رؤية كونية

تعزيز الرفاهية العامة سلاحُنا في مواجهة نظريات المؤامرة

مَنْع تَجَذُّر المعلومات المضللة خيرٌ من محاولة التخلص منها.

أليكساندرا سيتشوكا

  • Published online:

ALEC PADRON

قد تؤدي نظريات المؤامرة إلى خفض معدلات المشاركة السياسية، وإعاقة الجهود الرامية إلى حماية البيئة، وكذلك التحريض على العنف. كما يمكن للانخراط في جماعات تتبنى نظريات المؤامرة على شبكة الإنترنت، مثل "كيو أنون" QAnon، أن يُسهِم في تأجيج التطرف الذي ينطوي على ممارسة العنف. هذه هي النتائج التي خلص إليها تحليل صادر في وقتٍ سابق من العام الجاري (A. Amarasingam and M.-A. Argentino CTC Sentinel 13(7), 37–44; 2020). رصد التقرير كذلك أن الأشخاص الذين يؤمنون بنظريات المؤامرة تقل احتمالية امتثالهم لإجراءات الصحة العامة، مقارنةً بغيرهم ممن لا يعتنقون أيًّا من هذه النظريات؛ وهو ما دفع منظمة الصحة العالمية إلى دعوة الدول إلى العمل على التصدي لانتشار المعلومات الزائفة.

ولكن كيف لهذا الهدف أن يتحقق؟ لقد وقع عليَّ الاختيار، ضمن شبكة ضمَّت أكثر من مائة شخصية أكاديمية، للمشاركة في إنجاز إصدار هذا العام من "دليل راوتليدج لنظريات المؤامرة" Routledge Handbook of Conspiracy Theories. في هذا الدليل، الذي يقع في 48 فصلًا، نجد أن فصلًا واحدًا فحسب هو ما خُصص للبحث في كيفية التغلب على نظريات المؤامرة بصورة مباشرة. وقد خَلُصَ الفصل إلى أن نشر نظريات المؤامرة أسهل من دحضها، بالنظر إلى أن تصحيح المعتقدات الراسخة أمر شديد الصعوبة.

ولذا، فإن مَنْع تجذُّر الأكاذيب، من البداية، أفضل من محاولة اقتلاعها بعد ذلك، وهو ما يستلزم إمعان النظر فيما وراء محتوى تلك الأكاذيب، وتتبُّع المنصات والخوارزميات التي تغذي انتشارها. نحن بحاجة إلى التفتيش عن الأسباب التي تجعل الناس سريعي التأثر بالأكاذيب. وإنني معنية بدراسة تأثير السمات والدوافع النفسية على المعتقدات. فالمعتقدات الأيدولوجية هي نتاج إشارات تصدُر من الساسة ووسائل الأعلام (متجهةً من القمة إلى القاعدة) من جهة، ونتاج آليات نفسية (تنبع من القاعدة إلى القمة) من جهةٍ آخر. وقد طُبق هذا النموذج النظري على معتقدات المؤامرة في مئات الدراسات، التي جَمعت بين البيانات التجريبية، والارتباطية. أما الطرح الذي نقدمه -أنا والزملاء المشاركون معي- فيقول بوجود ثلاثة احتياجات نفسية عامة تشكل أساسًا للاعتقاد في نظريات المؤامرة، وهي: حاجتنا إلى فَهْم العالَم، والحاجة إلى الشعور بالأمان، والحاجة إلى الشعور بالانتماء، إضافةً إلى الرضا عن الذات والفئات الاجتماعية التي ننتمي إليها.

والملاحَظ أن الأشخاص الذين يتخذون موقف الدفاع أكثر عُرضةً من غيرهم لتبَنِّي نظريات المؤامرة، ربما في محاولة منهم لتفادي اللوم عندما يتعرضون لإخفاقات. وقد ربطت الدراسات كذلك بين أفكار المؤامرة، والشعور بقِلّة الحيلة، والقلق، والعزلة، والاغتراب. فالأشخاص الذين يشعرون بأنهم تروس منعدمة القيمة في الآلة السياسية الكبيرة، يميلون إلى افتراض أن ثمة تأثيرات شيطانية تلقي بظلالها على حياتهم.

يلجأ الساسة إلى إزكاء هذه المخاوف حين يشعرون بالتهديد. ففي خضم مُعترَك الانتخابات الرئاسية الأمريكية لهذا العام، تحَدَّث الرئيس دونالد ترامب عن "عمليات تلاعب"، وطائرات تعج بالخارجين على القانون. وعلى نحو مماثل، ألمح ياروسلاف كاتشينسكي، زعيم حزب القانون والعدالة البولندي، خلال الشهر الماضي إلى أن الاحتجاجات ضد قانون حظر الإجهاض تقف وراءها قوى تهدف إلى إسقاط الدولة، وأنَّ ثمة دلائل على تلَقِّي أفرادها تدريبًا متخصصًا.

ويمكن القول إن جائحة "كوفيد-19" قد أنتجَت وضعًا مثاليًّا للوقوع في براثن نظريات المؤامرة، مع ارتفاع منسوب الريبة والقلق بين الناس، كما إنّ فرض تدابير الإغلاق والتباعد الاجتماعي يقود إلى حالة من العزلة، فلا عجب أن يلجأ الأشخاص الذين يجدون صعوبةً بالغة في فهْم هذه الملابسات غير المسبوقة إلى تفسيرات غير عادية.

هل يعني ذلك أن التعافي من الوباء سيعقُبُه تعافٍ من "وباء المعلومات" كذلك؟ أخشى أن هذا لن يحدث.

أولًا، صحيح أن القدرة على الاختلاط بحُرّية أكبر قد تؤدي إلى التخفيف من بعض الاحتياجات الاجتماعية، ولكن مشاعر الأسى، والريبة، والعجز، والتهميش لن تترك هؤلاء الذين فقدوا صحتهم، أو أحباءهم، أو وظائفهم، أو فرص تعليمهم، وما إلى ذلك. ولذا، فلا بد أن ترمي خطط التعافي إلى ما هو أبعد من الانتعاش الاقتصادي والصحة البدنية؛ حيث إنّ إغفال معالجة أزمة الصحة النفسية يجعلنا عُرضة لاستمرار أزمة المعلومات الكاذبة.

وثانيًا، نحن لا نعرف عن الكيفية التي تتغير بها قابلية الأفراد للتأثر بنظريات المؤامرة بمرور الوقت سوى أقل القليل. وحتى التقلبات النفسية اليومية قد تلعب دورًا في ذلك؛ وأكبر الظن أن الناس يركَنون إلى نظريات المؤامرة في اللحظات التي تثير القلق لديهم. كما أنه من المهم كذلك فهْم الآثار الممتدة للأحداث الكبرى، على المستويين الشخصي والعام. وقد رصد تحليل للرسائل الموجهة إلى محرري جريدتي "النيويورك تايمز" The New York Times، و"شيكاجو تريبيون" Chicago Tribune، خلال الفترة الممتدة بين عامَي 1890، و2010، ارتفاعًا وصل إلى حد الذروة في المحتوى الذي تجلَّت فيه نظرية المؤامرة خلال فترة أوائل الخمسينات من القرن الماضي، أي في أعقاب الحرب العالمية الثانية (J. E. Uscinski and J. M. Parent American Conspiracy Theories https://doi.org/ggtcsb;2014). ومع ذلك، فإن الأبحاث الطولية في هذا المجال، لا سيما فيما يتعلق بالتغيرات التي تحدث داخل الشخص نفسه، تتسم بالصعوبة والندرة. وإذا زادت الدراسات التي تتتبع الاستجابات النفسية للوباء، فمن شأن ذلك أن يُثمِر رؤى وأفكارًا ترشدنا إلى التدخلات اللازمة.

وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا ننصرف عن غير ذلك من الطُّرُق التي يُقصد بها تصحيح المعلومات الخاطئة، ووقف انتشارها. فإذا كان من الصعوبة بمكان كشف زيف المعلومات، فإنه يبقى هدفًا ممكن التحقيق. ولما كان الأمر كذلك، فلا بد أن يعمد القائمون على كشف الأكاذيب إلى شرح السبب الذي يجعل تلك المعلومات كاذبة، وأن يلفتوا الانتباه إلى الاستراتيجيات التي تُستخدم بغرض الخداع، وأن يقدموا الحقائق الفعلية، بدلًا من الاكتفاء بوصف المعلومات المذكورة بأنها خاطئة، أو مضلِّلة.

وثمة وسيلة أكثر فاعلية، تتمثل في استراتيجية "التصحيح الاستباقي"، التي تُعَد بمثابة لقاح ضد المعلومات المضلِّلة. تهدف هذه الطريقة إلى تحذير الأشخاص من احتمال تعرُّضهم لمعلومات مضللة، قبل أن تعرف سبيلها إليهم، ويقتنعوا بها. وتُظْهِر ألعاب متاحة عبر الإنترنت، مثل لعبتَي "باد نيوز" Bad News، و"جو فايرل" Go Viral، كيفية انتشار الأخبار المزيفة، ويبدو أنها تعزز ميل الأشخاص إلى التشكك فيما يتلقون من أخبار ومعلومات. إنّ دفْع الأشخاص برفق صوب التفكير في مدى دقة الأخبار يثنيهم عن مشاركة الأخبار المزيفة.

ويمكن أن تتوسع هذه التأثيرات من خلال التجاوب مع احتياجات الناس النفسية، وهو ما قد يجعل نظريات المؤامرة، وغيرها من المعلومات المضللة، أقل إغواءً، إضافةً إلى رفع مستوى الرفاهية العامة. كما يُسهِم التعليم في التصدي لنظريات المؤامرة، بالنظر إلى أنه يُنمِّي مَلَكَة التفكير التحليلي لدى الفرد، ومن ثم يجعله أكثر استعدادًا لمجابهة تلك الأفكار. وثمة إجراءات أخرى من شأنها تعزيز الشعور بالهوية المشتركة، وترسيخ مشاعر الانتماء، ووجود معنًى للحياة.

ولنا أن نرى في مواجهة نيوزيلندا للجائحة نموذجًا مشجعًا، فقد شددت رئيسة الوزراء جاسيندا أرديرن على مبادئ التضامن والشفافية في اتخاذ القرار، وغرسَت في المواطنين شعورًا بالإصرار على تحقيق هدف بعينه. وتشير البيانات المبكرة إلى أنه على الرغم من زيادة معدلات الاضطراب أثناء فترة الإغلاق، لم يسقط النيوزيلنديون في شراك نظريات المؤامرة، بل أظهروا مزيدًا من الثقة في العِلْم. ولذلك ما أحرانا بنشر هذا النموذج، وتعميمه على الصعيد العالمي!

أليكساندرا سيتشوكا،أخصائية علم النفس السياسي بجامعة كِنت في مدينة كانتربري في المملكة المتحدة، وباحثة منتسبة إلى جامعة نيكولاس كوبرنيكوس في تورون في بولندا.

البريد الإلكتروني: a.k.cichocka@kent.ac.uk