أخبار

باحثون يشككون في نتائج تجارب اللقاح الروسي

علماء يضعون أيديهم على نتائج تبدو مكرَّرة، ويطالبون بالإفصاح عما تستند إليه من معطيات.

أليسون أبّوت

  • Published online:
اللقاح الروسي  ضد فيروس كورونا "سبوتْنِك في" Sputnik V يعد أول لقاح يحصل على موافقة للاستخدام واسع النطاق.

اللقاح الروسي  ضد فيروس كورونا "سبوتْنِك في" Sputnik V يعد أول لقاح يحصل على موافقة للاستخدام واسع النطاق.

Natalia Kolesnikova/AFP/Getty

أعرب عددٌ من الباحثين عن قلقهم إزاء رصد أنماطٍ مكررة في البيانات التي تضمَّنَتْها ورقة بحثية تتناول المرحلة الأولى من التجارب الإكلينيكية المُجراة على اللقاح الذي طورته روسيا لمكافحة فيروس كورونا الجديد، وهو أول لقاح على مستوى العالم يُصرح بنشر استخدامه.

ففي خطابٍ مفتوح بعث به هؤلاء الباحثون إلى مؤلفي الدراسة، الذين نشروا نتائج التجارب المُشار إليها1 في شهر سبتمبر الماضي، سلطوا الضوء على وجود قِيم تبدو مكررة، وحَذّروا من أنَّ الورقة تَعرِض النتائج على هيئة مخططات بيانية صندوقية، دون أن تتطرَّق إلى البيانات التفصيلية التي تستند إليها. ومما وَرَد في الخطاب أنَّ "الجهود البحثية التي انطوت عليها الدراسة قد تكون جديرة بالاعتبار، بيد أن طريقة تمثيل البيانات تثير عدة مخاوف، وهو ما يستلزم إتاحة البيانات الأصلية، من أجل تقصّيها على نحو شامل". وقد وقَّع على الخطاب حوالي أربعين عالِمًا (انظر: go.nature.com/3kqvsqv).

ويُذكر أن 76 متطوِّعًا قد خضعوا لهذه التجارب التي تهدف إلى اختبار لقاحين قائمَين على ناقل فيروسي، يختلفان فيما بينهما اختلافًا طفيفًا، ويستعينان بفيروسات غُدِّية معدَّلة وراثيًّا، من أجل إنتاج بروتينات فيروس كورونا الجديد داخل الجسم. وقد دلت نتائج الورقة البحثية على أن اللقاح نجح في توليد استجابة مناعية قوية، لم يصحبها سوى آثار جانبية طفيفة، لم تظهر إلا على عدد قليل من الأشخاص، ولم تستمر إلا لفترة وجيزة، مثل تهيُّج موضع الحَقْن، أو الشعور بصُداع. ومن ثم، أجازت السلطات الروسية في شهر أغسطس الماضي الاستخدام واسع النطاق للِّقاح، الذي أُطلق عليه "سبوتْنِك في" Sputnik V، وصرحت بأنه قد يُتاح لعموم الناس في غضون أشهر.

وقد أثارَتْ هذه الموافقة المعجَّلة حالةً من الارتباك في صفوف الباحثين، الذين ارتأوا أنَّ قرار طرح اللقاح قبل اجتياز اختبارات تجارب الأمان والفعالية الأوسع نطاقًا اتسم باندفاعية تُنذر بعواقب وخيمة.

البيانات قد تنطوي على تكرارات

نُشر الخطاب المفتوح آنف الذِّكر على مدوَّنة يديرها اختصاصيُّ البيولوجيا الجزيئية إنريكو بوتشي، الذي يرأس شركة "ريزيس" Resis، المتخصصة في شؤون النزاهة العلمية، ويقع مقرُّها في بلدة ساموني الإيطالية. وذكر بوتشي أنه رصد عددًا من الأمور غير الطبيعية في الورقة البحثية بعد نشرها بوقت قصير (D. Y. Logunov et al. Lancet https://doi.org/gg96hq; 2020). فعلى سبيل المثال، في أحد الأشكال التوضيحية التي أورَدَ بها واضعو الدراسة قياسات مستويات الواسمات الخاصة بأحد أنواع الخلايا المناعية في الدم لدى مجموعتين من المتطوِّعين، تتألَّف كلٌّ منهما من تسعة أعضاء، وتتلقيان تركيبتين مختلفتين من اللقاح، بدا أنَّ لدى الكثيرين من أعضاء المجموعتين مستويات متساوية من تلك الواسمات. وفي تعقيبه على ذلك، قال بوتشي: "إن احتمال حدوث ذلك بمحض الصُّدفة بالغ الضآلة".

كما ذكر كونستانتين أندريف -الباحث في مجال العدوى التنفُّسية الفيروسية من جامعة نورثويسترن في مدينة إيفانستون بولاية إلينوي الأمريكية- أن "وجود أنماط بيانية على هذا القدر من التشابه عبر قياساتٍ غير مرتبطةٍ ببعضها بعضًا، هو في الواقع أمر غير وارد"، مضيفًا أنَّ "هذه المفارقات ليسَتْ بالهيِّنة". وتجدر الإشارة إلى أن أندريف عني –على نحوٍ مستقل- بمتابعة الجوانب المختلفة للتجربة الإكلينيكية. ولذا، لم يكَد الخطاب المفتوح يُنشر، حتى بادر بالتوقيع عليه.

وفي ذلك الصدد، يقول بوتشي: "لا نتَّهم هنا واضعي الدراسة بسوء السلوك البحثي، وإنما نطالبهم بتفسيرٍ لخروج القياسات متشابهةً إلى هذا الحدّ". وأردف قائلًا: "عندما طالعَنا أخبارًا عن شروع روسيا في حَقن أشخاص باللقاح خارج إطار التجارب الإكلينيكية، شَعَرنا أنَّ من واجبنا أن نُعلن موقفنا على الفور". وجديرٌ بالذكر أن المرحلة الأخيرة من التجارب الإكلينيكية، التي من المُقرر أن تضمَّ عشرات الآلاف من المشاركين، قد انطلقَتْ في السادس والعشرين من أغسطس الماضي.

أمَّا مايكل فافوروف، رئيس شركة "ديا بريب سيستِمز" DiaPrepSystems، وهي شركة متخصصة في الوسائل التشخيصية، يقع مقرُّها في أتلانتا بولاية جورجيا الأمريكية، فيرى أنه لا بد من الإفصاح عن البيانات التي تستند إليها النتائج، قائلًا: "لدينا الكثير من البيانات المثيرة للشك؛ من حيث طريقة تمثيلها. وقد تكون هذه البيانات -في حد ذاتها- دقيقة، لكن ليس بوسعنا أن نبتّ في هذا الشأن". وزاد على ذلك بقوله إن قرار نشر نتائج الدراسة دون البيانات التي تقوم عليها يبدو غريبًا. فعلى النقيض من ذلك، نجد أن الدراسات الإكلينيكية التي تتناول اللقاح الذي طورته شركة المستحضرات الصيدلانية "أسترازينيكا" AstraZeneca، بالتعاون مع جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة لمواجهة فيروس كورونا الجديد، والتي جاءت في الدورية ذاتها التي نَشرَتْ دراسة اللقاح الروسي، صاحبتها كمية كبيرة من البيانات التكميلية، بحيث تسنَّى للباحثين الآخرين الاطلاعُ عليها والتدقيق فيها (P. M. Folegatti et al.Lancet 396, 467–478; 2020).

وقد سعى فريق الأخبار بدورية Nature إلى التواصل مع المؤلِّف الرئيس للورقة البحثية، دينيس لوجونوف، الباحث من مركز جماليا الوطني لأبحاث الأوبئة والأحياء الدقيقة في موسكو، وذلك من أجل الحصول على تعقيب، إلا أن الفريق لم يتلقَّ ردًا منه. ومع ذلك.. فقد أدلى الباحث بتصريحٍ لمنصَّة "ميدوزا" Meduza الخبرية الروسية، قال فيه إنه لم يكن يعتزم الرد على الخطاب المفتوح. وأنكر أن الورقة البحثية قد تضمنت أية أخطاء، مؤكدًا أن مستويات الأجسام المضادة المُقاسة كانت "مطابِقة تمامًا للبيانات الممثَّلة لها" في الأشكال التوضيحية التي تضمَّنتها الورقة. وأضاف أنه تواصل مع دورية "ذا لانسيت" The Lancet، و"أبدى استعداده لإجلاء أي لَبْس".

وقد رفضَتْ دورية "ذا لانسيت" من جانبها التعليق على سياساتها فيما يتعلق بإتاحة البيانات التي من شأنها دعم دراسات التجارب الإكلينيكية التي تتولَّى نشرها، غير أنها أفادت بأنها "دَعَت مؤلفي دراسة اللقاح الروسي إلى الرد على التساؤلات المُثارة في الخطاب المفتوح الذي أعدَّه إنريكو بوتشي"، وأنها سوف تواصل مراقبة الموقف عن كثب.

References

  1. Logunov, D. Y. et al. Lancet https://doi.org/10.1016/S0140-6736(20)31866-3 (2020).  | article