كتب وفنون

 رحلة تقنية "كريسبر" عبر التاريخ بين دفتي كتاب

كتاب يوفر مدخلًا إلى علم التحرير الجيني، يتتبع المحطات الأساسية في هذا العلم، لكنه يغفل التركيز بالقدر نفسه على إشكالياته.

ناتالي كوفلر

  • Published online:
متظاهرون ألمان مناهِضون للهندسة الوراثية في برلين في عام 2015.

متظاهرون ألمان مناهِضون للهندسة الوراثية في برلين في عام 2015.

Credit: Fabrizio Bensch/Reuters

"تعديل البشرية: ثورة تقنية كريسبر والعهد الجديد لتحرير الجينوم"

Editing Humanity: The CRISPR Revolution and the New Era of Genome Editing

كيفين ديفيس، دار نشر بيجاسوس (2020)

اكتشفت جنيفر داودنا، وإيمانويل شاربنتييه في عام 2012 أن من الممكن التلاعُب بجهاز مناعي بكتيري عتيق، من أجل تحرير التسلسلات الجينية للكائنات الحية. وبفضل فوز الباحثتين بجائزة نوبل خلال الشهر الماضي، تَذَكّر العالَم أجمع هذا الإنجاز. واليوم، تُستخدَم تقنية "كريسبر" CRISPR في هندسة آلاف من الكائنات وراثيًّا. ومن الناحية النظرية، يمكن لهذه التقنية شفاء الأمراض الوراثية، وتعزيز الأمن الغذائي، ومكافحة أثر التغيُّر المناخي. وفي مثال شائن عليها، وُلدت بالفعل باستخدامها توأمتان في الصين، جرى تحرير جينوميهما.

وبوصفي المديرة المؤسسة لمنصة "إديتينج نيتشر" Editing Nature، وهي منصة تشجع تبَنّي قرارات مسؤولة في شؤون الهندسة الوراثية، فقد شهدتُ توسُّع استخدام تقنيات "كريسبر"، وتغيُّرها بسرعة هائلة؛ فيبدو في بعض الأحيان وكأننا نركب قطارًا أفعوانيًّا، لا أحد يذكُر شراء تذكرة ركوبه. وما تزال هناك أسئلة مجتمعية عديدة حول التقنية عالقة بلا جواب، منها على سبيل المثال: مَن يحق له أن يشارك في تحديد الكيفية التي تُستخدَم بها تقنية "كريسبر"؟ ومَن يحق له أن يجني ثمارها؟

وفي كتاب "تعديل البشر" Editing Humanity، يحاول كيفين ديفيس تسليط الضوء على منعطفات رحلة تقنية "كريسبر". وبوصفه المحرر التنفيذي لدورية ذا "كريسبر جورنال" The CRISPR Journal، والمحرر المؤسس لدورية "نيتشر جينيتكس" Nature Genetics، فهو على معرفة وثيقة بالأحداث والشخصيات التي شاركت في رسم مسار هذه الرحلة. والنتيجة هي سجل وخريطة لتطوُّر التقنية يمتدان عبر تاريخها، ويدعوان القارئ إلى التعلم من دروس الماضي، كي يبحر في الحاضر. ومع ذلك، فهذه السردية لا تمثل إلا جزءًا من قصة تقنية "كريسبر"؛ إذ ترك ديفيس الكثير من القضايا الأخلاقية الشائكة، دون التطرق إليها.

والشخصيات التي يتناولها الكتاب كلها من نجوم هذا المجال؛ فبالإضافة إلى داودنا، وشاربنتييه، يبرز دور كل من فِنج تشانج، اختصاصي الهندسة البيولوجية، وجورج تشيرش، اختصاصي البيولوجيا التخليقية، اللذَين كانا أول مَن استخدما تقنية "كريسبر للتحرير الجيني" في الخلايا حقيقية النوى، بما في ذلك خلايا البشر، وهو ما أدى إلى نشوب نزاع متعلق بالملكية الفكرية للتقنية، استمر منذ عام 2016، حتى وقتنا هذا. كما يلقي ديفيس الضوء على مئات الباحثين الآخرين الذين ساعدوا في تمكين استخدام التحرير الجيني وتطبيقاته العديدة في الكائنات الدقيقة، والنباتات، والحيوانات. وعلى سبيل المثال، بينما كان عالِم الأحياء الدقيقة فرانثيسكو موخيكا يدرس العتائق المُحِبة للملوحة في إسبانيا في تسعينات القرن الماضي، لاحظ التكرارات الجينية غير المعتادة، التي تُعَد الآن من السمات الكاشفة التي تميز الأجهزة المناعية التكيفية العتيقة. وتَلَتْ هذا رحلة استمرت عقدًا من الزمن؛ لفهم دور هذه التكرارات، وهو ما أدى -في نهاية المطاف- إلى صك مصطلح "كريسبر".

ويتخلل عرض ديفيس لهذه الرحلة سرد لتاريخ الهندسة الوراثية والعلاجات الجينية التي سبقت تقنية "كريسبر"، وذلك بهدف إذكاء اهتمام القارئ، وكذلك ليكون هذا السرد على سبيل التحذير. ومثال على ذلك، أنه في سبعينات القرن الماضي، قدَّم الطبيب الأمريكي ستانفيلد روجرز، واختصاصي الدم مارتن كلاين علاجات جينية غير مختبَرة لمرضى؛ بهدف علاج أمراض وراثية نادرة؛ فقد عالَج روجرز فتيات في ألمانيا، كانت اثنتان منهن تعانيان قصورًا في النمو، بسبب تراكُم الأرجنين في الدم، في حين عالج كلاين نساء يافعات مصابات بثلاسيميا بيتا في إسرائيل وإيطاليا. وعمل كلا الباحثَين في الخارج بهدف تجنُّب الحصول على موافقات المؤسسات المعنية في الولايات المتحدة.

وفي السنوات القليلة الماضية، طالب خبراء دوليون بقوةٍ بإخضاع التحرير الجيني لمزيد من الإشراف الأخلاقي. وفي عام 2015، أجمعوا على أنه لا ينبغي السماح بالتحرير الجيني للبشر في الحيوانات المنوية، ولا البويضات، ولا الأجنة، بيد أنه في عام 2018، وعلى مرأى حشد مذهول من العلماء واختصاصيي علم الأخلاق والصحفيين في هونج كونج، وصف هو جيانكوي كيف استخدم فريقه (الذي تضَمّن علماء صينيين وأمريكيين) تقنية "كريسبر" في تحرير أجنة بشرية، في محاولة لتأمين وقاية من الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية (HIV). ونتيجة لذلك.. وُلدَت توأمتان، تُعرفان فقط باسميهما المستعارين، لولو ونانا، وقد عُدلت كل خلاياهما وراثيًّا، بما في ذلك الخلايا التكاثرية التي يمكن أن تمرر هذا التعديل الجيني إلى الأجيال التالية.

"أغلب المشاركين الذين لم تؤخذ موافقاتهم في تجارب العلاج الجيني التي لم تتحَرّ النزاهة، في عصرنا الحالي وفي الماضي، كانوا من الفتيات والنساء اليافعات". 

إن سرد ديفيز لهذه القصة الملحمية أخّاذ، حتى بالنسبة إلى شخص مثلي كان متابِعًا لأحداثها. ويوجه ديفيس أصابع الاتهام إلى الدوائر الأمريكية التي وثق بها هو، لعدم إيقافها مثل هذه التجربة المشكوك فيها أخلاقيًّا (Nature 566, 427; 2019). وبكشف تورُّط حكومات ومؤسسات في مثل هذه التجارب، يترك الكاتب شعورًا غريبًا في نفس القارئ بأن التاريخ يكرر نفسه؛ إذ إن أغلب المشاركين الذين لم تؤخذ موافقاتهم في تجارب العلاج الجيني التي لم تتحر النزاهة، في عصرنا الحالي وفي الماضي، كانوا من الفتيات والنساء اليافعات.

وبغض النظر عن هذه المخالفات في استخدام السلطة، لا تزال تقنية "كريسبر" تدفع التقدم على صعيد اكتشاف العلاجات، والزراعة، والبيئة؛ فيقدم ديفيس وصفًا بارعًا لقدرتها على شفاء أمراض، بدءًا من مرض فقر الدم المنجلي إلى التليف الكيسي. كما يستفيض في بيان كيف يمكن استخدامها في تخليق ثمار طماطم ألذ طعمًا، وبرتقال أقدر على تحمل الشتاء القارس، وقطعان ماشية بدون قرون، على الرغم من أنه كان بمقدوره أن يستعرض بصورة أعمق كيف يمكن لهذه التقنية تغيير سلاسل إمداد الغذاء على مستوى العالم. فقد استثمرت الصين -على سبيل المثال- مليارات الدولارات في تقنية "كريسبر" للتحرير الجيني، أملًا في توفير الغذاء للبلد، وزيادة صادراته.

يستعرض ديفيس تكنولوجيا معقدة بأسلوب واضح، ومحكم، وجذاب. ومع ذلك، فهو يخفق في إيلاء قدر مماثل من الاهتمام لتبعاتها الإيكولوجية، والاجتماعية، والسياسية، والأخلاقية. ففي الفصل الذي يتناول تطبيق تقنيات التحرير الجيني على الصعيد البيئي، مثل استخدام البعوض المُهندَس وراثيًّا؛ بغرض كبح انتشار البعوض الحامل للملاريا، لا يذكر ديفيس أي المنظومات القيمية ستشكل القرارات الخاصة بإطلاق هذا "الدفع الجيني" القائم على تقنية "كريسبر" في البرية.

وبالمثل، لا يتناول ديفيس على نحو وافٍ قصور الوكالات التنظيمية أو الهيئات الحكومية الدولية. فأغلب هذه الجهات لا يشرِك أصحاب الخبرة من ذوي التخصصات المتعددة، ولا المجتمعات المتأثرة باستخدام التقنية، في عملية إرشاد القرارات المتعلقة بتقنية "كريسبر". وعلى سبيل المثال، لا تتضمن اللجنة الاستشارية المعنية بتحرير الجينات البشرية -التابعة لمنظمة الصحة العالمية- عضوًا واحدًا من أصحاب الإعاقات الجسدية، رغم أن أحد مَحاور تركيز هذه اللجنة هو وضع معايير حوكمة عالمية تنظِّم استخدام العلاجات القائمة على تقنية "كريسبر"، التي يمكنها ذات يوم التخلص من إعاقات معينة، مثل الصمم، والتقزُّم.

تشكل السرديات المفاهيم، وقد تُستخدَم في الإبقاء على الوضع الراهن، أو رسم تَصورات لسيناريوهات مستقبلية من نوع جديد. وقد شعرتُ بالارتياح عندما وجدت أن الكتاب يُعطي العالمات الإناث المعاصرات الأدوار الرئيسة التي تستحقنَّها، غير أنني انزعجت من ملحوظة لا تنُمّ عن مراعاة للآخر، تشير إلى أن العلماء الصينيين يفتقرون إلى الدماثة، وكذلك من صورة مجازية امتدت إلى صفحة كاملة، جرى فيها تشبيه الدفاعات المناعية البكتيرية بالمراقبة الشُّرَطيَّة (بالنظر إلى الاحتجاجات المتواصلة ضد وحشية الشرطة ذات التوجه العرقي). إنّ قدرة تقنية "كريسبر" على تغيير الخبرة الجمعية البشرية تتطلب سياقًا مجتمعيًّا يتحدد بوجهات نظر متنوعة، كتلك التي يمكن العثور عليها في كتاب "العِرْق الأسمى" Superior، لأنجيلا سايني، و"التغيُّر الوراثي" Altered Inheritance، لفرانسوا بايليس، و"الحمض النووي الأمريكي الأصلي" Native American DNA، لكيم تولبير، و"الساحر والنبي" The Wizard and the Prophet لتشارلز مان، و"الحياة الاجتماعية للحمض النووي" The Social Life of DNA لألوندرا نيلسون.

إن كتاب "تعديل البشر" -وهو واحد من جملة من الكتب الموجهة إلى عموم القراء، التي نُشرَت حديثًا، أو في طريقها إلى النشر- يوضح بجلاء شكل هذا العالَم الجديد. لكنْ مِثل أي خريطة، فإنه لا يستطيع أن يخبرنا كيف نصل من نقطة إلى أخرى. ولكي نصل إلى مستقبل مزدهر يتحقق فيه العدل والإنصاف، سنحتاج إلى بوصلة أخلاقية، تسترشد بمجموع الخبرات الإنسانية المُعاشة. إن التاريخ يُسطَر الآن، وكل شخص يستحق أن يكون صوته مسموعًا.

ناتالي كوفلر مؤسِّسة منصة "إديتينج نيتشر" Editing Nature، واستشارية بمبادَرة المواطَنة العلمية في كلية طب هارفارد في بوسطن بولاية ماساتشوستس.

البريد الإلكتروني: natalie_kofler@hms.harvard.edu