner, J. P., Young, N. E. & Cuzzone, J. K. Geophys. Res. Lett. 47, e2019GL083164 (2020). | article

يعمل أندي أشواندن في معهد الجيوفيزياء في جامعة ألاسكا فيربانكس، مدينة فيربانكس، ألاسكا 99775، الولايات المتحدة.

البريد الإلكتروني: aaschwanden@alaska.edu