أخبار

العلماء يتحرّون احتمالية وجود حياةٍ على كوكب الزهرة

كوكب الزهرة يستحوذ على اهتمام العلماء مجدَّدًا، إثر رصد غاز الفوسفين في غلافه الجوي، وهو الغاز الذي يُعَد مؤشرًا محتملًا على وجود حياةٍ.

جوناثان أوكالاهان

  • Published online:
الغلاف الجوي للزهرة شديد الحموضة، ونسبة الماء فيه شحيحة جدًّا.

الغلاف الجوي للزهرة شديد الحموضة، ونسبة الماء فيه شحيحة جدًّا.

Credit: NASA/JPL-Caltech

عاد كوكب الزهرة إلى دائرة اهتمام العلماء، على خلفية الاكتشاف المفاجئ لغازٍ قد يكون مؤشرًا على وجود حياةٍ على سطحه. والآن، يتسابق الباحثون ووكالات الفضاء في جميع أنحاء العالم من أجل توجيه أدواتهم صوب الكوكب الذي يُعدُّ الجار الأقرب للأرض، سواءٌ تلك الموجودة على الأرض، أم في الفضاء؛ للتأكُّد من وجود هذا الغاز، المُسمَّى الفوسفين، والتحقُّق مما إذا كان هذا الغاز منبعثًا من مصدرٍ بيولوجي، أم لا.

وفي هذا الصدد، يقول ليوناردو تيستي، عالِم الفلك في المرصد الجنوبي الأوروبي بمدينة جارشينج الألمانية: "الآن، بعدما عثرنا على الفوسفين، يتعين علينا أن نتأكد مما إذا كان يمثل حقًّا مؤشرًا على وجود حياة، أم لا".

كان فريق من العلماء قد أعلن -في الرابع عشر من سبتمبر الماضي- أنَّه قد رصد غاز الفوسفين في الغلاف الجوي للزهرة، على ارتفاع حوالي 55 كيلومترًا من سطح الكوكب1، باستخدام مرصد مصفوفة أتاكاما الكبيرة الملّيمترية ودون الملّيمترية في تشيلي، بالإضافة إلى تلسكوب جيمس كليرك ماكسويل في هاواي. فقد أظهرت البيانات الراديوية أنَّ الضوء يُمتَص عند الأطوال الموجية الملّيمترية المرتبطة بوجود الفوسفين بتركيزٍ يبلغ 20 جزءًا في المليار في الغلاف الجوي.

وحسب قول علماء البيولوجيا الفلكية، يُعَدّ الفوسفين -وهو مُركَّب غازيٌّ سام، يتألَّف من الهيدروجين، والفوسفور- بمثابة مؤشرٍ محتمَل على وجود الحياة على الكواكب الأخرى2، كما أنَّه ينبعث من بعض الكائنات الحية على الأرض. تقول كلارا سوزا سيلفا، عالمة الفيزياء الفلكية الجزيئية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بمدينة كامبريدج، التي شاركت في تأليف دراسة رصد الفوسفين: "ينتُج هذا الغاز عن الكائنات الحية اللاهوائية على نحوٍ تلقائيٍّ تمامًا". ورغم ذلك، يُفترض أن يتحلَّل الغاز في الغلاف الجوي القاسي شديد الحموضة لكوكب الزهرة، وهو ما أدى بفريق الاكتشاف إلى استنتاج أنَّه لا بد من وجود آليةٍ ما تُعوِّض ما يتحلل منه، مشيرًا إلى أنَّه إمّا أن يكون ناتجًا عن مصدرٍ بيولوجي، أو عبر عمليةٍ كيميائية غير معروفة لم يتمكن العلماء من تفسيرها بعد. وقد طرح الباحثون فرضيةً مبدئيَّة3، مُفادها أنه يمكن لبعض الميكروبات المحمولة جوًّا البقاء على قيد الحياة في المنطقة التي رُصِدَ فيها الفوسفين بالغلاف الجوي، بعيدًا عن الضغط الساحق، ودرجات الحرارة الحارقة على سطح الكوكب.

وقبل إخضاع هذا الاحتمال للدراسة المتفحِّصة، يتوق العلماء إلى التحقُّق مما إذا كان الفوسفين موجودًا حقًّا في الغلاف الجوي لكوكب الزهرة، أم غير موجود. فحتى الآن، ما زال البعض غير متيقِّن مما رصده الفريق. جانبٌ من ذلك يرجع إلى أنَّ الباحثين لم يحددوا في بياناتهم سوى خط امتصاص واحدٍ فقط للفوسفين، حسبما أوضح ماثيو باسيك، عالِم الكيمياء الجيولوجية الحيوية الكونية في جامعة جنوب فلوريدا بمدينة تامبا الأمريكية. وأضاف: "ينبغي أن يتولَّى شخص آخر التحقُّق من صحة هذا الأمر".

ويأمل علماء الفلك الآن في التثبُّت من دقة هذا الاكتشاف باستخدام تلسكوباتٍ أخرى على الأرض. وعن ذلك يقول جيسون ديتمان، عالِم الكواكب في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، الذي يعتزم إجراء عمليات رصد بالتعاون مع سوزا سيلفا: "إننا نطرح الاستعانة بأداتين"؛ إحداهما موجودة في مرفق تلسكوب ناسا، العامل بالأشعة تحت الحمراء في هاواي، والأخرى على متن مرصد ناسا الاستراتوسفير لدراسة الأشعة تحت الحمراء الصادرة عن الأجرام الفلكية، وهو مرصد طائر (طائرة تحمل تلسكوبًا).

ومن خلال عمليات رصد نطاق الأشعة تحت الحمراء، وغيره من النطاقات بطيف الأشعة الكهرومغناطيسية، سوف يتسنَّى للعلماء البحث عن خطوط امتصاصٍ أخرى ذات صلة بالفوسفين، وهو ما يوفر لهم وسيلةً للتحقُّق من وجوده بالكوكب. وسوف يتمكَّنون كذلك من توفير مزيد من البيانات حول مواقع وجود الغاز، وكيف تتفاوت مستوياته على مرِّ الأيام والأسابيع. كان فريق ديتمان يأمل في رصد كوكب الزهرة في شهر يوليو الماضي، إلا أنَّ جائحة فيروس كورونا أخَّرت ذلك الموعد. ويقول: "نأمل أن نبدأ في الحصول على بياناتٍ في المستقبل القريب".

زيارة عابرة

وبعيدًا عن الأرض، ثمة خطط أخرى قيد التنفيذ؛ إذ من المُقرَّر أن تحلِّق ثلاث بعثاتٍ بالقرب من كوكب الزهرة خلال الأشهر المقبلة، وهي مركبة الفضاء الأوروبية اليابانية "بيبي كولومبو" BepiColombo، التي سوف تمر بالكوكب في طريقها إلى كوكب عطارد، وكذلك المركبة المدارية الشمسية التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، ومسبار "باركر" الشمسي Parker Solar Probe، التابع لوكالة ناسا، حيث من المنتظَر أن تمرَّ المركبة والمسبار بالكوكب، في طريقهما إلى الشمس.

ويُنتظر أن تتوفَّر لعمليات الرصد التي سوف تجريها هذه المركبات الفضائية مزايا فريدة؛ بالنظر إلى أنها سوف تكون متحررةً من القيود المرتبطة بالغلاف الجوي الأرضي، غير أنَّ الأدوات التي تحملها مصمَّمةٌ لدراسة ظواهر أخرى، مثل سطح عطارد، أو الشمس. لذا، فليس واضحًا ما إذا كانت تلك الأدوات تتمتع بالحساسية اللازمة لرصد الفوسفين في الغلاف الجوي لكوكب الزهرة، أم لا.

أما مركبة "بيبي كولومبو"، فإنها تتمتع بفرصةٍ –وإن كانت محدودة- لرصد الغاز باستخدام أداة الأشعة تحت الحمراء الخاصة بها، لدى مرورها بالقرب من الكوكب في شهر أكتوبر الجاري، كما ستسنح لها فرصةٌ أفضل في شهر أغسطس المقبل. ولا يُستبعَد أن يتمكن مسبار "باركر" الشمسي من رصد الغاز باستخدام أداةٍ مصمَّمة لدراسة الجسيمات الشمسية. وفي هذا الشأن يقول نور رؤوفي، عالِم الفيزياء الفلكية في مختبر الفيزياء التطبيقية بجامعة جونز هوبكنز في مدينة لوريل بولاية ميريلاند الأمريكية، والمسؤول عن المشروع في فريق البعثة: "إنَّه احتمالٌ ضعيف، لكنَّني لا أستبعده تمامًا".

"الغلاف الجوي والسُّحُب يشكلان الأساس الذي تقوم عليه الحياة".

وهناك أيضًا مركبة فضائية تدور حاليًّا حول الزهرة، هي مركبة بعثة "أكاتسوكي" Akatsuki اليابانية، التي دخلت مدار الكوكب في عام 2015. وهي تُعنَى بدراسة طقس الزهرة، والبحث عن آثار النشاط البركاني على سطحه. وعلى الرغم من أن المركبة غير مزوَّدة بالأجهزة اللازمة لرصد الفوسفين مباشرةً، فإنَّها بإمكانها تقديم المساعدة بطرقٍ أخرى. ويوضح تاكيهكو ساتوه -عالِم المشروع المتخصص في علم الكواكب بوكالة استكشاف الفضاء اليابانية في مدينة ساجاميهارا- أنَّ "الغلاف الجوي والسحب يشكِّلان الأساس الذي تقوم عليه الحياة. وبوسعنا أن نتيح معلوماتٍ حول هذا الشأن".

بعثات مستقبلية

أكبر الظن أنَّ البعثات قيد التطوير سوف تتمتَّع بفرصةٍ أكبر في النجاح في إنجاز هذه المهمة؛ إذ يمكن إدخال تعديلات عليها، بحيث تُزوَّد بالقدرة على رصد الفوسفين. ويقول يورن هيلبرت -العالِم بمركز الفضاء الألماني، والعضو في فريق مركبة "بيبي كولومبو"- إنَّ هذا الاكتشاف يُعضِّد الرأي القائل بضرورة إطلاق مثل هذه البعثات.

من بين تلك البعثات، المركبة المدارية "شوكرايان-1" Shukrayaan-1، التي ستدور حول كوكب الزهرة، وتعتزم منظمة أبحاث الفضاء الهندية (ISRO) إطلاقها في عام 2025. وقد سَعَت دورية Nature إلى التواصل مع المنظمة، للحصول منها على تعليق بشأن خططها الخاصة بالكوكب، إلا أنها لم تتلقَّ منها ردًّا. ورغم ذلك، قال سانجاي ليمايي -عالِم الكواكب في جامعة ويسكونسن ماديسون- إنَّ المنظمة لديها ما يكفي من الوقت لإعادة النظر في أدواتها. وأضاف: "سيرتكبون خطأً، إذا لم يغتنموا هذه الفرصة".

وفي الوقت ذاته، إذا تمكن علماء الفلك من تأكيد وجود الفوسفين في الغلاف الجوي لكوكب الزهرة، فسوف يتعين عليهم استبعاد الاحتمالات الأخرى لإنتاجه، قبل التفكير في فرضية وجود كائنات حية على ظهر الكوكب. ويستلزم ذلك وضع نماذج لتقصِّي الطرق غير البيولوجية لإنتاج الغاز، وإجراء تجارب مخبرية تهدف إلى البحث عن أي مساراتٍ كيميائية ربما لم تؤخذ في الاعتبار في الدراسة الأوَّلية. ويقول باسيك إنَّ "النمذجة تُعَد نهجًا له وجاهته في الوقت الراهن. فالماء يهيمن على معظم العمليات الكيميائية التي تخطر على أذهاننا بشأن الأرض، إلا أنَّ الأمر ليس كذلك في حالة الزهرة. ولذا، يتعيَّن إجراء الكثير من التجارب التي لم يسبق إجراؤها من قبل".

References

  1. Greaves, J. S. et al. Nature Astron. https://doi.org/10.1038/s41550-020-1174-4 (2020). | article
  2. Sousa-Silva, C. et al. Astrobiology https://doi.org/10.1089/ast.2018.1954 (2020). | article
  3. Seager, S. et al. Astrobiology https://doi.org/10.1089/ast.2020.2244 (2020). | article