أنباء وآراء

مفهوم جديد لكمال الحوسبة المستلهَمة من الدماغ

يمكن للأجهزة التي تحاكي الدماغ البشري أن تطلق ثورة في الحوسبة، لكن تشغيل الخوارزميات في مثل هذه الأجهزة يمثل تحديًا. وقد يبسِّط إطارٌ مفاهيمي جديد مقترَح عملية تشغيلها هذه، ما من شأنه أن يسرع وتيرة الأبحاث في هذا المجال. 

أوليفر رودز

  • Published online:

قد يستمد الجيل القادم من الأنظمة الحاسوبية عالية الأداء منخفضة الطاقة الإلهامَ من الدماغ البشري، بيد أنه مع انصراف مصممي الحواسيب عن تقنيات الحوسبة التقليدية، وتوجههم نحو الأنظمة المستلهمة من الدماغ (المعروفة بالأنظمة المحاكية للبِنَى العصبية البيولوجية)، يُضطرون أيضًا إلى العزوف عن الاستعانة بالأنظمة الهرمية التقليدية الراسخة التي يقوم على أساسها تصميم الآلات التقليدية، وهي أنظمة تتمثل في إطار عمل مبسط، يحدد بصورة عامة طريقة معالجة الحاسوب الرقمي للبرمجيات، وكيفية تحويله لهذه البرمجيات إلى عمليات يجري تشغيلها على مكونات الآلات المادية. وقد أسهمت هذه الأنظمة الهرمية في تمكين تطوير أداء الحواسيب سريعًا. وفي بحث نُشر مؤخرًا في دورية Nature، وضع جانج وزملاؤه1تعريفًا لنظام هرمي جديد يحدد متطلبات الخوارزميات وتشغيلها في مجموعة من الأنظمة المحاكية للبِنَى العصبية البيولوجية، ليضعوا بذلك الأسس لمنهجية بحثية، يمكن من خلالها تصميم الخوارزميات والمكونات المادية للحواسيب المستلهمة من الدماغ بصورة مستقلة عن أحدهما الآخر.

وتجدر الإشارة إلى أن أداء الحواسيب الرقمية التقليدية قد تحسَّن على مدار الخمسين عامًا الماضية، وفقًا لقانون مور، الذي ينص على أن التقدم التقني من شأنه أن يمكِّن الدارات المتكاملة (الرقاقات الإلكترونية) من مضاعفة مواردها كل فترة تتراوح تقريبًا من 18 إلى 24 شهرًا. ورغم أن ذلك التقدم أتاح إنتاج مكونات مادية أكثر كفاءة من أي وقتٍ مضى، فقد خلق صعوباتٍ تواجه مصممي النظم الساعين إلى تحسين أداء الخوارزميات التي تُشَغَّل على هذه الأجهزة التي تتطور باستمرار.

ومن السمات المهمة التي تميز عملية تصميم الحواسيب التقليدية، بحيث تسمح بالحصول على أفضل أداءٍ من الأجهزة الجديدة (مثل الرقاقات، وبطاقات الذاكرة، وما إلى ذلك): عدم وجود ارتباط وثيق بين عمليات تطوير البرمجيات والمكونات المادية؛ فمن خلال الحدّ من متطلبات المكونات المادية إلى أقصى درجة ممكنة، صار بالإمكان تحويل البرامج المكتوبة بلغات برمجة عالية المستوى إلى ما يكافئها تمامًا من تسلسلات التعليمات المطلوبة لأي جهاز، في عملية تُعرف بالترجمة البرمجية (شكل 1). والحواسيب التي تدعم استعمال التعليمات التي تعبِّر عن العمليات الحوسبية الأساسية في عملية الترجمة هذه تُوصَف بالكمال، وفقًا لمفهوم تورينج. ومن ثمَّ، تُكتب الأكواد البرمجية عمومًا مرة واحدة فقط، وبعدها يمكن ترجمتها وتشغيلها على عدة نظم معالجة تتسم بالكمال، وفقًا لمفهوم تورينج، للحصول على نتائج متكافئة.

الشكل 1 | نظام هرمي لتشغيل الخوارزميات على المكونات المادية للحواسيب. أ. يحدِّد النظام الهرمي للحواسيب الرقمية الحديثة -بشكلٍ عام- طريقة معالجتها للبرمجيات.­­، إذ إن الخوارزميات المكتوبة بلغة برمجية عالية المستوى يتم تحليلها إلى عمليات حوسبية أساسية، لإنتاج تمثيلات بيانية وسيطة تعبِّر عن البرنامج. كما تُترجم هذه العمليات إلى تمثيلات بيانية وسيطة تعبِّر بدقة عن المكونات المادية، أي مجموعة من التعليمات التي يجري تشغيلها على المكونات المادية. وبهذه الطريقة يمكن تطوير الخوارزمية بصورة منفصلة عن المكونات المادية، لكن لم يُوضع نظام هرمي مشابه للحواسيب المحاكية للبِنى العصبية البيولوجية (تلك التي تستخدم شبكاتٍ من خلايا عصبية اصطناعية كأساس لعملياتها الحوسبية). ب. يقترح جانج وزملاؤه1 الآن نظامًا هرميًّا مشابهًا لاستخدامه في الحواسيب المحاكية للبِنى العصبية البيولوجية، تكون فيه التمثيلات البيانية الوسيطة المعبرة عن المكونات المادية مجرد صورة مقربة من التمثيلات البيانية الوسيطة المعبرة عن البرنامج، وهو ما يسمح بتجاوز الصعوبات التي تواجه إنتاج تمثيلات بيانية دقيقٍة تمامًا في نظم محاكاة البِنى العصبية البيولوجية. وسيتيح هذا النظام الهرمي فصل تطوير البرمجيات عن تطوير المكونات المادية في حواسيب محاكاة البِنى العصبية البيولوجية، بدلًا من الربط بين تطويرهما في كل تطبيقٍ، كما هو الحال في الوقت الراهن.

الشكل 1 | نظام هرمي لتشغيل الخوارزميات على المكونات المادية للحواسيب. أ. يحدِّد النظام الهرمي للحواسيب الرقمية الحديثة -بشكلٍ عام- طريقة معالجتها للبرمجيات.­­، إذ إن الخوارزميات المكتوبة بلغة برمجية عالية المستوى يتم تحليلها إلى عمليات حوسبية أساسية، لإنتاج تمثيلات بيانية وسيطة تعبِّر عن البرنامج. كما تُترجم هذه العمليات إلى تمثيلات بيانية وسيطة تعبِّر بدقة عن المكونات المادية، أي مجموعة من التعليمات التي يجري تشغيلها على المكونات المادية. وبهذه الطريقة يمكن تطوير الخوارزمية بصورة منفصلة عن المكونات المادية، لكن لم يُوضع نظام هرمي مشابه للحواسيب المحاكية للبِنى العصبية البيولوجية (تلك التي تستخدم شبكاتٍ من خلايا عصبية اصطناعية كأساس لعملياتها الحوسبية). ب. يقترح جانج وزملاؤه1 الآن نظامًا هرميًّا مشابهًا لاستخدامه في الحواسيب المحاكية للبِنى العصبية البيولوجية، تكون فيه التمثيلات البيانية الوسيطة المعبرة عن المكونات المادية مجرد صورة مقربة من التمثيلات البيانية الوسيطة المعبرة عن البرنامج، وهو ما يسمح بتجاوز الصعوبات التي تواجه إنتاج تمثيلات بيانية دقيقٍة تمامًا في نظم محاكاة البِنى العصبية البيولوجية. وسيتيح هذا النظام الهرمي فصل تطوير البرمجيات عن تطوير المكونات المادية في حواسيب محاكاة البِنى العصبية البيولوجية، بدلًا من الربط بين تطويرهما في كل تطبيقٍ، كما هو الحال في الوقت الراهن.

كبر الصورة

لكن من المعروف على نطاق واسع أن عصر التقدم الذي نص عليه قانون مور يقترب من نهايته، إذ يبدو أن معدل التقدم في تطوير كفاءة الحواسيب الرقمية آخذ في التباطؤ. وفضلًا عن ذلك، يمكن للحوسبة الرقمية أن تستهلك قدرًا كبيرًا من الطاقة، وهو ما يدفع باتجاه البحث عن بدائل لها. ولطالما أبهرت قدرات الدماغ الحوسبية العلماء، فهو لا يتميز بالكفاءة في استهلاك الطاقة وحسب، بل يُظْهِر كذلك أداءً فريدًا في معالجة المعلومات بفضل بِنْيته المكونة من عصبونات، ومشابك عصبية. ومن ثم، ألهم الدماغ نشأة حقل الحوسبة المحاكية للبِنَى العصبية البيولوجية، وهو مجال بحثي يرتكز على نسق البِنَى الشبكية العصبية في الدماغ في تطوير حواسيب الجيل القادم2.

انصَبّ تركيز الحوسبة المحاكية للبنى العصبية البيولوجية عادةً على الشبكات العصبية المرسلة للنبضات العصبية. وهي أنظمة من الخلايا العصبية الصناعية المتصلة ببعضها بعضًا، وتُظهِر فيها كل خلية عصبية "موجة" قصيرة من النشاط حين يتجاوز مستوى تنشيطها حدًّا معينًا3. وتُعَد هذه الأنظمة أقرب إلى الشبكات العصبية البيولوجية من الشبكات العصبية الاصطناعية المستخدمة بشكل شائع في تطبيقات التعلم العميق الحديثة. وقد أُنتِجت المكونات المادية المحاكية للبنى العصبية البيولوجية بمجموعة من الأشكال الرقمية والتناظرية، بيد أن أغلب أنظمتها يتسم بمبادئ تصميمية مشتركة، مثل الاشتراك في الذاكرة والمعالِج لموضع واحد.

ومن التحديات التي تواجه الباحثين الساعين إلى تطوير تطبيقات برمجية خاصة بالمكونات المادية المحاكية للبِنى العصبية البيولوجية أنه لا يوجد حاليًّا نظام هرمي تقليدي محاك لمفهوم تورينج للكمال. وبدلًا من ذلك، يتطلب تصميم كل رقاقة جديدة -على سبيل المثال- مجموعة أدوات برمجية مُعَدّة لغرض محدد تضع بعض الخوارزميات وتشغِّلها، بحيث تلائم هذه الرقاقة الفريدة. وهذا يصعِّب مقارنة أداء الأنظمة المختلفة المحاكية للبِنى العصبية البيولوجية، ويتطلب من الباحثين فهم كل جوانب الخوارزمية والمكونات المادية، للوصول إلى أداء قد يقترب من عمل الدماغ البشري.

ويقدم جانج وزملاؤه الآن حلًّا للتغلب على هذه المشكلة باقتراح مفهوم يسمونه كمال الحوسبة المحاكية للبِنى العصبية البيولوجية. ويهدف هذا المفهوم، الذي يستحضر في الذهن مفهوم الكمال لتورينج، إلى الفصل بين تطوير الخوارزميات، وتطوير المكونات المادية، إذ يرى الباحثون أن النظام المستلهَم من الدماغ يكون متسمًا بالكمال، وفقًا لمفهومهم، إنْ تَمَكَّن من تنفيذ مجموعة من العمليات الأساسية بمستوى معين من الدقة (الشكل 1). وبذلك يضع هذا المفهوم اشتراطات أبسط من الأنظمة الهرمية الخاصة بالحواسيب التقليدية. وهو يختلف عن مفهوم الكمال لتورينج، الذي بموجبه لا يمكن تعريف النظام على أنه يتسم بالكمال، إلا إنْ أعطى نتائج محددة ومتكافئة من إجراء مجموعة من العمليات الأساسية.

والعمليات الأساسية في إطار العمل الذي يقترحه الباحثون، القائم على مفهوم كمال الحوسبة المحاكية للبنى العصبية البيولوجية، تتضمن عمليتين تُعرفان بعملية المجموع المرجح، والعملية الخطية المُصحَّحة لكل عنصر، وهما تمكنان أنظمة المكونات المادية من دعم الشبكات العصبية الاصطناعية، سواء المرسلة للنبضات، أم غير المرسلة لها. وقد أوضح الباحثون كيف يوفر النظام الهرمي الذي يقترحونه للحوسبة المستلهمة من الدماغ آلية لتحويل خوارزمية محددة إلى صيغة مناسبة للعديد من الأجهزة التي تستوفي مفهوم كمال الحوسبة المحاكية للبنى العصبية البيولوجية.

ومن السمات المرحَّب بها في هذا النظام الهرمي الجديد أنه يقترح درجات متفاوتة من الكمال، يمكن بموجبها قبول مستويات مختلفة من أداء الخوارزميات، بالاحتكام إلى الدقة التي يمكن بها لنظام محاكاة البنى العصبية البيولوجية أداء العمليات الأساسية. وتعني هذه الدرجات المتفاوتة أن هذا النظام الهرمي الجديد يمكن تنفيذه باستعمال كل المتاح من النظم التناظرية والرقمية المحاكية للبِنى العصبية البيولوجية، ومنها تلك التي تضحي بالدقة من أجل زيادة سرعة تنفيذ الأوامر، أو توفير الطاقة.

وتسمح الدرجات المتفاوتة من الكمال أيضًا بتشغيل الخوارزمية بصور مختلفة على المكونات المادية نفسها، وعلى سبيل المثال، بغرض استكشاف طرق الاستعاضة عن دقة الخوارزمية بحجم رقائق صغير، لتقليل استهلاك الطاقة. ويعرض جانج وزملاؤه هذا الجانب من مقاربتهم عن طريق تنفيذ خوارزميات لثلاث مهام ("قيادة" دراجة دون سائق، ومحاكاة حركة أسراب الطيور، وإجراء تحليل جبري خطي يُسمى تحليل "كيو آر" QR). وقد نُفِّذَت كل من هذه المهام باستعمال ثلاث منصات مكونات مادية عادية تتسم بكمال الحوسبة المحاكية للبنى العصبية البيولوجية، ألا وهي: رقاقة خاصة بالباحثين، ذات تصميم محاكٍ للبِنى العصبية البيولوجية4، ووحدة معالجة رسوم تُستعمل في الحواسيب التقليدية، ومنصة مبنية على أجهزة تُسمى مقاومات الذاكرة، تسرع تنفيذ الشبكات العصبية.

ويُعَد النظام المقترَح خطوة مُرَحَّبًا بها في المجال، لأنه يتيح عقد مقارناتٍ بين منصات المكونات المادية المختلفة التي تشغِّل نسخًا متكافئة من الخوارزمية نفسها، ومقارنة الخوارزميات المختلفة المشغَّلة على المكوِّن المادي نفسه. وهاتان عمليتان مهمتان للغاية للمقارنة المرجعية الفعالة بين تصميمات نظم محاكاة البِنى العصبية البيولوجية. وتضمين مكون مادي تقليدي يتسم بالكمال وفق مفهوم تورينج (وهو وحدة معالجة الرسوم) في تجارب إثبات المبدأ شديد الأهمية، لأنه يثبت أن هذا النظام الهرمي الجديد قد يمكن استعماله في إثبات تفوق الأجهزة المحاكية للبِنى العصبية البيولوجية على النظم السائدة في تطبيقاتٍ معينة.

ومن المنافع الكبرى التي يحققها النظام الهرمي المقترَح إتاحة فصل تطوير الخوارزميات عن تطوير المكونات المادية، ليسلكا مسارين بحثيين مستقلين. وسيحتاج نطاق عمل الخوارزميات وتعقيدها أن يزيدا بمرور الوقت، إذا أردنا أن نجني الفوائد الأساسية للتصميمات المحاكية للبِنى العصبية البيولوجية. لذا.. سيساعد هذا الفصل الباحثين في التركيز على جوانب محددة من الإشكاليات البحثية، بدلًا من محاولة إيجاد حلولٍ لجميع المشكلات المتعلقة بالبرمجيات والمكونات المادية، وتَوافُقها. وهذا سيؤدي -على الأرجح- إلى فهمٍ أفضل لهذه المشكلات، وسيصُبّ مستقبلًا في تصميم نظم حوسبة محاكية للبِنى العصبية البيولوجية تتسم بأداء أفضل.

وما زال ثمة الكثير مما يجب القيام به لتَضافُر الجهود التي تبذلها المجموعات البحثية في المجال الصناعي والأكاديمي فيما يخص حقل الحوسبة المحاكية للبِنى العصبية البيولوجية. ويُعَد النظام الهرمي الذي يقترحه جانج وزملاؤه خطوة مفيدة في هذا الاتجاه. وسيتعين علينا أن ننتظر لنرى ما إذا كانت الأدمغة الفعلية، أو "المكونات المادية" البيولوجية، تتسم هي نفسها بالكمال، أم لا، لكنّ مقاربة الباحثين -على كل حال- تقرِّبنا من المنافع الجمّة التي يمكن أن نجنيها من المكونات المادية المستلهَمة من الدماغ البشري.

References

  1. Zhang, Y. et al. Nature 586, 378–384 (2020). | article
  2. Roy, K., Jaiswal, A. & Panda, P. Nature 575, 607–617 (2019). | article
  3. Gerstner, W., Kistler, W. M., Naud, R. & Paninski, L. Neuronal Dynamics: From Single Neurons to Networks and Models of Cognition (Cambridge Univ. Press, 2014). | article
  4. Pei, J. et al. Nature 572, 106–111 (2019). | article

يعمل أوليفر رودز في قسم علوم الحاسب بجامعة مانشستر، مانشستر M13 9PL، المملكة المتحدة.

البريد الإلكتروني:  oliver.rhodes@manchester.ac.uk