رؤية كونية

في مواجهة الجوائح المستقبلية: علينا الاستعداد من الآن

ترى رئيسة فريق العمل المعنِيّ بلقاحات مواجهة جائحة كورونا في المملكة المتحدة أن بطء العمليات اللوجيستية يجب ألا يقف عائقًا أمام إسراع وتيرة الأبحاث.  

كيت بِنجهام

  • Published online:

TOM KATES

في الوقت الحالي، يخضع عدد كبير من اللقاحات الواعدة في التصدي لمرض "كوفيد–19" Covid-19 لمراحل من الدراسات التي تُجرى على البشر، وتواجهه مخاوف تتعلق بإسراع وتيرة الدراسات الإكلينيكية، على حساب سلامة المرضى، بيد أنه لا تحدث ممارسات كهذه، وبالتالي، ليس هذا ما يؤرقني. إن مثار قلقي -بالدرجة الأولى- هو العوائق التي تحول دون طرح لقاحات مكافحة الجائحة على مستوى العالم، وذلك حال ثبوت أمان هذه اللقاحات وفعاليتها، إذ لا يُلتفت إلا قليلًا إلى معظم مشكلات العمليات اللوجيستية التي من شأنها عرقلة إمداد هذه اللقاحات. لذا، يجب علينا أن نضع خططًا لهذه العمليات، حتى نُسرّع عملية تلقِّي اللقاحات، دون تعريض سلامة الأشخاص للخطر. 

لستُ متخصصة في مجال المناعة، ولا الفيروسات، ولا الأوبئة. وقد عملت على مدار الثلاثين عامًا الماضية مستثمِرة في مشروعات جريئة في حقل التكنولوجيا الحيوية. وفي مايو من هذا العام، عُينتُ رئيسةً لفريق عمل المملكة المتحدة المعنِيّ باللقاحات. وتتمثل مهمتنا الأساسية في تحديد اللقاحات التي يُحتمل أن تحرز نجاحًا أكبر في مواجهة الجائحة، وتصنيعها، وتطويرها، وتوفيرها سريعًا للمواطنين الذين يحتاجون إليها. فقد أتاحت لنا جائحة "كوفيد–19" فرصة لإرساء نظام دائم لتوفير اللقاحات على نحو سريع وآمِن، تحسبًا لأي جائحة مستقبلية، إذ يجب أن تصبح هذه الإجراءات اعتيادية وموثوقًا بها، مثلما هو الحال فيما يخص إنتاج لقاحات الإنفلونزا سنويًّا. 

وقد لاحظتُ مرارًا وتكرارًا دراسات علمية مذهلة يعرقلها الواقع "الممل" لتلك الإجراءات، بما في ذلك بطء توسيع نطاق إنتاج اللقاحات، وتأخُّر صدور الموافقات القانونية الخاصة بها -الذي كان من شأنه إبطاء وتيرة الدراسات الأمريكية الإكلينيكية الأساسية لأحد العقاقير التي تنتجها شركتي بالمملكة المتحدة، وهو عقار أمكن أن ينقذ حياة أفراد- أو البطء الناجم عن قصور العمليات اللوجيستية، أو الخلافات التنظيمية، أو عدم الإفصاح الكافي عن البيانات، مثلما رأينا في جائحة الإيبولا. وتكمن المشكلة -في كثير من الأحيان- في البِنية التحتية لأنظمة الإمداد، لا الأبحاث العلمية، ولا التجارب الإكلينيكية. لذا، يجب علينا الآن بذل جهود مضنية، للتأكد من أن هذا لن يعطل توفير اللقاحات التي نحتاجها في أي جائحة مستقبلية. 

وعندما قبِلتُ قيادة فريق عمل المملكة المتحدة المعنِيّ باللقاحات، وضعتُ شروطًا تسمح بتسريع وتيرة توفير اللقاحات. فعلى سبيل المثال، تتطلب عادةً الإجراءات الحكومية لذلك سلسلة من الاعتمادات من كل إدارة معنية، بيد أن فريقنا يعمل على وجه السرعة وبالتوازي، فنموِّل عمليات توسيع نطاق تصنيع اللقاحات بالتوازي مع الدراسات الإكلينيكية. كما وضعنا إجراءً محددًا لاستصدار الموافقات الوزارية؛ من أجل مواجهة التزامات الإنفاق. وتنسيق العمليات هذا لا غنى عنه، لضمان سرعة وضع تدابير مضادة للجائحة، وسرعة اتخاذ القرارات. 

أما اللقاح المثالي للجائحة، فيُتوقع أن يكون آمنًا بدرجة مقبولة للجميع، وفعالًا في تحفيز استجابة مناعية وقائية دائمة، وقابلًا لزيادة إنتاجه سريعًا، وألا يتأثر بدرجة حرارة الغرفة، وأن يحقق فعاليته بجرعة واحدة، ويتسم بسعر مناسب، غير أن جميع اللقاحات المرشحة حاليًّا لمواجهة الجائحة لا يتمتع بكل هذه الخصائص، فحتى اللقاحات القائمة على الحمض النووي الريبي المرسال من الفيروس -وهي المتقدمة في سباق اللقاحات- تتطلب أنْ تُخَزَّن في درجات حرارة شديدة البرودة، وأنْ تُعطَى منها جرعتان على الأقل. وفي بعض الأحيان، قد تتطلب تخفيفها داخل أماكن تقديم الرعاية الطبية، وهو ما يزيد تكلفتها المادية، ويُعقِّد عمليات إمدادها. وعلينا أن نضع نصب أعيننا تسهيل تصنيع اللقاحات، ونقلها، وإعطاءها للأفراد، وأن نستثمر في تحقيق هذه الغاية. 

ويُعَد لقاح الإنفلونزا الموسمية السنوي مثالًا يُحتذى به في السرعة التي يجري بها استخراج الموافقات التنظيمية اللازمة له، دون تعريض سلامة مَن يتلقّونه للخطر، إذ يُنتَج لقاح جديد سنويًّا ضد فيروس الإنفلونزا الموسمي، ويسلك استصدار الموافَقات الخاصة به مسارًا معتادًا. وبمجرد الموافقة على شكل لقاح للجائحة، (على سبيل المثال لقاح قائم على الحمض النووي الريبي المرسال للفيروس، أو لقاح يَعتمِد على ناقل فيروسي معين)، سيتعين على الجهات التنظيمية أن تدرس أي مخاطر جديدة قد يشكلها هذا اللقاح. ومن ثم تُصمَّم تجارب إكلينيكية سريعة، بهدف تخفيف هذه المخاطر، وتسريع وتيرة استصدار الموافقات مستقبلًا. 

ويمكن أن تضع البلدان، من الآن، بنودًا لإصدار موافقة مشروطة على لقاحات الجائحة، بما يسمح بتوزيع هذه اللقاحات سريعًا، حتى قبل الاعتماد النهائي لها. وعلى سبيل المثال، سلكت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) خطوة في الاتجاه الصحيح، من خلال وضع معايير محددة لاعتماد اللقاحات. ونحن أيضًا بحاجة إلى بِنية تحتية عالمية مترابطة تسمح برقابة استباقية أولًا بأول، تحسبًا لوقوع أي آثار ضارة ناجمة عن تلقِّي اللقاحات، ولرصد فاعلية هذه اللقاحات فور بدء استخدامها؛ فهذا ضروري للحفاظ على ثقة الناس وسلامتهم. 

وبمرور الوقت، ينبغي لنا أن نتبنى تلك الأساليب المتبعة لتطوير عقاقير السرطان، لتحسين تجارب اللقاحات، تحديدًا عن طريق ربط الاستجابات المناعية والمؤشرات الحيوية الأخرى بنتائج الدراسات الإكلينيكية. أما فيما يخص"كوفيد–19"، فإن دراسات التحدي البشري -التي تشمل مجموعات مقارنة- قد تلعب دورًا في توفير بيانات عن أمان اللقاحات وفعاليتها سريعًا عندما تتوفر علاجات لحماية المتطوعين من الإصابة الخطيرة بالمرض.

ويجب أيضًا تحسين عمليات تصنيع اللقاحات، وتعزيز القدرة العالمية على إنتاجها، فعلينا بناء منشآت لتصنيعها حول العالم تتسم بالمرونة، وإمكانية التوسعة، إضافة إلى إمكانية توظيفها للاستخدامات المتعلقة بالجائحة، إذا دعت الحاجة إلى ذلك. ويجب أن تتمتع هذه المنشآت بقدرة مالية على الاستدامة، وبقوة عاملة، وبِنْية تحتية. والاستثمار في تقنيات التعبئة المعقمة، منخفضة التكلفة، والقابلة بدرجة كبيرة لتوسيع نطاقها، مثل القوالب البلاستيكية التي تُنتَج بكميات كبيرة (لتحل محل القَناني الزجاجية عالية التكلفة)، يمكن أيضا أن ينقذ حياة الكثير من الناس. 

ولكنني أؤمن بحاجتنا الماسة إلى كيان عالمي دائم لشراء لقاحات مكافحة الجائحة، وتمويلها، حتى يتسنى للدول الغنية والفقيرة -على حد سواء- الحصول على هذه اللقاحات بالتوازي. ونرى البداية الواعدة لذلك في مبادرة " كوفاكس"  COVAXلمواجهة جائحة "كوفيد–19"، التي تشارك في قيادتها منظمة التحالف العالمي للقاحات والتحصين "جافي" GAVI، وهي مموِّلة لعمليات توفير اللقاحات في الدول محدودة الدخل، تدعمها -من بين جهات أخرى- المملكة المتحدة التي تعهدت برصد مبلغ بقيمة 500 مليون جنيه إسترليني (647 دولارًا أمريكيًّا) للمبادرة. وتسمح مبادرة "كوفاكس" للدول الغنية بشراء اللقاحات لمواطنيها وللدول الفقيرة، بيد أن تسعة أشهر كانت قد انقضت بالفعل منذ بداية الجائحة عندما اتفقت أطراف المبادرة رسميًّا عليها. ولو كانت هناك آلية عالمية قائمة بالفعل لتمويل إنتاج لقاحات للجائحة –كما طالب البعضُ بعد جائحة فيروس الإيبولا- لاستغرق الوفاء بالالتزامات التمويلية في هذا الصدد أقل من شهر، ولتَبِعَتْه مباشرة اتفاقات الإمداد، ولانْتَفَتْ الحاجة إلى الاتفاقات الثنائية. 

إنّ كل هذه الجهود يجب أن تُنسَّق، وتستمر لما بعد جائحة "كوفيد–19". فهناك -على الأقل- تسع سلالات من فيروس كورونا لم تنتقل بعد من الخفافيش إلى البشر. وهذه السلالات -فضلًا عن الأمراض الأخرى حيوانية المنشأ، والطفرات في السلالات الحالية- تجعل الأوبئة المستقبلية واردة الحدوث، ويتمثل التحدي الذي نواجهه في الانتقال من مرحلة الجهل بطبيعة العدوى إلى مرحلة توفير اللقاح بأسرع ما يمكن في أقل من ستة أشهر، على أفضل تقدير. 

كيت بنجهام

رئيس فريق عمل المملكة المتحدة لإنتاج اللقاحات، وشريك إداري في شركة "إس في هيلث أنفستورز" SV Health Investors ، التي مقرّها لندن.

البريد الإلكتروني: kate@svhealthinvestors.com