أنباء وآراء

التخليق التجميعي يحفّز عمليات جزيئية شبيهة بلُعبة جوجيتسو

تتسبّب إحدى آليات المقاوَمة القديمة في حدوث مشكلةٍ عند استخدام المضادات الحيوية من فئة ستربتوجرامين. وباستخدام نهج تجميعي لتخليق العقاقير، استفاد الباحثون من هذه الآلية لإنتاج مضاد حيوي يتفادى تطوير المقاومة. 

دانييل جيه بلير - مارتن دي بورك
  • Published online:

المقاوَمة التي تطوِّرها الكائنات الدقيقة للمضادات الحيوية هي مشكلة قائمة منذ مليارات السنين، لكننا لا نملك من الوقت ما يماثل ذلك الزمن المنصرِم، لنضع حلّا لها2،1. وأحد الوسائل التي يمكن اتباعها للإسراع من وتيرة البحث عن حلول لهذه المشكلة أن نستفيد من الإبداع البشري والعلوم الحديثة في التصميم الواعي لبدائل يمكنها تفادي المقاوَمة من جزيئات المضادات الحيوية المتكونة بشكل طبيعي4،3. وبكل أسف.. عادةً ما يتطلب الأمر تخليق هذه الجزيئات من الصفر، باستخدام سلاسل طويلة ومخصّصة من تفاعلات تكون بطيئة للغاية، وغير عملية عند الإنتاج على نطاق واسع. في بحث نُشر مؤخرًا في دورية Nature، يوضح لي وزملاؤه5 كيف أن التخليق التجميعي لمضاد بكتيريا معقّد التركيب، ومعروف باسم "فيرجينيامايسين إم2" virginiamycin M2 (VM2)، اعتمادًا على وحدات بناء جزيئية متبادَلة، قد أدى إلى تحضير مشتقات غير مسبوقة للمضاد الحيوي "فيرجينيامايسين إم2"، ومن ثمّ أتاح إمكانية الإنتاج الواعي لنوع من المضادات الحيوية يستطيع الإفلات من آلية قديمة للمقاوَمة.

ينتمي "فيرجينيامايسين إم2" إلى مجموعة المضادات الحيوية المعروفة باسم استربتوجرامينات، التي تنقسم إلى المجموعتين “إيه" A، و"بي" B. تعمل المجموعتان معًا لتثبيط تخليق البروتين البكتيري، عن طريق الارتباط بمواقع تكميلية في المركز الحفاز للريبوسوم البكتيري (الآلية الجزيئية التي تنسّق عمليات تخليق البروتين). ترتبط المجموعة "إيه" من الاستربتوجرامنيات، مثل "فيرجينيامايسين إم2"، بجزء من الريبوسوم يسمَّى مركز ناقلة الببتيديل (PTC)، وتحفّز ارتباط المجموعة “بي" من الاستربتوجرامينات بمنطقة النفق المجاورة، التي تخرج منها البروتينات المتكونة.

يُحتمل أن تكون إحدى الآليات الرئيسة للمقاوَمة البكتيرية لهذا المضاد الحيوي القوي، التي توجه له ضربة إثر أخرى، قد نشأت بالتوازي مع الاستربتوجرامينات، التي تكون على هيئة إنزيمات ناقلة للأسيتيل من عائلة مركبات الفيرجينيامايسين من النوع "إيه" (إنزيمات VatA). تُعَطّل هذه الإنزيمات نشاط المجموعة “إيه" من الاستربتوجرامينات، عن طريق نقل مجموعة أسيتيل (COOH3-) إلى مجموعة كحول (OH-) متصلة بمكان محدد في المضادات الحيوية، يسمى موضع ذَرّة الكربون رقم 14 C14)6). وتؤدي إضافة مجموعة الأسيتيل إلى ظهور نتوء جزيئي يشتبك مع الحمض النووي الريبوزي المرتبط بالريبوسوم في مركز ناقلة الببتيديل، ويعترض نشاط المضاد الحيوي (شكل 1).

شكل 1. التغلب على آلية مقاوَمة العقاقير. أ) ترتبط المضادات الحيوية، المعروفة باسم المجموعة "إيه" A من الاستربتوجرامينات، بمكان في ريبوسوم البكتيريا (الآلية الخلوية لتخليق البروتينات)، ومن ثمّ تثبط النشاط الريبوسومي، وتقتل البكتيريا. ب) يضيف الإنزيم البكتيري المسمى الإنزيم الناقل للأسيتيل من عائلة مركبات الفيرجينيامايسين من النوع "إيه" " (VatA) نتوءًا (مجموعة أسيتيل) جزيئيًّا إلى الاستربتوجرامينات عند موضع محدد. ويؤدي ذلك إلى منع المضادات الحيوية المعدّلة من الارتباط بريبوسوم البكتيريا، ومن ثمّ إحداث مقاوَمة العقار. ج) استعان لي وزملاؤه5 باستراتيجية تجميعية في تخليق استربتوجرامينات، للتوصل إلى جزيء يحاكي الآلية المشار إليها في الخطوة ب، لتفادي مقاوَمة البكتيريا للعقار. وإضافة النتوء (مجموعة أليل) عند موضع آخَر في المضاد الحيوي يمنع الارتباط بالإنزيم الناقل للأسيتيل من عائلة مركبات الفيرجينيامايسين من النوع "إيه"، ومن ثمّ يَحُول دون إضافة مجموعة الأسيتيل المسببة للمقاوَمة، لكنه لا يمنع الارتباط بالريبوسوم.

شكل 1. التغلب على آلية مقاوَمة العقاقير. أ) ترتبط المضادات الحيوية، المعروفة باسم المجموعة "إيه" A من الاستربتوجرامينات، بمكان في ريبوسوم البكتيريا (الآلية الخلوية لتخليق البروتينات)، ومن ثمّ تثبط النشاط الريبوسومي، وتقتل البكتيريا. ب) يضيف الإنزيم البكتيري المسمى الإنزيم الناقل للأسيتيل من عائلة مركبات الفيرجينيامايسين من النوع "إيه" " (VatA) نتوءًا (مجموعة أسيتيل) جزيئيًّا إلى الاستربتوجرامينات عند موضع محدد. ويؤدي ذلك إلى منع المضادات الحيوية المعدّلة من الارتباط بريبوسوم البكتيريا، ومن ثمّ إحداث مقاوَمة العقار. ج) استعان لي وزملاؤه5 باستراتيجية تجميعية في تخليق استربتوجرامينات، للتوصل إلى جزيء يحاكي الآلية المشار إليها في الخطوة ب، لتفادي مقاوَمة البكتيريا للعقار. وإضافة النتوء (مجموعة أليل) عند موضع آخَر في المضاد الحيوي يمنع الارتباط بالإنزيم الناقل للأسيتيل من عائلة مركبات الفيرجينيامايسين من النوع "إيه"، ومن ثمّ يَحُول دون إضافة مجموعة الأسيتيل المسببة للمقاوَمة، لكنه لا يمنع الارتباط بالريبوسوم. 

كبر الصورة

جرت عدة محاولات لتحضير مشتقات من المجموعة “إيه" من الاستربتوجرامينات، لها القدرة على تجنُّب آلية تعطيل النشاط المشار إليها7، لكن في جميع تلك المحاولات، كانت المشتقات تقتصر على تلك الأنواع التي يمكن تحضيرها من المنتَج الطبيعي نفسه، من خلال عملية تسمَّى التخليق الجزئي، كما تبيّن أنها ليست مقاوِمة للتثبيط الذي يحدث بواسطة الإنزيمات الناقلة للأسيتيل من عائلة مركبات الفيرجينيامايسين من النوع "إيه" . وقد طوّر باحثون من فريق لي وزملائه -في وقت سابق8- عملية تخليق تجميعي للمضاد الحيوي "فيرجينيامايسين إم2"، لتحفيز التصميم غير المشروط للبدائل الجزيئية. تسمح هذه الاستراتيجية التخليقية، الشبيهة بلعبة "ليجو"، بسهولة تبادل وحدات البناء الجزيئية، ومن ثم الوصول إلى الكثير من المشتقات المستهدَفة.

يُعَد تبنّي هذا الأسلوب التجميعي إحدى الأدوات المهمة للابتكار؛ فنظرًا إلى إمكانية التجميع والاختبار السريع للعديد من المركّبات، يمكن للباحثين تصنيع أي مستحضر يريدونه. وإضافةً إلى ذلك، وعلى عكس التخليق التقليدي للجزيئات الصغيرة، فإن تكلفة الإخفاق هنا ليست كبيرة، ولن تحدث أي مشكلة إذا افتقر أحد المكونات إلى النشاط الحيوي المطلوب، إذ يمكن تحضير الكثير من المكونات الأخرى، ومن ثمّ زيادة احتمالية العثور على جزيئات صغيرة نشطة. استُخدِمت استراتيجيات البناء التجميعي من قبل في النظم المؤتمتة، لصناعة بوليمرات حيوية، مثل الببتيدات، والأحماض النووية قليلة النيوكليوتيدات، والسكريات قليلة الوحدات. واستخدام هذه الطريقة التجميعية في تخليق الجزيئات الصغيرة معقدة التركيب (مثل الجزيئات التي حضّرها لي وزملاؤه) يمثل خطوة واعدة نحو تعميم فكرة التخليق التجميعي للجزيئات الصغيرة على نطاق أوسع9.

في الدراسة الحالية، وبسبب عدم وجود قيود على تحضير نظائر مختلفة من المضاد الحيوي "فيرجينيامايسين إم2"، استخدم لي وزملاؤه تقنيات البيولوجيا البنيوية الحديثة لدراسة الأساس الجزيئي لمقاومة المضادات الحيوية التي تسببها الإنزيمات الناقلة للأسيتيل من عائلة مركبات الفيرجينيامايسين من النوع "إيه" . استخدم الباحثون المجهر الإلكتروني فائق البرودة، للحصول على بِنى من المضاد الحيوي "فيرجينيامايسين إم2"، ومن إحدى سلاسل مشتقات المضاد الحيوي "فيرجينيامايسين إم2" المرتبطة بريبوسوم بكتيريا الإِشريكية القولونية Escherichia coli. أظهرت تلك البِنى أن هذه المركّبات ترتبط بمركز ناقلة الببتيديل، مثلما كان متوقعًا، وأنه على الرغم من أن مجموعة الكحول عند ذَرّة الكربون رقم 14 (الموضع الذي يضاف عنده الأسيتيل بواسطة الإنزيمات الناقلة للأسيتيل من عائلة مركبات الفيرجينيامايسين من النوع "إيه") تشترك في تفاعلات رئيسة مع مكونات الريبوسوم القريبة منها، فإن إحدى مجموعات الميثيل (CH3) الموجودة في موضع مختلف في المركّبات نفسها (موضع ذَرّة الكربون رقم 4)، لا تدخل في هذه التفاعلات.

تشير البِنية البلورية المكتشَفة سابقًا10 لموضع الارتباط في الإنزيمات الناقلة للأسيتيل من عائلة مركبات الفيرجينيامايسين من النوع "إيه"  إلى أن مجموعة الميثيل عند ذَرّة الكربون رقم 4 تُكوّن تفاعلات ارتباط وثيقة مع الإنزيم، وهو ما دفع لي وزملاءه للتنبؤ بشكل الاشتباكات الجزيئية على نحو شبيه بلعبة "جوجيتسو"؛ حيث تُقلَب فيها استراتيجية المقاوَمة للإنزيمات الناقلة للأسيتيل من عائلة مركبات الفيرجينيامايسين من النوع "إيه"  من خلال عمل نتوء جزيئي عند ذَرّة الكربون رقم 4، يمنع ارتباط المضاد الحيوي "فيرجينيامايسين إم2" مع الإنزيمات الناقلة للأسيتيل من عائلة مركبات الفيرجينيامايسين من النوع "إيه"، ومن ثم تخفيف حدّة المقاومة، لكنه -في الوقت نفسه- لا يؤثر سوى تأثير طفيف على ارتباط المضاد الحيوي "فيرجينيامايسين إم2" بالريبوسوم، ومن ثم يُبْقِي على نشاط المضاد الحيوي (الشكل 1).

من الصعب إجراء تغييرات في مجموعة الميثيل عند ذَرّة الكربون رقم 4 عن طريق التخليق الجزئي، لكنه أمر سهل المنال باستخدام النهج التجميعي الذي طبّقه لي وزملاؤه. واستطاع الباحثون تحضير العديد من مشتقات "فيرجينيامايسين إم2"، بما فيها أنواع من نظير أكثر فاعلية، معروف باسم "فلوبرستين" flopristin، واعتُبر من قبل عقارًا مرشحًا في التجارب الإكلينيكية11. وعند إحلال مجموعة ألَيل أكبر حجمًا محل مجموعة الميثيل عند ذَرّة الكربون رقم 4، ظهر مركّب جديد، له فعالية كبيرة ضد مجموعة سلالات بكتيرية مقاوِمة للمضادين الحيويين "فيرجينيامايسين إم2"، و"فلوبرستين"، وتضم جينات مسؤولة عن تشفير الإنزيمات الناقلة للأسيتيل من عائلة مركبات الفيرجينيامايسين من النوع "إيه" ، أو إنزيمات أخرى ذات صلة.

أوضحت دراسات أخرى أُجريت باستخدام المجهر الإلكتروني فائق التبريد أن مجموعة الألَيل عند ذَرّة الكربون رقم 4 لا تعترض ارتباط المركّب بمركز ناقلة الببتيديل في الريبوسوم. الحقيقة أن مجموعة الألَيل تحدّد موضع الارتباط للمجموعة “بي" من الاستربتوجرامينات في نفق الخروج، ويبدو أنها تيسِّر التواصل مع ثلاث نيوكليوتيدات في النفق، لا يصل إليها "فيرجينيامايسين إم2" في الظروف العادية. ويحتمل أن يؤدي ذلك إلى تعزيز قوة تفاعلات الارتباط بين المركّب المحتوِي على الألَيل والريبوسوم، وينبئ باحتمالية إنتاج مركّبات أخرى ذات قدرة أفضل على الارتباط.

حصل لي وزملاؤه أيضًا على صور بالأشعة السينية للبِنية البلورية للمركّب الجديد المرتبط بالإنزيمات الناقلة للأسيتيل من عائلة مركبات الفيرجينيامايسين من النوع "إيه"، وهو ما كشف عن احتمال حدوث تصادم بين مجموعة الألَيل، وراسب حمض أميني (أُطلق عليه اسم "الليوسين 110" Leu 110) في الإنزيم. وبإجراء المزيد من التحليلات البيوكيميائية، تبيّن أنه على الرغم من أن "الفلوبرستين" والمركّب المحتوِي على مجموعة الألَيل يثبطان النشاط الريبوسومي بدرجة كبيرة، فإن هناك انخفاضًا بنسبة 60% في المعدل الذي تضيف به الإنزيمات الناقلة للأسيتيل من عائلة مركبات الفيرجينيامايسين من النوع "إيه" مجموعة أسيتيل إلى المركّب الجديد، مقارنةً بـ"الفلوبرستين". وتقدِّم هذه الدراسات مجتمعةً دليلًا مثيرًا للاهتمام على نجاح الاستراتيجية التجميعية الشبيهة بلعبة "جوجيتسو" التي اتّبعها المؤلفون.

اختبر لي وزملاؤه المركّب المحتوِي على مجموعة الألَيل في فئران مصابة بعدوى بكتيرية مقاوِمة للاستربتوجرامينات. لم يكن هذا المركّب أكثر فاعلية بكثير من "الفلوبرستين" في تثبيط نمو البكتيريا المقاوِمة للمضاد الحيوي "فيرجينيامايسين إم2" فحسب، بل لم تكن هناك حاجة كذلك إلى استخدام المجموعة “بي" من الاستربتوجرامينات. وما زلنا بحاجة إلى الكثير من الدراسات، لتحديد ما إذا كانت هناك إمكانات إكلينيكية للمركّب الجديد، أم لا، لكن هذه النتائج الأولية تمثل نقطة انطلاق مهمّة نحو المزيد من البحث.

توضح دراسة لي وزملائه كيفية الاستفادة من التخليق الكيميائي التجميعي في ابتكار الجزيئات، فضلًا عن أنها تفتح المجال أمام المزيد من عمليات التطوير الواعية للمجموعة “إيه" من الاستربتوجرامينات، التي تخفف من المقاومة التي تسبِّبها الإنزيمات الناقلة للأسيتيل من عائلة مركبات الفيرجينيامايسين من النوع "إيه" ، وتحافظ في الوقت نفسه على قوة فاعلية المضاد الحيوي (انظر: go.nature.com/3huzzej). وبشكل عام، سوف تشجّع هذه الدراسة الباحثين على السعي نحو استخدام الجزيئات الصغيرة المعقدة والتجميعية كأدوات لتوسيع آفاق البيولوجيا الكيميائية، واكتشاف العقاقير.

References

  1. Theuretzbacher, U., Outterson, K., Engel, A. & Karlén, A. Nature Rev. Microbiol. 18, 275–285 (2020). | article
  2. Theuretzbacher, U. et al. Nature Rev. Microbiol. 18, 286–298 (2020). | article
  3. Walsh, C. T. & Wencewicz, T. A. J. Antibiot. 67, 7–22 (2014). | article
  4. Wright, P. M., Seiple, I. B. & Myers, A. G. Angew. Chem. Int. Edn 53, 8840–8869 (2014). | article
  5. Li, Q. et al. Nature 586, 145–150 (2020). | article
  6. Johnston, N. J., Mukhtar, T. A. & Wright, G. D. Curr. Drug Targets 3, 335–344 (2002). | article
  7. Hershberger, E., Donabedian, S., Konstantinou, K. & Zervos, M. J. Clin. Infect. Dis. 38, 92–98 (2004). | article
  8. Li, Q. & Seiple, I. B. J. Am. Chem. Soc. 139, 13304–13307 (2017). | article
  9. Lehmann, J. W., Blair, D. J. & Burke, M. D. Nature Rev. Chem. 2, 0115 (2018). | article
  10. Stogios, P. J. et al. Antimicrob. Agents Chemother. 58, 7083–7092 (2014). | article
  11. Politano, A. D. et al. Curr. Opin. Investig. Drugs 11, 225–236 (2010).  | article

دانييل جيه. بلير، ومارتن دي بورك يعملان في قسم الكيمياء بجامعة إلينوي في إربانا شامبين، إربانا، إلينوي 61801، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: mdburke@illinois.edu