أخبار

لِمَ تثير النتائج الإيجابية للقاح جامعة أكسفورد حيرة العلماء؟ 

تشير البيانات الأولية إلى أن اللقاح كان أكثر فعالية لدى المشاركين الذين حصلوا على جرعات أقل منه.

إوين كالاوي
  • Published online:
تعتمد نتائج لقاح جامعة أكسفورد وشركة "أسترازينيكا" على بيانات جُمعت من البرازيل، والمملكة المتحدة.

تعتمد نتائج لقاح جامعة أكسفورد وشركة "أسترازينيكا" على بيانات جُمعت من البرازيل، والمملكة المتحدة. 

Felix Dlangamandla/Beeld/GalloImages/Getty

جاءت نتائج التجارب الجارية على لقاح مضاد لـ"كوفيد-19"، ارتُقب بلهفةٍ صدوره، باعثة على الأمل، والحيرة في الوقت نفسه، إذ تَبيَّن أن هذا اللقاح، الذي طورته جامعة أكسفورد في المملكة المتحدة بالتعاوُن مع شركة المستحضرات الصيدلانية العملاقة "أسترازينيكا" AstraZeneca يتسم بفعالية تصل -في المتوسط- إلى 70%، وذلك في تحليل أوَّلِي لبيانات المرحلة الثالثة من التجارب الإكلينيكية عليه، حسبما صرحت الجهتان القائمتان على تطويره في بيان صحفي في الثالث والعشرين من نوفمبر.

وقد ألقى التحليلُ الضوءَ كذلك على اختلاف جليّ ومدهش في مدى فعالية اللقاح مع اختلاف المقدار الذي تلَقّاه المشاركون في التجارب منه. فقد تبين أن فعالية نظام جرعات يتألف من جرعتين كاملتين من اللقاح، يفصل بينهما شهر، قد بلغت 62%، لكنّ المثير للعجب أن المشاركين الذين تلَقَّوا مقدارًا أقل من اللقاح في الجرعة الأولى، ثم تلَقَّوا الجرعة الثانية منه كاملة قَلَّت احتمالات إصابتهم بالمرض بنسبة تبلغ 90%، مقارنة بمجموعة المشاركين الذي تلقوا عقارًا وهميًّا.  

وجدير بالذكر أن شركتَي "فايزر" Pfizer، و"بيونتيك" BioNTech قد أعلنتا خلال الأسبوع الماضي أن لقاحهما القائم على الحمض النووي الريبي من فيروس "سارس-كوف-2" المسبِّب لمرض "كوفيد-19" بلغت نسبة فعاليته 90%، وذلك بعدما وصلت التجارب على اللقاح إلى النقطة النهائية الرئيسة منها. كما بيَّن تحليل مبدئي أُجري على اللقاح الذي تُصنِّعه شركة "مُودِرْنا" Moderna، والذي يعتمد بدوره على الحمض النووي الريبي للفيروس، أن اللقاح قد حقق نتائج مشابِهة تقريبًا.

ويُحَذِّر الباحثون من الانسياق وراء عَقْد مقارنات مباشرة بين اللقاحات، استنادًا إلى بيانات غير مكتملة، إذ يرى علماء أن التفاوت في تلك النتائج التي صدرت مؤخرًا عن لقاح أكسفورد يشير إلى وجود قدر كبير من عدم اليقين في مدى كفاءة اللقاح في الحماية من "كوفيد-19" في ظل عدم ورود بيانات إضافية من تجارب الفعالية الخاصة به، التي ما تزال مستمرة. وحول ذلك، يقول دانيال ألتمان، عالِم المناعة بكلية إمبريال كوليدج لندن: "نحن عرضةٌ بعض الشيء لخطر الاندفاع إلى المقارنة بين شيئين مختلفين تمام الاختلاف. وما تزال تفصلنا مسافة طويلة عن التأكد من صحة هذه البيانات، وعن تداوُلها، ثم نشرها كاملة".

ناقل فيروسي

أُعِدّ لقاح جامعة أكسفورد وشركة "أسترازينيكا" من "فيروس غُدِّي" مسبِّب لنزلات البرد، جرى عزله من براز قردة شمبانزي. وعُدِّل جينيًّا، بحيث يفقد القدرة على التنسخ داخل الخلية. ويعمل هذا اللقاح عند حقنه في الجسد على تحفيز الخلايا لإنتاج البروتين الشوكي لفيروس «سارس-كوف-2» SARS-CoV-2، الذي تستهدفه الأجهزة المناعية بالدرجة الأولى في مقاومة الفيروسات التاجية. وقد خضع اللقاح للمرحلة الثالثة من تجارب الفعالية قبل لقاحات أخرى لشركات بارزة منافِسة، مثل شركتَي "فايزر"، و"مودرنا". وما تزال التجارب تُجرَى عليه في دول عدة، من بينها الولايات المتحدة الأمريكية، وجنوب أفريقيا، واليابان، وروسيا. ويَعتمِد التحليل الصادر في الثالث والعشرين من نوفمبر على حدوث 131 حالة إصابة بـ"كوفيد-19" بين المشاركين في تجارب اللقاح الذين يزيد عددهم على 11 ألف مشارك في المملكة المتحدة، والبرازيل، وذلك حتى الرابع من نوفمبر.

وبوجه عام، وجد القائمون على التجارب أن هذا اللقاح -الذي يُعطى على جرعتين- تصل نسبة فعاليته إلى 70%، وذلك عند قياس هذه الفعالية بعد مرور أسبوعين من تلقّي المشاركين للجرعة الثانية منه، بيد أن هذه النسبة تعبر عن متوسط يتراوح بين 62%، و90% لنظامَي الجرعات المختلفين. وتعقيبًا على ذلك، قال فلوريان كرايمر –وهو عالِم فيروسات بكلية إيكان للطب في ماونت سايناي في نيويورك– على حسابه على موقع تويتر: "إن 90% نسبة جيدة للغاية. أما نسبة 62% التي حصلنا عليها من نظام الجرعات الثاني الذي جَرّبناه، فليست ممتازة".

من هنا، صارت الأولوية للباحثين حاليًّا هي معرفة السبب الذي يجعل اللقاح يعطي نتائج أفضل كثيرًا باستخدام جرعة أقل في المرة الأولى. وربما يكمن أحد التفسيرات المحتملة لذلك في البيانات؛ فربما لم تُجر التجربة على نطاق كبير بما يكفي لقياس الفرق في الفعالية بين نظامَي الجرعات، وربما يتلاشى الفرق بمجرد اكتشاف المزيد من حالات الإصابة بـ"كوفيد-19"، حسبما يقول لوك فاندنبيرج، عالِم الفيروسات بمعهد ماساتشوستس للعين والأذن، وبكلية طب جامعة هارفارد في بوسطن. فالنتائج التي أظهرت فعالية أكبر للقاح في نظام من "نصف جرعة أولًا، ثم جرعة كاملة" استندت إلى فحص 2,741 من المشاركين في التجربة، في حين بلغ عدد المتطوعين الذين انخفضت بينهم فعالية اللقاح 8,895 متطوعًا، ولم يحدد البيان الصحفي في أي مجموعة ظهرت حالات الإصابة.

ووفقًا لتقدير ستيفن إيفانز، عالِم الإحصاءات الوبائية بكلية لندن للصحة وطب المناطق الاستوائية، فإن المجموعة التي تَلَقَّت "نصف جرعة أولًا، ثم جرعة كاملة" قد تصل نسبة الفعالية فيها إلى نسبة منخفضة تبلغ 66%، وذلك في ضوء البيانات المتاحة.

نظريات حول الجرعات

لو صَحّ وجود اختلاف في فعالية النظامين، فإن الباحثين سيكونون متلهفين لمعرفة أسباب ذلك. تقول كيتي إيور، وهي متخصصة في علم المناعة بمعهد جينر في جامعة أكسفورد، وواحدة من ضِمن القائمين على أبحاث اللقاح: "لا أعتقد أننا بصدد نتائج غريبة. وأنا متحمسة لدخول معملي، والبدء في التفكير في الطريقة التي سنعالج بها هذه المسألة". وترى إيور أن ثمة تفسيرَين رئيسين للسبب الذي يُحتمل أنه جعل إعطاء جرعة أولى أقل أفضل في الحماية من "كوفيد-19"، وتوضح أنه من المحتمل أن الجرعات الأقل من اللقاح تحفز بصورة أفضل مجموعة فرعية من الخلايا المناعية، تُسمى الخلايا التائية، وهي الخلايا المسؤولة عن دعم إنتاج الأجسام المضادة.

وثمة تفسير محتمَل آخر يتمثل في استجابة الجهاز المناعي للفيروس المستقَى من قردة الشمبانزي؛ فاللقاح لا يحفز استجابة الجهاز المناعي ضد البروتين الشوكي الخاص بفيروس "سارس-كوف-2" فحسب، بل ضد مكونات الناقل الفيروسي كذلك. وربما كانت الجرعة الكاملة الأولى متسببة في إضعاف هذه الاستجابة، حسبما تقول إيور، التي تخطط لدراسة استجابات الأجسام المضادة للفيروس المستقَى من قردة الشمبانزي، سعيًا لإماطة اللثام عن هذا اللغز.

ويقول جيمس ويلسون، عالِم الفيروسات بجامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا، الذي كان من روّاد استخدام الفيروسات الغدية في تصنيع اللقاحات في تسعينات القرن العشرين: "إنه تفسير معقول". ويردف قائلًا إنه بإعطاء نصف جرعة أولًا "ربما تكون شركة "أسترازينيكا" قد أصابت هدفها بهذه الآلية لتقديم الجرعات".

وفي الإطار ذاته، تقول هيلدجوند إرتل –عالمة المناعة الفيروسية بمعهد ويستار في فيلادلفيا– إن تلك النتائج تُعَد منطقية في ضوء بعض التجارب التي أجْرتها على الفئران فيما يخص اللقاحات التي تستخدم الفيروسات الغدية. فقد توصلت بدورها إلى أن إعطاء مقدار أقل من هذه اللقاحات في الجرعة الأولى قد يؤدي إلى وقاية أفضل من إعطاء مقدار أعلى منها، وذلك في اللقاحات ذات الجرعتين. وهي تعتقد أن هذا يرجع إلى أن الجرعةُ الأولى الأقل تؤدي بسرعة أكبر إلى إنشاء خلايا "الذاكرة" المناعية التي تحفزها الجرعة الثانية الأعلى. وتشير إلى أن الانتظار لفترة أطول بين الجرعتين قد يؤدي إلى النتيجة ذاتها.

وفي الوقت نفسه، تأمل شركة "أسترازينيكا " في جمْع المزيد من البيانات حول نظام إعطاء الجرعات الذي ستستخدمه. وقد أعطت الشركة اللقاح لما يقرب من 10 آلاف شخص حتى الآن في مجموعة من المشاركين في تجارب الفعالية في الولايات المتحدة. وكانت هذه التجارب قد توقفت لمدة تزيد على شهر خلال فصل الصيف، عندما كان يجري التحقيق في اضطراب عصبي أصيب به أحد المشاركين في التجارب.

وكان مين بانجالوس –نائب رئيس شركة "أسترازينيكا" لأبحاث الأدوية الحيوية– قد صرح خلال مؤتمر صحفي أن الشركة تعتزم أن تتوجه بطلب إلى الجهات التنظيمية لتعديل التجربة، بحيث تتضمن نظام إعطاء الجرعات الأكثر فعالية.

وتقول إيور: "إن إعطاء جرعة زائدة عن الحاجة من اللقاح لتحقيق فعالية أقل سيكون ضربًا من الجنون. لذا.. أعتقد أننا سنشهد تحولًا في اتجاه بدء نظام تطعيم من جرعة أقل، ثم جرعة معيارية".

بصيص أمل

في الوقت الذي تحاول فيه شركة "أسترازينيكا" وجامعة أكسفورد تحليل بيانات تجاربهما، وجمْع المزيد منها، ثمة أسباب تدعو إلى التفاؤل، تتجلى في جوانب أخرى من أداء اللقاح، حسب قول بعض العلماء، إذ لم يتم إيداع أيٍّ من المشاركين الذين تلَقَّوا اللقاح خلال التجارب في مستشفى، ولم يُصَب أي منهم بحالة حادة من "كوفيد-19"، وهو ما يوحي بأن اللقاح قد يكون فعالًا في منع هذه الحالات.

كما توجد دلائل توحي بأن اللقاح قد يَحُول دون انتقال الفيروس من الأشخاص المصابين به إلى غيرهم، حتى لو لم تظهر عليهم أعراض. ففي مجموعة المشاركين في التجارب التي أُجريت في المملكة المتحدة، جُمعت من المشاركين بصورة منتظمة مسحات للكشف عن الإصابة بالفيروس، حتى لو لم تظهر عليهم أعراض. وتقول إيور إن الفروق في معدلات العدوى بين الأفراد الذين تلقَّوا العلاج الوهمي، ومَن تلَقَّوا لقاح أكسفورد تشير إلى أن اللقاح يَحُول دون انتقال العدوى بين الأفراد (لم تفحص شركتا "فايزر"، و"مودرنا" سوى الأفراد الذين ظهرت عليهم الأعراض فحسب).

وعلى الرغم من وجود علامات استفهام حول مدى فعالية لقاح جامعة أكسفورد وشركة "أسترازينيكا"، فقد يجري طرحه على نطاق أوسع من بعض اللقاحات الأخرى ضد المرض؛ إذ لا تتأثر فعاليته في المبرِّدات، على خلاف لقاح شركتي "فايزر"، و"بيونتيك"، الذي يجب حفظه في درجة حرارة تبلغ –70 درجة مئوية قبل استخدامه بساعات.

وربما نشهد توفير المزيد من جرعات هذا اللقاح بصورة أسرع من اللقاحات الأخرى. فقد صرح بام تشينج –نائب رئيس شركة "أسترازينيكا" لشؤون العمليات وتكنولوجيا المعلومات– بأن الشركة تُقَدِّر أنها ستكون قد انتهت من إنتاج حوالي 200 مليون جرعة من اللقاح في جميع أنحاء العالم بحلول نهاية العام الحالي (2020)، وأنها سوف تكون قادرة على إنتاج ما بين 100 مليون، و200 مليون جرعة منه شهريًّا بمجرد السماح بالتوسع في إنتاجه.

ويقول لوك فاندنبرج: "في الواقع، سوف تكون المنافسة بين جميع هذه اللقاحات لوجيستية في حقيقتها، وسوف نتمكن من استخدام كل جرعة تتوفر منها".