كتب وفنون

الديمقراطية تتضرر عندما تفشل الإحصاءات الحكومية

ترى خبيرة استراتيجيات القياس جوليا لاين أن الولايات المتحدة يجب أن تغيّر طريقة قياسها للمؤشرات المجتمعية. 

بيث سايمون نوفيك

  • Published online:

"ديمقراطية البيانات: خطة عمل"

جوليا لاين

دار نشرمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، (2020)

عدد غفير من الناخبين ينتظرون لساعاتٍ، من أجل الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات التمهيدية الأمريكية هذا الربيع.

عدد غفير من الناخبين ينتظرون لساعاتٍ، من أجل الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات التمهيدية الأمريكية هذا الربيع.

Credit: Al Drago/Reuters

ظهرت شبكة الإنترنت إلى الوجود قبل 30 عامًا. ومع ذلك.. فعام 2020 هو أول عام يُسمح فيه للأُسَر في الولايات المتحدة بالمشاركة عبر الشبكة في إحصاءات التعداد السكانيّ التي تجريها البلاد كل عشر سنوات. جاء هذا التحوّل في لحظة حاسمة وحرجة –بالأخذ في الاعتبار الحاجة إلى تطبيق تدابير التباعد الاجتماعيّ– وحقق نجاحًا (معقولًا). فبحلول شهر سبتمبر الماضي، أمكن أخْذ الإحصاءات السكانية لأكثر من 88% من الوحدات السكنية. وقد أدلى حوالي 65.5% من المشاركين في هذه الإحصاءات ببياناتهم، إما من خلال شبكة الإنترنت، أو عبر الهاتف، أو البريد، عوضًا عن الإجابة على أسئلة جامعي الإحصاءات السكانية في الزيارات المنزلية التقليدية.

وتحاجج جوليا لاين -عالمة الاقتصاد من جامعة نيويورك- في كتابها "ديمقراطية البيانات: خطة عمل" Democratizing Our Data: A Manifesto بأن الافتقار إلى روح الابتكار في عمل الهيئات الفيدرالية المعنيّة بالإحصاء، مثل مكتب تعداد الولايات المتحدة، يسهم في طبيعة أداء الحكومة الأمريكية الذي يتصف بالبطء، والبيروقراطية، وضيق الأفق. وهناك عوامل كثيرة وراء تلك الأوصاف، تتمثل في ندرة تبَنِّي التقنيات الحديثة، وعدم وجود التدريب الملائم على تقنيات علوم البيانات الجديدة، مثل تعلّم الآلة، واتباع القواعد القانونية البالية التي تحافظ على استمرار الجمود، وآليات إدارة الميزانيات، التي تخلق إدارات منعزلة تعوق التعاون.

وإذا خُيِّل لك أن كتابًا يجمع في مادته بين مجالَي الإحصاء والعمل الحكومي يعني درجة مضاعفة من الملل، فستكون مخطئًا تمامًا؛ فكتاب "ديمقراطية البيانات" يعرض قضية كاشفة، تصوغها الكاتبة من خلال حُجج مُحكمة. وتتمثل هذه القضية في ضرورة تغيير الولايات المتحدة لمنظومتها المستخدَمة في إصدار الإحصاءات العامة. صحيحٌ أن هذا الكتاب قد كُتب قبل تفشي جائحة "كوفيد-19" COVID-19، إلا أن الدروس التي يقدمها لنا تشير إليها عناوين الأخبار اليومية، إذ إن الأنظمة المتهالكة تعوق إدارة الأزمة؛ بداية من مكافحة الوباء، إلى البطالة، وحتى الشؤون اللوجيستية المرتبطة بالانتخابات القادمة.

عملت في السابق نائبة لكبير مسؤولي التكنولوجيا بالبيت الأبيض (في ظل إدارة الرئيس باراك أوباما)، وقد وجدت الحجج التي يطرحها الكتاب مقنعةً تمامًا فيما يخص الوكالات المعنيّة بالإحصاءات، التي تستخدمها الكاتبة كنموذج للكيفية التي تفشل بها الحكومات في الابتكار بوجه عام. ومن شأن التعاون واسع النطاق مع الجامعات والكيانات التي لا تندرج ضمن منظومة الحكومة الفيدرالية أن يطرح أفكارًا جديدة بوتيرة أسرع في سياق هذا الابتكار.

أنتجت لاين أعمالًا رائدة لابتكار طرق، يمكن من خلالها قياس الأثر الاقتصادي للاستثمارات العامة في العلوم والتكنولوجيا. وهي تؤكد بأسلوبها الجزل، الذي يمتلئ بالقصص الشخصية، على فشل الولايات المتحدة في تقصي أحوال سكانها، واقتصادها، ومجتمعها كما ينبغي. فهيئاتها أصابها الركود، وإحصاءات التعداد السكاني تبخس بشكل هائل تقدير حجم الأقليات العرقية. كما لا توجد قائمة شاملة بعدد الأسر المعيشية على مستوى البلاد، وإضافة إلى ذلك، فإن هذه البيانات الإحصائية لا تُتاح إلا بعد مضيّ عامين على جمْعها، مما يجعلها قديمة بشكل لا يسمح باستخدامها كأساس لوضع سياسات فعّالة.

موظفو الحكومة المحلية في بوجوتا في شهر إبريل يستعدون لتفقد الأُسَر التي تحتاج إلى غذاء.

موظفو الحكومة المحلية في بوجوتا في شهر إبريل يستعدون لتفقد الأُسَر التي تحتاج إلى غذاء.

Credit: Diana Sanchez/AFP via Getty

وحتى وقت قريب، كانت الحكومة الفيدرالية الأمريكية تنفق مليارات الدولارات على أبحاث العلوم والتكنولوجيا، دون تصوّر لعائد هذا الاستثمار. وفضلًا عن ذلك، تفتقر هذه الحكومة إلى أشخاص مؤهلين قادرين على استغلال هذا المخزون الغنيّ من البيانات، بغرض الاسترشاد به في وضع السياسات. ولا عجب في ذلك عندما نأخذ في الاعتبار أن متوسط الراتب الذي يحصل عليه عالِم بيانات كبير في وادي السيليكون يبلغ ضعف راتب موظف حكومي رفيع المستوى.

وفي الولايات المتحدة، لا توجد هيئة وطنية بعينها تختص بالإحصاءات. فعملية جمْع البيانات العامة ونشرها موّزعة على العديد من الإدارات والهيئات الحكومية، وهو ما يصعب طرح أفكار جديدة تشمل المنظومة بأسرها. فكل هيئة تتلقى تمويلًا –وتخضع للمساءلة– من لجنة مختلفة من لجان الكونجرس. وذات مرة، قاضَى الكونجرس وزارةَ التجارة، لمحاولتها طرح أساليب حديثة لجمْع العينات الإحصائية، داعمًا بذلك عملية إحصاء معيبة للتعداد السكاني، تضمنت إحصاء كل شخصٍ يدويًّا.

إن كلًّا من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي –الذي يُعَدّ أهم مقياس للرخاء الاقتصادي الوطني– وإحصاء البطالة على مستوى البلاد يشوبهما قصور ميئوس من علاجه. ومع ذلك، وبالرغم من أن فشلنا في قياس ما نثمِّنه حقًّا ظل موضع انتقاد لعقود، لا نُقْدِم على تغيير المقاييس التي نستخدمها. وتكتب لاين عن الناتج المحلي الإجمالي، شارحةً آراء روبرت إف. كينيدي في هذا الصدد قائلة: "إننا نقيّم الولايات المتحدة من خلال الإنتاج؛ فنقيس تلوث الهواء، وحجم الدعاية المروِّجة للسجائر، ونحصي الأقفال على أبواب منازلنا، والسجون للأشخاص الذي يحاولون اقتحام هذه المنازل. كما نحصي الدمار الذي يلحق بغابات "السيكويا" دائمة الخضرة، ونقيس إنتاج الرؤوس الحربية النووية، لكننا لا نقيس مدى صحة أطفالنا، أو جمال الشعر، أو ذكاء المناقشات العامة، أو نزاهة مسؤولينا. باختصار، [الناتج المحلي الإجمالي] يقيس كل شيء، باستثناء ما يجعل الحياة تستحق العيش". وفي ضوء أننا قد لا نرغب في قياس جمال الشعر، فإن ما تقصده لاين هو أننا سنتعرض لضربة قاصمة، إذا أصابتنا حالة من الجمود تجعلنا نفتقر إلى القدرة على تجربة أشكال جديدة من القياس.

ولا تزال وكالات الإحصاء الأمريكية تعتمد بالدرجة الأولى على الاستقصاءات المرسَلة عن طريق البريد. وفي المقابل، تستطيع الجامعات تحليل آراء المواطنين بدراسة التغريدات على "تويتر" Twitter، أو عمليات البحث على محرك "جوجل" Google، بغرض فهم التوجّهات السائدة. وعلى الرغم من أن هذا الأسلوب لم يُكتب له النجاح دائمًا (على سبيل المثال، لم تتنبأ عمليات البحث عن كلمة "إنفلونزا" بعدد الزيارات إلى الأطباء على نحو صحيح)، إلا أن أفضل المناهج التي يمكننا تطبيقها لن يتجلّى إلا من خلال المحاولة، والخطأ، والتجريب. وتقدِّم لاين شرحًا مبهرًا -وإنْ كان محبِطًا في الوقت نفسه- للعناصر اللازمة لكتابة استقصاء إحصائي عام وشامل على مستوى البلاد، وما يستلزم مِن اختباره، واعتماده، وتدريب طواقم العمل عليه، وإدارته، وتحليل نتائجه، وهي عملية يُقَدِّر عالِم إحصاء أمريكي أوّل سابق أنها يمكن أن تستغرق عشر سنوات.

وفي المقابل، نلحظ أنّ أفضل شركات القطاع الخاص تنتج بيانات أنِيَّة شاملة مهمة ومُجدية، ويمكن بسهولة الوصول إليها. ومن أجل إصدار بيانات عامة مماثلة، تشير لاين إلى أنه ينبغي لنا التعلّم من نماذج تكون على غرار برنامج "الدراسات الطولية لديناميكيات أصحاب العمل والأُسَر المعيشية" Longitudinal Employer–Household Dynamics. وقد بدأ هذا البرنامج كمشروع بحثيّ جامعي، من أجل قياس العوائد الاقتصادية من التدريب في موقع العمل. ومع تطوُّر سير البرنامج، ابتكر الباحثون –بالتعاون مع مكتب التعداد والولايات– مقاييس جديدة للديناميكيات المؤَثِّرة في القوة العاملة، بالإضافة إلى وسائل جذابة للتمثيل البصري للبيانات. وعلى مدار عقود من الزمان، أصبحت هذه الشراكة بين المسؤولين الحكوميّين والباحثين الجامعيّين مؤشرًا وطنيًّا قَيِّمًا على تدفق الأيدي العاملة، وحركة التوظيف، ومعدلات دوران العمل، باستخدام البيانات المجمَّعة سلفًا، والمستخدَمة على نطاق واسع في دوائر مخططي النقل، والقوة العاملة.

وترى لاين أنه ينبغي للكونجرس أن يؤسس "مختبرًا وطنيًّا للبيانات المجتمعية"، يؤدي عمله بصورة مستقلة عن الحكومة. وعلى غرار مختبرات الأبحاث الوطنية الأخرى المُموَّلة فيدراليًّا، مثل مختبر "لورانس ليفرمور" Lawrence Livermore في ولاية كاليفورنيا، التي تسرِّع عجلة الأبحاث المهمة التي تصبّ في خدمة الصالح العام، فسيتمتع هذا المختبر بإمكانية الوصول إلى العمالة الماهرة من خارج الحكومة، وكذلك إلى البيانات من داخل الحكومة. وحيث إن هذا المختبر سيكون "شبه" مستقل عن الحكومة، فسيتمكن من الخروج بابتكارات بوتيرة أسرع، وسيكون أقدر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين، وهو ما يؤدي إلى إنتاج مزيد من البيانات المهمة.

وتجمع لاين أدلة تدعم بها حجتها المؤيدة لإنفاذ تشريعات جديدة، تهدف إلى تأسيس هذه الهيئة الوطنية المستقلة للبيانات. وحيث إن القصد من ذلك -كما يُفترَض- هو بناء حُجج تدعم الابتكار، لا تنحاز إلى فِكر حِزبي، فإن لاين تتجنب -بجلاءٍ- النقاش في الشؤون السياسية؛ فلا نجد في الكتاب معلومات عن عدد الموظفين الحكوميّين المهرة الذين استقالوا من الحكومة الفيدرالية، بسبب عدم تسامح إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الاختلاف في الرأي، ولا معلومات عن الكيفية التي قررت بها وزارة الزراعة الأمريكية في عام 2019 أن تنقل محلّ خدماتها البحثية المتخصصة -التي تتمتع باحترام كبير واسع النطاق- من واشنطن العاصمة إلى كانساس سيتي بولاية ميزوري، وهو ما لم يوافق عليه سوى أقل من ثلثي موظفي الوزارة، وأسفر عن تدمير بياناتها وقدراتها البحثية.

إذا كنتَ تبحث عن كتاب يسرد فضائح عن إدارة الرئيس ترامب، فلن تجد غايتك هنا. وبالنظر إلى أن النقاش حول التعداد السكاني أصبح مساحة للاستقطاب السياسي، حيث تدور -على سبيل المثال- المعارك الشهيرة التي تجري في المحاكم حول إحصاء المهاجرين غير الموثّقين، وبالنظر إلى الجدل الوطني المحتدم الأوسع نطاقًا حول تسييس الوكالات العلمية في أثناء جائحة "كوفيد-19"، فإن إضافة المزيد من النقاشات حول الشؤون السياسية في كتاب "ديمقراطية البيانات" ربما تثمر عن تدعيم حُجج لاين الداعية إلى التعاون مع أطراف خارج الحكومة. كما كان طرح نِقاش أعمق حول الوكالات المعنيّة بالإحصاءات في البلدان الأخرى –من النماذج الناجحة وغير الناجحة حول العالم– ليغدو موضع ترحيب، إلى جانب دراسة كيفية التوسع في إشراك الجماهير في هذه النقاشات المهمة.

إن هذا الكتاب البليغ هو سرد عن طبيعة وكالات الإحصاء الفيدرالية الأمريكية، والوظائف التي تؤديها، وعن الأسباب التي تجعل للإحصاءات العامة أهمية في العملية الديمقراطية، تجب قراءته. فإذا لم نكن مُمثلين في الإحصائيات، فلن يكون لنا صوت مسموع.

بيث سايمون نوفيك أستاذة بكلية تاندون للهندسة بجامعة نيويورك، حيث تدير مختبر أبحاث الحوكمة.

البريد الإلكتروني: noveck@thegovlab.org