أنباء وآراء

الفحص المجهري الإلكتروني فائق التبريد يصل إلى الاستبانة على المستوى الذري

اكتسبت تقنية الفحص المجهري الإلكتروني فائق التبريد، التي تُعَد إحدى تقنيات علم الأحياء البنيوي، قدرةً على تحديد مواضع ذراتٍ مُفرَدة داخل البروتينات، فما التداعيات المحتمَلة المترتبة على هذا التقدُّم؟ 

مارك إيه. هيرتزيك جونيور
  • Published online:

ينصُّ أحد المبادئ التأسيسية لعلم الأحياء البنيوي على أنَّه فور رَصْد الجزيئات الضخمة بتفصيلٍ كاف، من المفترَض أن يصبح بإمكان الباحثين فهْم الكيفية التي تَمنحها بها بِنَاها ثلاثية الأبعاد وظائفها الحيوية. وفي الواقع، اعتمدت تطورات علمية عديدة على رصدِ العالَم من حولنا رصدًا مباشرًا بأكبر قدرٍ ممكن من التفصيل. ومن ثم، تُكرَّس جهودٌ متزايدة لتصوير البِنَى الذرية للمكونات البيولوجية التي تضطلع بدورٍ رئيس في الأمراض البشرية. ويُمثِّل التحليل الطيفي بالرنين المغناطيسي النووي، والتصوير البلوري بالأشعة السينية، والفحص المجهري الإلكتروني فائق التبريد أهم تقنيات علم الأحياء البنيوي المُستخدَمة حاليًّا لتصوير هذه البِنَى. ومن بين هذه التقنيات الثلاث برزت تقنية الفحص المجهري الإلكتروني فائق التبريد، لتصبح حاليًّا الطريقة "الموثوقة" لتحديد بِنَى المركّبات المعقدة الكبيرة والمتغيرة باستمرار، التي ثَبُت صعوبة تحديدها بالطرق الأخرى.   

وقد نشرت الباحثة كا مان يِب وزملاؤها1، والباحث تاكانوري ناكاني وزملاؤه2 بحثين مؤخرًا في دورية Nature، أوردوا فيهما تقريرًا عن التقاط أدقِّ الصور التي جُمعت حتى الآن باستخدام تقنيةٍ تُسمَّى الفحص المجهري الإلكتروني فائق التبريد مفرد الجسيمات. وقد أتاح هذا الإنجاز تحديد مواضع ذرات مفردة في البروتينات للمرة الأولى. وكذلك أدَّت بعض الاكتشافات المهمة الفارقة التي أفادت بها مجموعاتٌ بحثية أخرى إلى تحسيناتٍ ملحوظة في استبانة صور الفحص المجهري الإلكتروني فائق التبريد4،3. وفي النهاية، ستُسهِم هذه التطورات في تحسين فهْم الباحثين لكيفية عمل البروتينات في حال صحة الجسم ومرضه، من خلال مستوى غير مسبوق من الاستبانة، ويمكن أن تساعد أيضًا في تصميم علاجاتٍ أفضل.

صحيحٌ أنَّ تقنية الفحص المجهري الإلكتروني فائق التبريد موجودةٌ منذ عقود، لكنَّها اجتذبت اهتمامًا متزايدًا منذ عام 2013 تقريبًا، بسبب سلسلةٍ من التطورات التكنولوجية والخوارزمية، التي أدَّت معًا إلى تحسُّنٍ لافت في الاستبانة التي يمكن تحقيقها بهذه التقنية (فيما وُصف بأنه "ثورة في الاستبانة'')5.

يبدأ جمْع البيانات في الفحص المجهري الإلكتروني فائق التبريد مفرد الجسيمات بوضعِ عيِّنةٍ من بروتين في شبكةٍ خاصة للعيِّنات، ثم تُغمَر في إيثانٍ سائل، فتتجمَّد جسيمات البروتين سريعًا، وتُحتجَز في طبقةٍ رقيقة من الجليد غير منتظم الشكل. بعد ذلك، يتم حساب متوسط قِيَم البكسلات في الصور ثنائية الأبعاد، التي أُخِذَت لهذه الجسيمات المفردة من زوايا مختلفة عبر تعريضها لحزمةٍ من الإلكترونات، بعملياتٍ حوسبية بهدف خفض شدة الضوضاء؛ لإنتاج صورة ثلاثية الأبعاد لبِنْية هذه الجسيمات، إذ تكون الصور ثنائية الأبعاد ذات "ضوضاء مرتفعة" للغاية، نتيجة لضرورة استخدام جرعةٍ صغيرة من الإلكترونات، تجنبًا لإتلاف العينة البيولوجية التي تكون سريعة التأثُّر بالإشعاع. ومن ثَمَّ، ظلت هذه الصور على مدار تاريخها غير مناسبة لتحديد تفاصيل البِنى على المستوى الذري، غير أنَّ التطورات التي أُفيد بحدوثها منذ عام 2013 أتاحت جمْع البيانات عن الجسيمات المفردة بالفحص المجهري الإلكتروني فائق التبريد بدقة تضاهي جمْعها بتقنية التصوير البلوري بالأشعة السينية.

وقد استمر تقدُّم خطى الثورة التي أطلقتها تقنية الفحص المجهري الإلكتروني فائق التبريد على صعيد الاستبانة6، إذ استخدمت الباحثة يِب وزملاؤها، والباحث ناكاني وزملاؤه تحسينات تكنولوجية لتحديد البِنى المختلفة التي يتخذها بروتينٌ مستقر مُخزِّن للحديد يُسمَّى الفيريتين (يُطلق عليه "أبوفيريتين" عندما يخلو من العناصر المعدنية) باستبانةٍ تبلغ حوالي 1.2 أنجستروم. وتتسم الاستبانة التي أٌحرزت في هذه البِنى بأنها الأعلى في أوساط البِنى التي حُسِمت حتى الآن بتقنية الفحص المجهري الإلكتروني فائق التبريد مفرد الجسيمات، وتُعَد البيانات التي جُمِعت من خلالها ذات جودةٍ كبيرة تكفي لتمييز كلٍّ من الذرات المفرَدة في الأبوفيريتين على حدة (شكل 1). وهو إنجاز غير مسبوق لم يتصور أحد قبل عقد من الزمان أنه ممكن.

الشكل 1 | مواضع ذراتٍ مُفردة، جرى تصويرها باستخدام الفحص المجهري الإلكتروني فائق التبريد (cryo-EM). أفادت الباحثة يِب وفريقها1، والباحث ناكاني وفريقه2 أنَّهم تجاوزوا الحد الأقصى للاستبانة التي يتم الوصول إليها في التصوير على المستوى الذري من خلال هذه التقنية الأساسية التي يستخدمها علم الأحياء البنيوي، إذ عَرَضوا بِنى بروتينية باستبانة تبلغ حوالي 1.2 أنجستروم. ويظهر في الصورة قطاعٌ من بروتين أبوفيريتين، استُحدث شكله باستخدام النتائج التي أوردها ناكاني وفريقه. وتُمثِّل الشبكة الزرقاء البيانات المتعلقة بكثافة الإلكترونات في الفحص المجهري الإلكتروني فائق التبريد. وهذه الشبكة مركَّبة على نموذج لذرات في البِنية الجزيئية للبروتين، حيث تظهر الذرات المُفرَدة على شكلِ كرات، وتظهر الروابط بينها على شكل عِصِي. وذرات الكربون، والنيتروجين، والأكسجين مُمثَّلة بالألوان الرمادي، والأحمر، والأزرق، على الترتيب.

الشكل 1 | مواضع ذراتٍ مُفردة، جرى تصويرها باستخدام الفحص المجهري الإلكتروني فائق التبريد (cryo-EM). أفادت الباحثة يِب وفريقها1، والباحث ناكاني وفريقه2 أنَّهم تجاوزوا الحد الأقصى للاستبانة التي يتم الوصول إليها في التصوير على المستوى الذري من خلال هذه التقنية الأساسية التي يستخدمها علم الأحياء البنيوي، إذ عَرَضوا بِنى بروتينية باستبانة تبلغ حوالي 1.2 أنجستروم. ويظهر في الصورة قطاعٌ من بروتين أبوفيريتين، استُحدث شكله باستخدام النتائج التي أوردها ناكاني وفريقه. وتُمثِّل الشبكة الزرقاء البيانات المتعلقة بكثافة الإلكترونات في الفحص المجهري الإلكتروني فائق التبريد. وهذه الشبكة مركَّبة على نموذج لذرات في البِنية الجزيئية للبروتين، حيث تظهر الذرات المُفرَدة على شكلِ كرات، وتظهر الروابط بينها على شكل عِصِي. وذرات الكربون، والنيتروجين، والأكسجين مُمثَّلة بالألوان الرمادي، والأحمر، والأزرق، على الترتيب.    

Credit: Mark Herzik

اعتمد نجاح الباحثة يِب وزملائها على تطوير الأجهزة المستخدَمة في هذا الفحص، بما في ذلك مكوِّناتٍ مثل مُصحِّح الزيغٍ الكروي، وجهاز المونوكرومر، الذي يستخدم سلسلةً من المرشِحات، لضمان ألَّا يتفاعل مع العيِّنة سوى الإلكترونات ذات نطاقات الطاقة الضيقة، وهو ما يُحسِّن استبانة الصورة النهائية، في حين استخدم ناكاني وزملاؤه تقنية مختلفة، تمثَّلت في كاثود بارد باعث للإكتروناتٍ في مجال كهربي، يولِّد بدوره إلكترونات ذات نطاقِ طاقة ضيق، فضلًا عن تقنية تُقلِّل الضوضاء في كلِّ صورة بإزالة الإلكترونات التي تتفاعل بلا جدوى مع العينة. وفوق ذلك، جمع ناكاني وزملاؤه بياناتٍ باستخدام كاميرا عالية الدقة كاشفة للإلكترونات تَستخدِم أحدث التقنيات.

وبالإضافة إلى تحليل الأبوفيريتين، تَوصَّل ناكاني وزملاؤه إلى تحديد بِنية أحد أشكال مستقبلات حمض جاما أمينوبيوتيريك (GABA) من النوع أ، عند استبانةٍ بلغت 1.7 أنجستروم. وهو شكل صُمِّم ليكون أكثر استقرارًا من الشكل الشائع الموجود لدى البشر. وتجدر الإشارة إلى أنَّ هذا المُستقبِل هو مُركَّب معقد متعدد البروتينات، يوجد في الغشاء الخلوي للخلايا العصبية، وتستهدفه علاجات عديدة. وقد اعتُقد سابقًا أن الوصول إلى مثل هذه الاستبانة العالية بالفحص المجهري الإلكتروني فائق التبريد مفرد الجسيمات في تصوير عيِّنةٍ بيولوجية كهذه ضرب من المستحيل؛ فهي عيِّنة تُبدي مرونةً عالية في حركتها البنيوية، مقارنةً بالجزيئات التي تتسم بالجمود البنيوي، مثل الأبوفيريتين. وتكشف البِنية التي صوَّرها ناكان وزملاؤه تفاصيل لم تُرَ من قبل عن مستقبلات حمض جاما أمينوبيوتيريك من النوع أ، إذ تتيح معلومات -على سبيل المثال- عن الروابط في جزيء يُسمَّى "الهستامين" في مركز البروتين.

وقد أدت التطورات التي شهدتها أجهزة الفحص المجهري الإلكتروني فائق التبريد، والتي وصفتها الباحثة يِب، والباحث ناكاني، وزملاؤهما إلى تقدُّمٍ كبير في استبانة الفحص المجهري الإلكتروني فائق التبريد، إذ استخدم كلُّ فريق أجهزةً عالَجت جوانب مختلفة في التصوير بالفحص المجهري الإلكتروني فائق التبريد، كانت تحدُّ سابقًا من مستوى الاستبانة الذي يمكن تحقيقه. وبفضلِ هذه التقنيات، ستزيد نسبة "الإشارة إلى الضوضاء" في التصوير بالفحص المجهري الإلكتروني فائق التبريد، وهو ما سيوسِّع نطاق استخدامه، بحيث يمكن أن يشمل -على سبيل المثال- تحديد بِنًى ذات استبانةٍ عالية لعيِّناتٍ غير متجانسة، مثل تلك المكوَّنة من بروتينات الأغشية الخلوية، أو المركّبات المعقدة ضخمة الجزيئات التي تتباين في التشكُّل أو التركيب.

وقد يتيح الجمْع بين هذه التقنيات تحديد البِنى بالفحص المجهري الإلكتروني فائق التبريد باستبانةٍ تتجاوز أنجسترومًا واحدًا. ولعل إدراك هذه الغاية قد بدا فيما مضى شبه مستحيل، غير أنَّ هذه التقنيات هي أفضل وسائل الفحص المجهري الإلكتروني فائق التبريد. ويعجز معظم المعاهد والمؤسسات البحثية عن الحصول عليها في الوقت الراهن، بسبب تكلفة شرائها وتشغيلها، لكنْ من الآن فصاعدًا، سيساعدنا هذا التقدم على معرفة المزيد عمَّا يحدّ من مستوى الاستبانة الذي يُمكن الوصول إليه، ومن ثم يتيح لنا تصميمَ أدوات أفضل.

صحيحٌ أن هذه البِنَى عالية الاستبانة ليست ضروريةً للإجابة عن كل ألغاز علم الأحياء، لكنَّ التفاصيل الإضافية التي يمكن أن تزودنا بها تلك الأجهزة ستقلص مستويات عدم الدقة في تصوُّر هذه البِنى ثلاثية الأبعاد، وتتيح منصة أفضل لفهم وظائفها البيولوجية، إلا أنه في معظم الجزيئات الضخمة، من المرجَّح أنَّ المرونة البنيوية وعدم التجانس البنيوي المتأصِّلَين فيها سيُكونان العامل الذي يحدُّ من درجة الاستبانة، وليس أيُّ عاملٍ آخر، بغض النظر عن إمكانات الوسائل المتاحة. ولدى التعامل مع هذه العيِّنات الأقل استقرارًا، فإنَّ استخدام تقنيات جديدة في تحضير العيِّنة، بالإضافة إلى تحسين إنتاجية عمليات جمْع البيانات وتطوير الخوارزميات، سيتيح طرقًا جديدة لاستكشاف المُخطَّط البنيوي لهذه المركبات المعقدة. ومن ثَمَّ، فمع أنَّ الثورة المحرَزة على صعيد استبانة الفحص المجهري الإلكتروني فائق التبريد قد تنتهي قريبًا، ثمة ثورات أخرى تنتظر تحقيقها في السنوات القادمة، من شأنها أن تعزز قوة هذه التقنية، وتجعلها أكثر قابليةً للاستخدام في البحث عن إجاباتٍ إشكاليات متنوعة في علم الأحياء. 

References

  1. Yip, K. M., Fischer, N., Paknia, E., Chari, A. & Stark, H. Nature 587, 157–161 (2020). | article
  2. Nakane, T. et al. Nature 587, 152–156 (2020). | article
  3. Zhang, K., Pintilie, G. D., Li, S., Schmid, M. F. & Chiu, W. Preprint at bioRxiv https://doi.org/10.1101/2020.08.19.256909 (2020). | article
  4. Kato, T. et al. Microsc. Microanal. 25, 998–999 (2019). | article
  5. Cheng, Y. Science 361, 876–880 (2018). | article
  6. Kühlbrandt, K. Science 343, 1443–1444 (2014). | article

مارك إيه. هيرتزيك جونيور

يعمل أستاذًا في قسم الكيمياء والكيمياء الحيوية بجامعة كاليفورنيا، سان دييجو، لاهويا، كاليفورنيا، 92093، الولايات المتحدة الأمريكية.

 البريد الإلكتروني: mherzik@ucsd.edu