أخبار

نِسَب ولادة الأجنة الميتة ترتفع خلال الجائحة

تربط بيانات جديدة بين تعطُّل الخدمات الصحية المُقدَّمة إلى الأمهات قبل الولادة، وزيادة حدوث مضاعفات الحمل في عديدٍ من البلدان.

كلير واتسون
  • Published online:
يتخوّف الباحثون من عدم رَصْد حالات الحمل عالية الخطورة خلال الجائحة.

يتخوّف الباحثون من عدم رَصْد حالات الحمل عالية الخطورة خلال الجائحة.

ANTHONY WALLACE/AFP/GETTY

كان للاضطرابات التي تسبَّبت فيها جائحة فيروس كورونا الجديد تأثيرٌ هائل على خدمات الرعاية الصحية في شتى أرجاء العالم، وهو ما أسهم في زيادة الوفيات الناجمة عن الأمراض المزمنة، كأمراض القلب. والآن، تفيد مجموعةٌ كبيرة من الدراسات بحدوث ارتفاعٍ ملحوظ في نِسَب حالات الحمل التي تنتهي بولادة أجنَّةٍ ميتة، وهي تلك الحالات التي يُتوفَّى فيها الجنين في رحم الأم (وتُعرَف هذه النسبة بنسبة المواليد الموتى). وفي هذا الصدد، يقول الباحثون إنَ النساء الحوامل في بعض البلدان تلقيَّن قدرًا أقل مما يحتجن إليه من الرعاية الصحية خلال الجائحة، نظرًا إلى تدابير الإغلاق، وتقييد الحركة، وتعطُّل خدمات الرعاية. وأضافوا قائلين إنه نتيجةً لذلك، أُغفِلَت -على الأرجح- المضاعفات الصحية التي قد تؤدي إلى ولادة أجنةٍ ميتة.

وعن ذلك تقول جاين وارلاند، اختصاصية القبالة في جامعة جنوب أستراليا في مدينة أديلايد: "في سعينا لحماية النساء الحوامل، كان ما أدّت إليه إجراءاتنا هو التسبُّب -عن غير قصدٍ- في زيادة نسبة المواليد الموتى". 

وقد نُشِرت كبرى الدراسات التي أشارت إلى زيادة نسب المواليد الموتى في أغسطس الماضي في دورية "ذا لانسيت جلوبال هيلث" The Lancet Global Health1. واستندت إلى بياناتٍ تخص أكثر من 20 ألف سيدة وضعن حملهنَّ في تسعة مستشفيات بأنحاء مختلفة من دولة نيبال. وأفادت تلك الدراسة بأنَّ نسبة المواليد الموتى قد ارتفعت بحلول نهاية شهر مايو الماضي، وبلغت 21 حالة ولادة جنين ميت من بين كل ألف ولادة، وهي زيادة قدرها 50% عمَّا كانت عليه تلك النسبة قبل فرض تدابير الإغلاق في نيبال لوقف انتشار فيروس كورونا الجديد في أواخر مارس الماضي، حينما كانت هذه النسبة تبلغ 14 حالة من بين كل ألف ولادة. وقد لوحِظ أنَّ تلك الزيادة بلغت ذروتها خلال الأسابيع الأربعة الأولى من فرض تدابير الإغلاق، التي لم يكن يُسمح للناس فيها بمغادرة منازلهم، إلَّا لشراء الطعام، والحصول على خدمات الرعاية الأساسية.

كما كشفت تلك الدراسة، التي قادها الباحث أشيش كيه. سي -المتخصص في وبائيات مرحلة الولادة لدى جامعة أوبسالا في السويد- بالتعاوُن مع زملائه، أنَّه رغم ارتفاع نسبة المواليد الموتى ارتفاعًا حادًّا، فإنَّ العدد الإجمالي لتلك الحالات لم يتغيَّر خلال الجائحة. ويمكن تفسير ذلك بانخفاض أعداد حالات الولادة في المستشفيات إلى النصف خلال تلك الفترة؛ إذ تراجع متوسط أعداد الحالات من 1261 ولادة أسبوعيًّا قبل الإغلاق إلى 651 ولادة فحسب. كما ارتفعت نِسَب الإصابة بمضاعفات في حالات الولادة التي شهدتها المستشفيات خلال الجائحة. ولا يعرف الباحثون ماذا كان مصير النساء اللاتي لم يقصدن المستشفيات للولادة، أو ماذا كان مصير أطفالهنَّ. ومن ثمّ، يتعذَّر عليهم الجَزم بحدوث زيادةٍ في نسبة المواليد الموتى على مستوى البلاد كافة.

ويقول أشيش إنَّ زيادة نسبة المواليد الموتى بين مواليد المستشفيات لم تنجم عن الإصابة بعدوى "كوفيد-19"، وإنما كانت -على الأرجح- نتيجةً لتأثير الجائحة على توفُّر خدمات الرعاية الصحية الروتينية للحوامل قبل الولادة، التي يُحتمل أنها كانت سترصد المضاعفات التي بإمكانها أن تتسبب في ولادة أجنةٍ ميتة. ومن الوارد أنَّ النساء الحوامل لم يتسن لهن الذهاب إلى منشآت الرعاية الصحيِّة، بسبب نقص وسائل النقل العام؛ إذ أُفيدَ بأنَّ مواعيد فحوص المتابعة الصحية السابقة للولادة كانت تُلغَى في بعض الحالات. وربما كان بعض النساء الحوامل أيضًا يتجنَّب المستشفيات، خشية الإصابة بفيروس "سارس-كوف-2"، المُسبب لعدوى "كوفيد-19"، أو ربما كنَّ يتلقَّين الاستشارات الطبِّية عبر الهاتف، أو الإنترنت. ويضيف أشيش قائلًا في هذا الصدد: "أحرزت نيبال تقدمًا هائلًا خلال السنوات العشرين الماضية على صعيد النتائج الصحية الخاصة بالنساء وأطفالهنَّ، لكنّ الأشهر القليلة الماضية قد أثقلت خُطى هذا التقدُّم".

وقد أوضحت بيانات حالات الولادة الصادرة عن مُستشفًى كبير في لندن اتجاهًا مشابهًا. ففي شهر يوليو الماضي، أفادت أسما خليل -طبيبة التوليد بكلية سانت جورج للطب، التابعة لجامعة لندن- وزملاؤها2 بأنَّ مستشفى سانت جورج قد شهد تضاعُف متوسط عدد حالات المواليد الموتى بأربع مرات، إذ ازداد من 2.38 حالة بين كل ألف ولادة في الفترة ما بين أكتوبر عام 2019، ونهاية يناير عام 2020، ليصل إلى 9.31 حالة بين كل ألف ولادة في الفترة ما بين فبراير ومنتصف يونيو من العام الجاري.

وتصف خليل تلك الزيادة بأنها من الأضرار الجانبية للجائحة، إذ تقول إنَّ بعض النساء الحوامل ربما أُصِبنَ خلال فترة الإغلاق بمضاعفاتٍ لم تُشخَّص، وربما كنَّ يتردَّدن في المجيء إلى المستشفيات، ومن ثمَّ لم يفحصهن الأطبَّاء إلَّا بعد تطوُّر المضاعفات، حين لم يَعُد متاحًا سوى عدد أقل من التدخلات الممكنة.

كما أفادت أربعة من مستشفيات الهند3 بحدوث زيادةٍ حادة مفاجئة في نسبة المواليد الموتى خلال فترة فرض تدابير الإغلاق في البلاد. ومثلما هو الحال في نيبال، انخفض عدد النساء اللاتي وضعن حملهنَّ في تلك المستشفيات. كما انخفض بمقدار الثلثين عدد الإحالات الطبِّية للنساء اللاتي يحتجن إلى رعايةٍ طارئة خلال حملهن. وحسب ما أدلى به الباحثون الذين أجروا هذه الدراسة، يشير ذلك إلى أنَّ عددًا أكبر من النساء ولدن أطفالهن دون إشرافٍ طبي، إمَّا في المنازل، أو في منشآتٍ صغيرة. وفي إسكتلندا، التي تُعَد واحدةً من البلدان القليلة التي تجمع بياناتٍ حول نِسَب المواليد الموتى ووفيات الرضَّع شهريًّا، رُصِد كذلك ارتفاعٌ في نسبة المواليد الموتى خلال الجائحة.

وفي الظروف العادية، توصي منظمة الصحة العالمية النساء بالخضوع لفحص طبي ثماني مرّاتٍ على الأقل أثناء فترة الحمل، حتَّى لو كان حملُهنَّ يُعَدُّ منخفض الخطورة، وذلك لرصد أي مشكلاتٍ قد تضر بالأم، أو الطفل، أو كليهما معًا، ومعالجة تلك المشكلات. والكثير من المخاطر المرتبطة بولادة أجنةٍ ميتة يمكن تجنُّبه إذا مارست الحوامل بعض السلوكيات، مثل النوم على أحد الجانبين، اعتبارًا من الأسبوع الثامن والعشرين من الحمل، والإقلاع عن التدخين، وإبلاغ القابلة أو الطبيب في حال تراجُع معدل حركة الطفل. وبينما تزداد أهمية هذه الفحوص الطبِّية المنتظمة خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من الحمل على وجه أخَصّ، فإنَّ الوضع الصحي للنساء يُتابَع عادةً طوال فترة الحمل لرصد عوامل الخطر، مثل قصور نمو الجنين داخل الرحم، وارتفاع ضغط الدم.

وحينما عصفت الجائحة بالعالم، أوصت المنظمات المتخصصة في خدمات الرعاية الصحية للأمهات بأنْ يُستعاض عن بعض الزيارات الطبية التي تقصد فيها النساء المستشفيات باستشاراتٍ يحصلن عليها عن بُعد، من أجل حمايتهن من الإصابة بفيروس كورونا الجديد.

ولكن، حسبما أوضحت جاين وارلاند، فإنَّ مُقدِّمي خدمات الرعاية الصحية لا يمكنهم قياس ضغط دم النساء الحوامل عن بُعْد، أو الاستماع إلى نبض أطفالهن، أو فحصهن بالموجات فوق الصوتية بتلك الطريقة. ولهذا السبب، ربما تكون قد أُغفِلَت حالات حمل عالية الخطورة، لا سيَّما في أوساط مَن لم يسبق لهن الحمل من قبل، اللاتي تزيد احتمالية جهلهن بما قد يبدو عليه الأمر في حال وجود مشكلةٍ ما. وعلى سبيل المثال، أفاد مستشفى سانت جورج بانخفاض عدد الحوامل اللاتي حضرن إلى المستشفى بضغط دمٍ مرتفع خلال فترة فرض تدابير الإغلاق بالمملكة المتحدة. وتقول وارلاند عن ذلك: "هذا يدل على عدم تلقّي النساء الحوامل اللاتي يعانين من ارتفاع ضغط الدم للرعاية المعتادة، بينما يُعَد ارتفاع ضغط الدم غير المُكتَشف أحد عوامل الخطر التي تتسبب في ولادة أجنةٍ ميتة".

لذا ترى كارولين هومر -الباحثة المتخصصة في القبالة لدى معهد برنِت بمدينة ملبورن الأسترالية- إنَّ هذه الدراسات تُعدُّ نداءً مُلِحًّا لدعم الخدمات الصحية المُقدَّمة إلى الأمهات والمواليد، لا سيَّما في البلدان التي تتراوح مستويات الدخل فيها بين الدرجة المنخفضة، والمتوسطة. وأضافت: "ليست هذه اللحظة المناسبة لتقليص تلك الخدمات". وتابعت موضحةً أنَّه في شتى أنحاء منطقة آسيا والمحيط الهادئ، اتجه العاملون في مجال خدمات الرعاية الصحية الخاصة بالأمومة إلى المشاركة في جهود مواجهة مرض "كوفيد-19"، وقلَّصت المؤسسات المُقدِّمة لخدمات الرعاية الصحية السابقة للولادة زيارات الحوامل، وفي بعض الأماكن توقَّفت تلك الخدمات بالكامل.

ومع ذلك، يَعتقد بات أوبرايان -نائب رئيس الكلية الملكية لاختصاصيي التوليد وأمراض النساء في لندن- أنَّ الأسباب في هذا الارتفاع في نسبة المواليد الموتى تحتاج إلى مزيدٍ من التقصِّي. وأوضح ذلك بقوله: "يتنامى إلى علمنا من خلال روايات متناقَلة أن بعض الحوامل يحضرن إلى المستشفيات في وقتٍ متأخر وقد تَراجَعَ معدل حركة أجنَّتهن، وهو ما يمكن أن يكون علامةً على مرض الجنين، وأن نساءً يتخلفن عن مواعيد الزيارات الطبية الخاصة بالمتابعة الصحية قبل الولادة. وقد يرجع ذلك إلى وجود التباسٍ لديهن حول ما إذا كانت تلك الزيارات سببًا ضروريًّا للتنقُّل، أم لا، أو خشيتهن من الذهاب إلى المستشفيات، أو عدم رغبتهن في إثقال كاهل هيئة الخدمات الصحية الوطنية".

References

  1. K.C., A. et al. Lancet Glob. Health https://doi.org/10.1016/S2214-109X(20)30345-4 (2020). | article
  2. Khalil, A. et al. J. Am. Med. Assoc. 324, 705–706 (2020). | article
  3. Kumari, V., Mehta, K. & Choudhary, R. Lancet Glob. Health8, E1116–E1117 (2020). | article