افتتاحيات

لا بد لبايدن أن يعيد للعِلْم مكانته سريعًا

تُعَد نتيجة الانتخابات الأمريكية انتصارًا للحقائق، وللبحث العلمي، ولثقافةِ مراعاة الآخَر. وجميعها أسلحةٌ لا بد من الاستعانة بها لمحاربة الجائحة الحالية، والحدّ من تغيُّر المناخ، وإعادة بناء العلاقات العالمية.

  • Published online:
جو بايدن، وكامالا هاريس تنتظرهما مهامُّ عسيرة، والعمل على خَوْضها يبدأ من الآن.

 جو بايدن، وكامالا هاريس تنتظرهما مهامُّ عسيرة، والعمل على خَوْضها يبدأ من الآن.

Drew Angerer/Getty

بعد أربع سنوات، تلقَّت خلالها يوميًّا ركائز الحكومة الأمريكية والديمقراطية والسياسات القائمة على البراهين ضرباتٍ عنيفة، اتخذت غالبية المصوِّتين الأمريكيين قرارًا صائبًا، عندما ارتأت أنَّ الكيل قد طفح، وتَبَنَّت السعي وراء مستقبل ينبني على الأمل، والحقائق، والنزاهة، والبراهين، والعِلْم. فانتخاب جو بايدن ليكون الرئيس المقبل للولايات المتحدة، وكامالا هاريس لتكون نائبةً له، يوفر لنا بصيصَ أملٍ كنا نرغب فيه بشدة في العام الحالي، الذي هيمنت عليه مأساة جائحة فيروس كورونا الجديد.

ويمكن الآن للولايات المتحدة وللعالَم بأسره الشروع في طيّ صفحة السنوات الأربع الماضية، التي شابتها الفوضى، والنكبات، وانعدام الكفاءة، وتطبيع نشْر المعلوماتٍ الزائفة من خلال مَن يتقلَّد المنصب الحكومي الأعلى في الولايات المتحدة؛ ففي استطلاعٍ رأْي تجريه دورية Nature منذ إعلان نتيجة الانتخابات، أعرب أكثر من 75% من المشاركين عن تفاؤلهم بتلك النتيجة. 

وكما هو متوقَّع، ما زال الرئيس دونالد ترامب يأبى قبول هذه النتيجة، لكنَّنا على يقينٍ بأنَّ حكم القانون سيسود، وأنَّ ولايته ستنتهي كما يجب في العشرين من يناير من عام 2021.

وحين أيَّدت الدورية تَرَشُّح بايدن لمنصب رئيس الولايات المتحدة، فعلنا ذلك جزئيًّا بسبب تعهداته في حملته الانتخابية بأنْ يستعيد العِلْم مكانته لدى حكومة البلاد، وأن تعود البلاد مجددًا إلى الوفاء بالتزاماتها الدولية. ويُذكر أنه بعد أيامٍ من إعلان النتيجة بفوز بايدن وكامالا هاريس، أعلنت الإدارة المقبلة أنَّ الولايات المتحدة ستنضم من جديد إلى اتفاق باريس للمناخ، الذي أُبرم في عام 2015، وستتراجع عن القرار الجسيم الذي اتخذه ترامب بالانسحاب من عضوية منظمة الصحة العالمية. وفي استطلاعنا، أبدى قرَّاء الدورية دعمهم لتلك الأولويات، وأعربوا عن آمالهم بأن تُعيِّن الإدارة مستشارًا علميًّا، وأن تبذل المزيد من الجهد لدعم الجهود العلمية المعنية بمواجهة الجائحة.

ونثق في أنَّ بايدن، وكامالا هاريس، وفريقهما سيُقدِّرون الحاجة إلى الهيئات التنظيمية، وأهمية نزاهتها، وسيُلغون سريعًا القيود التي فرضتها إدارة ترامب على تأشيرات الطلاب والباحثين من الدول الأخرى. ويجب أيضًا أن تُلغَى بلا رجعةٍ سياسات التمييز الضارة ضد النساء، وذوي البشرة غير البيضاء، واللاجئين، والمهاجرين، والأقليات من أصحاب الميول الجنسية والأنواع الاجتماعية غير السائدة، وغير هؤلاء من المجموعات التي لا تحظى بالتمثيل الكافي.

الوعود لمواجهة الجائحة

وفيما يتعلق بالشؤون الداخلية، لا بد أن يضع بايدن على رأس أولوياته أن يقود بنفسه جهودًا سريعة وشاملة وقائمة على البراهين، لاحتواء انتشار فيروس كورونا الجديد، وحماية صحة سكان الولايات المتحدة. كما يجب أن تعود مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها إلى صدارة المشهد، لتصبح الطرف المحوري الأهم في التصدي للجائحة.

وقد أعلن الفريق الانتقالي لبايدن في التاسع من نوفمبر الجاري أنَّه سيُشكِّل فريق عملٍ جديدًا لمواجهة الجائحة. وهو إجراءٌ مُرحَّب به، لكن يتعيَّن أيضًا على الإدارة المقبلة أن تتبنَّى خطابًا يفهمه ويقتنع به داعمو ترامب، لا سيما أولئك الذين حذوا حذوه في رفض العمل بنصائح خبراء الصحة العامة. فثمة حاجةٌ إلى مِثل هذه المصالحة الوطنية، لأسباب عديدة، أبرزها أنَّه لا سبيل إلى احتواء الفيروس، ما لم يَقْبَل البلد بأسره الإجراءات اللازمة للتغلب عليه. 

إنّ فيروس "سارس-كوف-2" يأبى الزوال، وهو خطيرٌ وفتَّاك. وقد بدأ الباحثون لِتَوِّهم في دراسة آثاره طويلة المدى. لذا، لا بد أن يستمر فريق بايدن وهاريس في دعم رسائل الصحة العامة، القائمة على الأدلة التي تشير إلى حاجتنا إلى ارتداء الكمامات، والالتزام بالتباعد الاجتماعي، وغسل الأيدي.

كما يجب أن تتعاون الإدارة الأمريكية المقبلة تعاونًا بنَّاءً مع المدن والولايات، لتسريع برامج فحص سكان هذه المناطق، وعزل المرضى فيها، وتتبع مخالطيهم، فضلًا عن توسيع نطاق تلك البرامج، حيثما تسنَّت لها المساعدة في احتواء الفيروس، وهو ما كان ينبغي لإدارة ترامب فِعْله قبل وقتٍ طويل. ولا بد أن تنتهج تلك البرامج أفضل ممارسات السيطرة على تفشي الأمراض المعدية، التي ترتكز على براهين علمية مستقاة من تفشٍّ سابق لأمراض، ومن تجارب بلدان أخرى تسيطِر على جائحة "كوفيد-19" بكفاءةٍ أكبر. 

وبالإضافة إلى ذلك، يجب على الولايات المتحدة أن تستأنف سريعًا التعاوُن المثمر مع المبادرات الدولية المعنية بمواجهة الجائحة، لضمان توزيع لقاحات فيروس كورونا الجديد على نحو منصف على مَن هُم في حاجة ماسّة إليها حول العالم. وعلى وجه الخصوص، لا بد أن تتعاون الولايات المتحدة مع مبادرة صندوق "كوفاكس" COVAX، التي يقودها كلٌّ من "التحالف العالمي للقاحات والتحصين" Gavi، وتحالف ابتكارات التأهُّب الوبائي. 

وقد سنح الآن للمجتمع الدولي أن يتطلع إلى تضافُر جهوده بدرجة أكبر للتصدي لمرض "كوفيد-19" والأمراضٍ الأخرى. فتوقُّف الولايات المتحدة عن تمويل منظمة الصحة العالمية أدّى إلى تبعات وخيمة للدول منخفضة الدخل، على وجه الخصوص، التي تعتمد على المنظمة لاستيفاء معايير البِنْية التحتية للصحة العامة، ومواجهة الأمراض الفتَّاكة. فإلى جانب مواجهة جائحة "كوفيد-19"، يُشرِف خبراء الأوبئة والأطباء الإكلينيكيون، وأطقم الخدمات اللوجستية في المنظمة على أكثر من 35 عملية طارئة في الوقت الحالي، من بينها تلك الهادفة إلى مواجهة تفشي الحصبة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتفشي الكوليرا في اليمن.

استئناف مواجهة تغيُّر المناخ

أعلن بايدن وكامالا هاريس -بوضوحٍ شديد- أنَّ تغيُّر المناخ سيكون أولويةً مُلِحّة للإدارة الجديدة، سواء على الصعيد المحلِّي، أم الدولي. وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة لم تخسر فقط أربع سنواتٍ ثمينة، كان يُمكنها خلالها المساعدة على تفادي أزمة المناخ الوشيكة، بل تراجعت أيضًا عن بعضٍ من الخطوات التي اتخذتها في هذا الصدد. وستحتاج الإدارة الجديدة إلى بعض الوقت كي تعيد إقرار سياسات المناخ التي ألغاها ترامب، وتُعَزِّزها في نهاية المطاف. كما أنَّ خفض صافي انبعاثات الكربون إلى مستوى الصفر يمثل تحدِّيًا عالميًّا، وستكون مشاركة الولايات المتحدة في اتفاق باريس للمناخ ضروريةً لتحقيق هذا الهدف، بيد أن الديمقراطيين لم يفوزوا بعد بأغلبية مقاعد مجلس الشيوخ، وليس من الواضح ما إذا كانوا سيحصلون عليها، أم لا. ومِن دون تلك الأغلبية، سيكون من الصعب التحرك سريعًا لمواجهة أزمة المناخ. وسيحتاج بايدن إلى كل خبرته السياسية التي حازها على مدار خمسة عقودٍ تقريبًا ليتواصل مع خصومه.

كما وعد بايدن بإطلاق ثورة صديقة للبيئة في مجال الصناعة؛ إذ تعهَّد في حملته الانتخابية بتنفيذ خطةٍ لرصد تريليوني دولار أمريكي، من أجل الاستثمار في مصادر طاقة وفي بِنْيةٍ تحتية؛ بحيث تكون نتيجة هذا الاستثمار مستوياتٍ منخفضة من انبعاثات الكربون، ضمن جهودٍ وطنية ترمي إلى القضاء على الانبعاثات الناجمة عن توليد الكهرباء بحلول عام 2035، وخفْض صافي انبعاثات الكربون إلى مستوى الصفر بحلول منتصف القرن الحالي. ولتطبيق تلك الخطة، سيحتاج بايدن وهاريس إلى الاستعانة بخبرتهما المشتركة في مواجهة أصحاب المصالح الشخصية، لا سيما جماعات الضغط القوية المُناصِرة لصناعة الوقود الأحفوري، كما سيحتاج بايدن إلى إحياء روح التعاون التي حصدت نجاحًا في باريس. وجدير بالذكر أنَّ فرصة التصدي لأزمة المناخ بإجراءات طموحة من قِبل الولايات المتحدة، والصين، والاتحاد الأوروبي، واليابان، وكوريا الجنوبية، ستبعث إشارةً قوية إلى المجتمع الدولي ككل، مفادها أنَّ التحرك لمواجهة الأزمة لم يعد يَحتمِل المزيد من التأخير.

وستتطلَّب كل هذه التدابير تعيين مسؤولين يتمتعون بالذكاء والكفاءة. فلا بد أن يُعيَّن قادةٌ مؤهَّلون وخبراء في البحث العلمي، والسياسة، والصحة العامة، والأخلاقيات، والإدارة في وكالات بعينها، مثل إدارة الغذاء والدواء، والإدارة الوطنية لدراسة المحيطات والغلاف الجوي، ووكالة حماية البيئة، إذ عانت مصداقية الوكالات الفيدرالية الأمرَّين في ظل إدارة ترامب، وكانت لذلك عواقب ملموسة على ثقة الجمهور في الحكومة الأمريكية، وعواقب أخرى ستؤثر على صحتنا وكوكبنا في نهاية المطاف. ويجب أن يتغيَّر هذا الوضع في أقرب وقتٍ ممكن.

قواعد التواصل

لقد عززت نتيجة الانتخابات الآمال في مجيء حقبةٍ تتحلَّى فيها الحكومة الأمريكية من جديد بالنزاهة العلمية، وتقوم فيها السياسات على العدل، والعِلْم، والإيمان القوي بفكرة الاتحاد، والعزم على العمل من أجل تحقيق المصلحة العامة. 

ويجب أن تشكل تلك القيم الركيزة التي تقوم عليها علاقات هذه الإدارة المقبلة مع البلدان الأخرى. فالولايات المتحدة دولةٌ قوية، يتجاوز نفوذها وتأثيرها –سواء أكانا بالإيجاب، أم السلب- حدودها بدرجة كبيرة. وخير مثال على ذلك، التبعات الكارثية التي أدّت إليها سياسات إدارة ترامب تجاه المناخ، وفيروس كورونا، والهجرة. والآن سنحت الفرصة أمام بايدن وهاريس للتراجع عن ذلك النهج، وإعادة بناء العلاقات مع المجتمع الدولي، وجَعْل الولايات المتحدة قوةً تعمل من أجل الخير. فالسنوات الأربع الماضية كانت بمثابة صدمةٍ عنيفة لمؤسسات الديمقراطية الأمريكية، وكذلك لأنظمتها الاستشارية العلمية والصحية التي تحظى بقدرٍ كبير من الإشادة. وقد اختار حوالي نصف الناخبين في بلدٍ متقدم علميًّا، كالولايات المتحدة، رئيسًا رفض مرارًا وتكرارًا نصائح مستشاريه العلميين. ولذا، يجب على العلماء وواضعي السياسات العلمية أن يتعلموا مما جرى دروسًا في التواصل مع العامة. ولا بد أن يتعاون الباحثون مع زملائهم من المتميزين في التخصصاتٍ المختلفة في مراجعة أفكارهم، وفهْم السبل التي يمكنهم بها جميعًا تحقيق نتائج أفضل، مُتَحَلِّين في ذلك بروح قائمة على التعلُّم المشترك.

إنّ الإدارة الجديدة تنتظرها مهامُّ عسيرة، وهي تدرك ذلك. وبالنظر إلى حجم الأزمات الطارئة على الصعيدين الوطني والعالمي، فلا مجال لإضاعة الوقت. فليبدأ العمل من الآن.