أخبار

مَن سيحصل على لقاح «كوفيد-19» أولًا؟ 

الفِرَق الاستشارية حول العالم تُصدِر توجيهات تمنح الأولوية للعاملين في مجال الرعاية الصحية، وغيرهم من الفئات التي تتقدَّم الصفوف في مجابهة الجائحة.

نيدهي سبارامان

  • Published online:
تضع الدول الخطط لتحديد آلية توزيع اللقاحات المضادة لفيروس كورونا عند الانتهاء من إعدادها.

تضع الدول الخطط لتحديد آلية توزيع اللقاحات المضادة لفيروس كورونا عند الانتهاء من إعدادها.

Natalia Kolesnikova/AFP/Getty

سواءٌ استغرق إعداد اللقاح المضاد لفيروس كورونا بضعة أسابيع، كما ألمح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أم شهورًا، مثلما يتوقع أغلب خبراء الرعاية الصحية، فقد باتت إجازة اللقاح المنتظَر أمرًا وشيكًا، غير أن لقاحًا كهذا لن يكون متوفرًا بالقدر الكافي في بادئ الأمر، في الوقت الذي سيكون فيه المصنِّعون منهمكين في العمل على رفع الإنتاج. وبالنظر إلى أن الجائحة تُعرِّض حياة الملايين للخطر يوميًّا، ومنهم العاملون في مجال الرعاية الصحية، وكبار السن، ومَن يعانون أمراضًا مزمنة، فلا بد من طرح هذا السؤال: مَن ينبغي أن يحصل على اللقاح أولًا؟

كان فريق استشاري استراتيجي، يتبع منظمة الصحة العالمية، قد قدَّم في شهر سبتمبر الماضي توجيهات أولية تتعلق بعمليات توزيع اللقاح حول العالم، محدِّدًا الفئات التي ينبغي منحها الأولوية. تُضاف هذه التوصيات إلى مشروع خطة، صاغته لجنة شَكَّلَتْها الأكاديميات الوطنية الأمريكية للعلوم والهندسة والطب (NASEM)، وصدرت في وقت سابق من الشهر ذاته.

وقد أشاد الخبراء بكلتا الخطتين؛ إذ تتناولان النطاق التاريخي والدراسات الوبائية التي أجريت حول جائحة كورونا. كما أثنوا على حرص الأكاديميات الوطنية على عدم استبعاد جماعات الأقليات العرقية والإثنية من توجيهاتها؛ لا سيما أن مرض "كوفيد-19" COVID-19 قد أوقع بتلك الجماعات أضرارًا بالغة. وقد تحقق ذلك من خلال التعرض للعوامل الاجتماعية والاقتصادية التي عرَّضت تلك الجماعات لأخطار المرض. وفي المقابل، يرى آخرون أن خطة منظمة الصحة العالمية يلزمها مزيد من التفاصيل؛ حتى تصبح توصياتها قابلة للتنفيذ.

يقول إريك تونر، الطبيب المتخصص في طب الطوارئ، وخبير الجوائح الذي أجرى تخطيطًا مماثلًا بمركز جونز هوبكنز للأمن الصحي في مدينة بالتيمور بولاية ميريلاند: "من الضروري أن تكون لدينا مجموعات بحثية مختلفة، لإمعان النظر في هذه المشكلة". وعلى الرغم من أن الخطط تختلف فيما بينها إلى حد ما، يرى تونر أن ثمة مساحة اتفاق واسعة، مُعلقًا بقوله: "إنه لأمر عظيم أن يكون هناك إجماع على هذه القضايا".

على رأس القائمة

تقتصر توجيهات منظمة الصحة العالمية في هذه المرحلة على إدراج الفئات التي لها الأولوية في الحصول على اللقاح. أما خطة الأكاديميات الوطنية، فتذهب إلى أبعد من ذلك؛ إذ تصنف الفئات ذات الأولوية وفق ترتيب معيَّن، يحدد مَن ينبغي له الحصول على اللقاح أولًا.

وحسب مشروع خطة الأكاديميات الوطنية، تكون أولوية تلَقّي اللقاح للعاملين في مجال الرعاية الطبية، تليهم فئات الأشخاص الأكثر عُرضة لأخطار المرض، ومن بينهم كبار السن ممن يقيمون في أماكن مزدحمة، والمرضى الذين يعانون أمراضًا متعددة في الوقت ذاته، مثل أمراض القلب الخطيرة، أو مرض السكري؛ وهي أمراض تجعل إصابتهم بعدوى "كوفيد-19" أكثر خطورة.

كما تمنح الخطة أولوية للعاملين في القطاعات الحيوية، مثل النقل العام، حيث إنّ وظائفهم تفرض عليهم مخالطة أشخاص كثيرين. والأمر نفسه يصدُق على الأشخاص المقيمين في أماكن مزدحمة بعينها، مثل السجون، وملاجئ المشردينن على سبيل المثال، فهؤلاء ممن لهم الأولوية في الحصول على اللقاح.

وتجدُر الإشارة إلى أن دولًا عدَّة تمتلك بالفعل خططًا عامة لتوزيع اللقاح، غير أن تلك الخطط مُصمَّمة للتعامل مع جائحة الإنفلونزا، لا عدوى فيروس كورونا الجديد. وعادة ما تضع هذه الخطط الأطفال والنساء الحوامل على رأس قائمة الأولويات، بينما لا يكون الأمر كذلك في حالة خطط "كوفيد-19"، إذ لا تشمل غالبية تجارب اللقاحات حاليًّا السيدات الحوامل، فضلًا عن أن فيروس كورونا -فيما يبدو- أقل فتكًا بالأطفال، مقارنة بالإنفلونزا.

وعلى خلاف ما تذهب إليه توجيهات الأكاديميات الوطنية، تشير خطة منظمة الصحة العالمية إلى ضرورة تلقِّي زعماء الدول ورؤساء الحكومات اللقاح مبكرًا، على أن يكون إعطاء الأولوية إلى هذه الفئة "مقيدًا، بحيث لا تشمل سوى عدد ضئيل من الأشخاص".

وتقول روث فادن، عالمة الأخلاقيات البيولوجية بمعهد برمان للأخلاقيات البيولوجية بجامعة جونز هوبكنز في مدينة بالتيمور، التي شاركت في صياغة مشروع توجيهات منظمة الصحة العالمية: "كنا نخشى من إمكانية أن تشكل هذه الفئة ثغرة ينفُذُ منها عدد كبير من الأشخاص الذين يُنظر إليهم باعتبارهم "شخصيات نافذة"، ومن ثم يتمكنون من الدفع بأنفسهم إلى مقدمة الصفوف".

الفئات الأكثر تضررًا

تتناول كلتا الخطتين مسألة وصول اللقاح إلى الفئات المعُوزة. وبالنظر إلى الإخفاقات الماضية، تحث توجيهات منظمة الصحة العالمية الدول الأكثر ثراءً على ضمان حصول الدول الأشد فقرًا على اللقاح في أيام التوزيع الأولى. فإبان جائحة إنفلونزا الخنازير H1N1، في عام 2009، و"بحلول الوقت الذي توصل فيه العالَم إلى كيفية توصيل اللقاح إلى بعض الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، كانت الجائحة قد انقشعت بالفعل"، حسبما تقول فادن.

غير أن مقترح منظمة الصحة العالمية لم يطرح بعد حلًّا من شأنه مساعدة الدول على حسم الخلاف الذي قد ينشأ حول توزيع اللقاحات داخل الدولة الواحدة من ناحية، وفيما بين الدول وبعضها من ناحية أخرى، على حد قول آنجس داوسون، عالِم الأخلاقيات البيولوجية بجامعة سيدني بأستراليا، الذي نشر في وقتٍ سابق من هذا العام عرضًا لأخلاقيات توزيع اللقاحات على المستوى الوطني أثناء تفشي الجوائح (J. H. Williams and A. DawsonBMC Med. Ethics 21, 40; 2020). وبعبارة أخرى، هل ينبغي أن تحصل الدول الأكثر تضررًا على حصة أكبر من أحد اللقاحات التي تصدر مبكرًا، قبل أن يُتاح للدول الأخرى إعطاء اللقاح للفئات ذات الأولوية القصوى لديها؟

كانت المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)، وهي الجهة المسؤولة عن وضع خطة الحكومة الأمريكية للتطعيم ضد مرض "كوفيد-19"، وكذلك معاهد الصحة الوطنية بالولايات المتحدة الأمريكية، المنوط بها تنسيق تجارب اللقاحات والعلاجات، قد طالبتا الأكاديميات الوطنية بطرح خطتها الخاصة بتوزيع اللقاحات. والملاحَظ أن مسؤولي الهيئتين آنفتي الذكر عندما حثُّوا الأكاديميات الوطنية على تقديم خُطتها المقترحة، طالبوا بأن يتناول التقرير كيفية إعطاء أولوية التطعيم إلى "الفئات السكانية المعرضة لدرجة مخاطر عالية"، ومن بينها "الجماعات العرقية والإثنية" التي تضرَّرت من تفشي مرض "كوفيد-19"، ومُنيَتْ بحصيلة وفيات أكبر من غيرها من الفئات السكانية في الولايات المتحدة، وعلى نحوٍ لا يتناسب مع أعداد الإصابات. وخلصت اللجنة إلى أن عُرضة هذه الفئات لأخطار المرض إنما ترجع -في الأساس- إلى أسباب اجتماعية واقتصادية تتعلق بما يُمارَس ضدها من عنصرية ممنهجة؛ فعلى سبيل المثال، يشغل الأشخاص الذين ينتمون إلى هذه الفئات وظائف عالية المخاطر، كما يعيشون في مناطق يرتفع بها منسوب المخاطر أيضًا. ومن هنا كان حرص الفريق على التجاوب مع الطلب من هذا المنظور، دون تمييز بين الفئات على أساس الهوية.

وتقول هيلين جايل، الرئيسة والمديرة التنفيذية لصندوق شيكاجو المجتمعي في إلينوي، التي تشارك كذلك في رئاسة لجنة الأكاديميات الوطنية التي صاغت مشروع المقترح: "نسعى جاهدين إلى ضمان إعطاء أولوية تلقِّي اللقاح إلى الأفراد الملونين، الذين تضرَّروا من الجائحة بشكلٍ غير متناسب؛ أخذًا بعين الاعتبار العوامل التي تجعلهم أكثر عُرضة للخطر، لا من أجل التركيز على تكوينهم العرقي والإثني فحسب".

وترى فادن أن التوصيات تقرّ بوجاهة التركيز الحالي على الظلم العرقي في الولايات المتحدة، قائلة: "كنت أقرأ التقرير، بحثًا عن إجابةٍ لهذا السؤال: هل يتجاوب التقرير مع الواقع الثقافي الراهن في الولايات المتحدة، وهل يتعرض للعنصرية وغيرها من الأشكال الأخرى من عدم المساواة الهيكلية؟ وقد رأيت أنه يتصدى لهذه القضايا حقًّا".

ومن المقرر أن يواصل الفريق الاستشاري الاستراتيجي التابع للأمم المتحدة تحديث توجيهاته، بهدف وضع ترتيب للفئات ذات الأولوية في المقام الأول، ثم لاستقاء بيانات حقيقية من تجارب اللقاحات، مثل مدى تأثير لقاح معين على كبار السن. وعقب إصدار لجنة الأكاديميات الوطنية في الولايات المتحدة الخطة في نسختها النهائية، في شهر أكتوبر، أخذت المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها هذه التوصيات -وغيرها- بعين الاعتبار عند وضع خطتها الخاصة بتوزيع اللقاحات في البلاد، المُزمَع صدورها قبل نهاية العام الجاري.

ستكون هذه هي التوجيهات التي يتعيَّن على إدارات الصحة العامة والأطباء والصيدليات في كافة أنحاء الولايات المتحدة اتباعها عند توزيع اللقاحات؛ وذلك بافتراض أن أحد اللقاحات قد ثبت أنه آمِن، وأن الأشخاص راغبون في الحصول عليه.

وقد رأينا كيف أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان يدفع باتجاه الانتهاء من إعداد اللقاح بحلول شهر نوفمبر، أي في الوقت المحدد للانتخابات الرئاسية، ولكن إذا ترسَّخ انطباع مفاده أن اللقاح قد أُعد على عجل، فمن شأن ذلك أن يقوض الثقة فيه من الأصل، حسبما تقول ساندرا كراوز كوين، عالمة السلوك بمركز العدالة الصحية بجامعة ميريلاند في مدينة كوليدج بارك. فقد يترتب على ذلك أن تصبح خطط توزيع اللقاحات أقل فاعلية.