افتتاحيات

تقرير Nature الثاني عن تطورات الجائحة

الفهم المتعمق للمناعة ضروريٌ لتطوير لقاحاتٍ آمنة وفعالة.

  • Published online:
تحتاج وحدات الرعاية المركزة إلى خياراتٍ علاجية أكثر لمرضى "كوفيد-19".

تحتاج وحدات الرعاية المركزة إلى خياراتٍ علاجية أكثر لمرضى "كوفيد-19".

Credit: Natacha Pisarenko/AP/Shutterstock

ما يزال السباق مستمرًا لتطوير لقاحٍ يحمي الأفراد من فيروس كورونا الجديد، "سارس-كوف-2" SARS-CoV-2. فبعد مرور أقل من عامٍ على اكتشاف الفيروس، صار لدينا حوالي مائتي لقاحٍ قيد التطوير، كما يخضع أكثر من 40 لقاحًا للتجارب الإكلينيكية في الوقت الحالي. ويرجع الفضل في ذلك -جزئيًّا- إلى الجهود المشتركة غير المسبوقة التي يبذلها الباحثون في جميع أنحاء العالم. ورحلة البحث الشاقة هذه عن لقاحٍ للمرض تستلزم من الباحثين أن يجيبوا عن تساؤلاتٍ حول كيفية استجابة أجهزتنا المناعية للفيروس، وحول السبب الذي يجعل بعض الأشخاص يعانون أعراضًا حادة، بينما يتعافى آخرون من المرض سريعًا.

وكما نوضح في هذا التقرير الثاني من سلسلة تقارير دورية Nature عن تطورات جائحة فيروس كورونا الجديد، فإنَّ أقوى أسلحتنا في مواجهة الفيروس على مستوى الأفراد والجماعات هو أن نطور لقاحًا آمنًا وفعالًا، لكنَّه لن يكون السلاح الوحيد، فممارسات ارتداء الكمامات، وغسل الأيدي، والتباعد الاجتماعي يجب أن تستمر لبعض الوقت.

تحدي المناعة

في بداية الجائحة، لم يفهم الباحثون كيف يمكن أن تتطور المناعة الطبيعية ضد فيروس "سارس كوف -2"، لكن سرعان ما تغيَّر ذلك. ففي غضون أشهر، أظهرت الدراسات أنَّ المصابين قد تتكون لديهم أجسامٌ مضادة مُحيِّدة للفيروس1، وخلايا تائية يمكنها التعرف على الخلايا المصابة به، وتدميرها2.

كما كشفت أبحاثٌ أخرى أنَّه حتى أولئك الذين لم يُصابوا بالفيروس يمكن أن تكون لديهم أجسامٌ مضادة3 وخلايا تائية2 تتعرف عليه. وقد يكون هذا نتيجةً لإصابتهم في وقتٍ سابق بفيروسات كورونا أخرى منتمية إلى العائلة نفسها تُسبِّب نزلات البرد. ومع ذلك، لم يُعرَف بعد ما إذا كانت هذه الاستجابات الموجودة مسبقًا توفر أي حمايةٍ من الإصابة بعدوى فيروس "سارس-كوف-2"، أم لا.

وقد كان وجود هذه الأجسام المضادة واستجابات الخلايا التائية تلك مبشرًا فيما يخص تطوير اللقاحات؛ لأنه إذا كانت العدوى الطبيعية قادرةً على تحفيز هذا النوع من الاستجابات، فقد يمكن للتطعيم إذَن أن يُحفِّز استجاباتٍ وقائية مماثلة، أو أكثر فعالية.

للمناعة تبعات على العلاجات أيضًا

في شهر أغسطس الماضي، منحت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) تصريحًا بالاستخدام الطارئ لعلاجٍ يُسمَّى "بلازما المتعافين". وينطوي هذا العلاج على إعطاء المصابين بالمرض بلازما دماء المتعافين منه، على أساس أنَّ البلازما تحتوي على عددٍ كبير من الأجسام المضادة التي تتعرف على الفيروس. ومع ذلك.. فإنَّ الباحثين والأطباء الإكلينيكيين يُجمِعون على أنَّ قرار الإدارة كان سابقًا لأوانه، لأنَّ بعض هذه الأجسام المضادة لن يوفر حماية من المرض. كما لا يوجد دليلٌ قاطع حتى الآن على فعالية هذا العلاج4، رغم أنَّ التجارب ما زالت مستمرةً لدراسة ما إذا كان يمكن أن تكون البلازما المأخوذة من متعافين لديهم مستوياتٌ مرتفعة من الأجسام المضادة المُحيِّدة للفيروس مفيدة في علاج الحالة الشديدة من مرض "كوفيد-19"، أم لا.

وثمة نهجٌ آخر قد يحقق نتائج أفضل من العلاج ببلازما المتعافين، يتمثل في عزل مجموعةٍ مُحدَّدة وفعالة من الأجسام المضادة المحيِّدة للفيروس من المصابين، وتطوير علاجاتٍ قائمة عليها. وقد نجح هذا النهج في حال أمراضٍ فيروسية أخرى. وعلى سبيل المثال، في الأسبوع الثاني من شهر أكتوبر الماضي، اعتمدت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية واحدًا من هذه العلاجات لمواجهة فيروس الإيبولا. وتجري حاليًّا تجارب لاختبار فعالية هذه الأجسام المضادة أحادية النسيلة في علاج مرض "كوفيد-19".

احتمالية تكرار الإصابة

هناك سؤالٌ آخر مُلح يتعلق بما إذا كان المتعافون من المرض يكتسبون حمايةً تمنع إصابتهم به مجددًا، أم لا. فقد شهد شهر أغسطس الماضي الإبلاغ عن أول حالة مؤكدة لتكرار إصابة شخصٍ بالمرض، بعد تعافيه منه، وقد حُسِمَ هذا من خلال تحديد تسلسلَي السلالتين الفيروسيتين اللتين تسببتا في إصابته بالمرض في المرة الأولى والثانية5. ومنذ ذلك الحين، ظهر عدد قليل من الحالات الأخرى التي تأكد تكرار إصابتها بالفيروس6، رغم أنَّ عدد الإصابات به في الآونة نفسها على مستوى العالم تجاوز 40 مليون حالة.

ومن الممكن للمتعافين من أنواع فيروسات كورونا الأخرى أن يُصابوا بها مجددًا، نظرًا إلى أنَّ استجابة الأجسام المضادة في تلك الحالات تكون قصيرة الأمد نسبيًّا7. أما في حال "كوفيد-19"، فما زلنا نجهل المدة المحتملة لاستمرار مفعول أشكال الحماية التي يمكن أن يكتسبها الجسم، ومدى شيوع تكرار الإصابة بالمرض، بالإضافة إلى مدى نجاحنا في رصد مَن تتكرر إصابتهم به. وفي حالتين على الأقل من الحالات الموثقة لتكرار الإصابة بالمرض، كان أكثر حدةً في المرة الثانية6، لكنَّ الحالات الطفيفة لتكرار الإصابة به قد لا تُرصَد.

وتشير الدراسات التشريحية إلى أنَّ المراكز الجرثومية -تلك البِنى الموجودة في العقد الليمفاوية والطحال، التي تنضُج فيها الخلايا البائية المنتجة للأجسام المضادة وتتمايز- يمكن ألَّا تكون موجودةً لدى مَن يصابون بالحالة الحادة من المرض، وهو ما يتسبب في افتقارهم إلى تلك الخلايا البائية8. وقد ينتج عن هذا قِصَر أمد استجابة الأجسام المضادة للعدوى الطبيعية، لكنّ دراساتً أخرى أُجريت على المصابين قدمت أدلةً على وجود استجاباتٍ أطول أمدًا؛ فأوضحت أنَّ مستويات الأجسام المضادة تبلغ ذروتها بعد العدوى بفترةٍ وجيزة، ثم تتراجع بعد القضاء عليها، وتظل عند مستوياتٍ أقل بعد ذلك للمدة التي تناولتها الدراسات9 على الأقل.

كيف تؤثر الاستجابة المناعية في شدة المرض؟

إحدى الخصائص البارزة للحالة الشديدة من مرض "كوفيد-19" هي أنَّ صحة المصابين بها تبدو -في كثير من الأحيان- أنها تتدهور سريعًا خلال الأسبوع الثاني من الإصابة. وفي كثيرٍ من الحالات، يحدث ذلك بعد ظهور أعراضٍ طفيفة نسبيًّا في البداية. وقد أشارت الدراسات الأولية التي أُجريت على هؤلاء المرضى إلى وجود اختلالٍ في استجاباتهم المناعية، إذ تُبْرِز أجسامهم استجاباتٍ التهابية مفرطة تفشل في السيطرة على الفيروس، بل وتفاقِم المرض بدلًا من ذلك10

وحتى الآن، لم يُثْبِت إلا عدد قليل من العلاجات فعاليته في خفض معدل الوفيات الناجمة عن تلك الحالات الشديدة. ومن هذه العلاجات عقار "ديكساميثازون" dexamethasone، الذي يعمل على تثبيط الاستجابة الالتهابية، ويُستخدم على نطاقٍ واسع في علاج العديد من الأمراض الالتهابية.

وقد أظهرت دراسةٌ نُشِرَت في شهر سبتمبر الماضي أنَّ ما لا يقل عن 10% من الرجال، ونسبةً أقل من النساء، ممن يعانون ويعانين هذه الحالة الشديدة من المرض لديهم ولديهن أجسامٌ مضادة ذاتية12. وهذه الأجسام المضادة تعرقل عمل مجموعةٍ من البروتينات، تُعرف باسم "الإنترفيرونات"، التي تُعَد عنصرًا حاسمًا في الاستجابة المناعية المضادة للفيروس.

أسئلة عن اللقاحات تحتاج إلى إجابة

مع تسارُع الجهود المبذولة لتطوير لقاحاتٍ للمرض، نحتاج إلى الإجابة عن أسئلةٍ رئيسة، للتأكد من أمان تلك اللقاحات وفعاليتها.

الجانب الإيجابي في الوضع الحالي هو أنَّ فيروس "سارس-كوف-2" لا يبدو أنه يتحور سريعًا، بخلاف فيروس الإنفلونزا، على سبيل المثال. ويعني هذا أنَّه -على الأرجح- لن يتحور سريعًا ليتجنب الاستجابات التي ستحفزها اللقاحات. وفي الوقت نفسه، ما زلنا نجهل ما إذا كانت المناعة التي ستحفزها اللقاحات ستستمر لفترة قصيرة، أم لفترة طويلة. كذلك لم نعرف بعد إلى أيّ مدى ستكون اللقاحات فعَّالةً مع حالات كبار السن، الذين تستجيب أجهزتهم المناعية -في الأغلب- للتطعيمات استجابةً أضعف. وإذا ولَّدت اللقاحات مناعة قصيرة الأمد، فسيحتاج مَن يحصلون على التطعيم إلى جرعاتٍ معزِّزة بانتظام.

كما ستستغرق الإجابة عن عدد كبير من المسائل المتعلقة بالنواحي اللوجستية وسلاسل الإمداد بعض الوقت. فإعطاء اللقاحات للناس يتطلب وجود معدّاتٍ، مثل القوارير، وإبر الحَقْن. وفي بعض البلدان، قد تكون هناك حاجة إلى حفظ مخزون اللقاح في مخازن باردة، وفي العديد من الأماكن ستكون هناك حاجةٌ إلى تعيين مزيدٍ من العاملين في مجال الرعاية الصحية، وتدريبهم. وثمة أيضًا مسألة تحديد البلدان التي ينبغي أن تكون لها الأولوية في الحصول على اللقاحات، والفئات التي ينبغي أن تحصل عليها أولًا في كل دولة. وتعمل عدة منظمات في الوقت الحالي للإجابة عن تلك الأسئلة.

الثقة والتحقُّق

من المزمع أن تُقيِّم منظمة الصحة العالمية لقاحات "كوفيد–19" من أجل النظر في اعتماد استخدامها بموجب إجراءات الاستخدام الطارئ، التي يُصرَّح فيها باستخدام اللقاحات، بينما تجاربها ما زالت جارية. وتعمل المنظمة والهيئات التنظيمية الوطنية تحت ضغطٍ هائل من الحكومات وشركات صناعة الأدوية، لكن على جميع الأطراف أن يدركوا أنَّه لا يمكن سَلْك طرق مختصرة للحصول على موافقة الهيئات التنظيمية؛ فثقة الجمهور في اللقاحات ضرورية، ولذلك.. يجب السماح لتلك الهيئات باستكمال عملها، دون تدَخُّل.

"لا يمكن سَلْك طرق مختصرة للحصول على موافقة الهيئات التنظيمية؛ فثقة الجمهور في اللقاحات ضرورية".

كما أنَّ هناك تحدياتٍ أخرى تتعلق بموقف مَن تُساوِرهم شكوك بشأن اللقاحات. لذلك، تجب متابعة أي لقاحٍ جديد بعناية، لرصد آثاره الضارة، وبالأخص آثاره على الفئات المعرضة للخطر. وكما كتبنا من قبل، فإنَّ التغلب على هذا الموقف المتشكك في اللقاحات سوف يتطلب أيضًا شفافيةً كبيرة من شركات الأدوية وشركائها الأكاديميين.

ومعظم هذه الجهود المبذولة من أجل التوصُّل إلى لقاحٍ لفيروس كورونا يُعَدّ مثالًا لما يمكن تحقيقه عندما تتضافر جهود الباحثين، والأطباء الإكلينيكيين، والممولين، والهيئات التنظيمية، والشركات، لتحقيق المصلحة العامة، أي باختصار، حين يتعاون البشر معًا. وبينما يُعَد توفُّر لقاح في غاية الأهمية، يجب أيضًا أن يكون آمنًا وفعالًا، وأن يُوزَّع بإنصاف، وعلى أولئك الذين هم في حاجة ماسّة إليه. وإلى أن يتوفَّر هذا اللقاح، يجب على الجميع الالتزام بالحلول الناجعة، مثل إجراء الفحوص الدقيقة، وعزل المصابين، وتتبع مخالطيهم، ولا بد أن يغيِّر الناس سلوكياتهم، للمساعدة على الحدّ من انتشار الفيروس. وربما يتعين انتهاج تلك الممارسات لمدةٍ طويلة، حتى بعد توفُّر اللقاح. 

References

  1. Ju, B. et al. Nature 584, 115–119 (2020). | article
  2. Grifoni, A. et al. Cell 181, 1489–1501 (2020). | article
  3. Shrock, E. et al. Science https://doi.org/10.1126/science.abd4250 (2020). | article
  4. Estcourt, L. J. & Roberts, D. J. Br. Med. J. 370, m3516 (2020). | article
  5. Kai-Wang To, K. et al. Clin. Infect. Dis. https://doi.org/10.1093/cid/ciaa1275 (2020). | article

  6. Iwasaki, A. Lancet Infect. Dis. https://doi.org/10.1016/S1473-3099(20)30783-0 (2020). | article
  7. Edridge, A. W. D. et al. Nature Med. https://doi.org/10.1038/s41591-020-1083-1 (2020). | article
  8. Kaneko, N. et al. Cell 183, 143–157 (2020). | article
  9. Ripperger, T. J. et al. Preprint at medRxiv https://doi.org/10.1101/2020.08.14.20174490 (2020). 
  10. Blanco-Melo, D. et al. Cell 181, 1036–1045 (2020). | article
  11. The RECOVERY Collaborative Group N. EnglJ. Med. https://doi.org/10.1056/NEJMoa2021436 (2020). | article
  12. Bastard, P. et al. Science https://doi.org/10.1126/science.abd4585 (2020). | article