أنباء وآراء

دَفْعُ الفقراء إلى المطالبة بفرض ضرائب على الأثرياء

تكشف تجربة ميدانية عن أن الأفراد يصبحون أكثر ميلًا للمطالبة بفرض مزيدٍ من الضرائب على الأثرياء عند تذكيرهم بانعدام المساواة المستمر، من خلال تعريضهم لأحد مظاهر الثراء. 

كولين تريدو، وجون ديكسون

  • Published online:
الشكل 1 | اللامساواة في جنوب أفريقيا. أوضح ساندز، ودي كاد3أن تعريض الأفراد لوسيلة تذكير بصرية بانعدام المساواة يجعلهم أكثر ميلًا إلى المطالبة بإعادة توزيع الثروات.

الشكل 1 | اللامساواة في جنوب أفريقيا. أوضح ساندز، ودي كاد3أن تعريض الأفراد لوسيلة تذكير بصرية بانعدام المساواة يجعلهم أكثر ميلًا إلى المطالبة بإعادة توزيع الثروات.

Credit: Per-Anders Pettersson/Getty

لانعدام المساواة المالية آثارٌ عديدة على أفراد المجتمع الأشدّ فقرًا، من بينها تدنّي مستوى المعيشة، وانخفاض متوسط ​​العمر المتوقع1. على سبيل المثال، يقلّ متوسط عمر الأفراد الأشدّ فقرًا في إنجلترا بثماني سنوات ونصف السنة عن الأفراد الأكثر ثراءً2. فما الظروف التي قد تدفع هؤلاء الفقراء إلى المطالبة بالإنصاف؟ في بحث نُشر مؤخرًا في دورية Nature ، يطرح ساندز، ودي كاد3 هذا السؤال على سكان إحدى البلدات في جنوب أفريقيا، التي تُعَد أحد أكثر بلدان العالم تفاوتًا بين السكّان4 (الشكل 1). وجد المؤلفان أن الناس في الأحياء ذات الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتردية يكونون أكثر ميلًا لتأييد فَرْض المزيد من الضرائب على الأثرياء، عند تذكيرهم بانعدام المساواة التي يعيشونها.

بحثت الاستطلاعات والدراسات المخبرية للسلوك البشري باستفاضةٍ تأثير المعلومات المتعلقة بانعدام المساواة على استجابة الأفراد لمجموعة من العوامل، بدءًا من السخاء، حتى الثقة بالحكومة، لكنّ الأمر الذي لم ينل قدرًا كافيًا من الدراسة هو استجابة الأفراد لعوامل التذكير بانعدام المساواة على أرض الواقع. وعلى وجه الخصوص، تغيب تلك الدراسات الميدانية عن الدول البعيدة عن عالَم الغرب الثري.

هنا، ظهرت دراسة ساندز، ودي كاد، حيث اختار المؤلفان سبعة مواقع في بلدة سويتو، مستويات الثراء فيها أقل بنسبة 50% من المتوسط ​​القومي، وتعاني في الوقت نفسه من ارتفاع مستويات التفاوت في الثروات بين السكّان. وضع المؤلفان سيارة فارهة في شارع مزدحم، وطلبا من المارّة التوقيع على إحدى عريضتين، وُزّعتا توزيعًا عشوائيًّا؛ إحداها تطالب بزيادة الضرائب على الأثرياء في جنوب أفريقيا، والأخرى تطالب باستبدال مصادر طاقة بديلة بالطاقة النووية. كانت السيارة غائبة عن المشهد تحت الظروف الضابطة للدراسة.

توصَّل الباحثان إلى استنتاجين مهمّين: أولًا، كانت احتمالية توقُّف المشاة وتوقيعهم إحدى العريضتين أقل بنسبة 9% في حالة وجود السيارة. ثانيًا، عند التحكم في هذا "الأثر القمعي" باستخدام الأساليب الإحصائية، زادت احتمالية توقيع المشاة الذين توقّفوا عريضة الضرائب بنسبة 11% عن توقيعهم العريضة المناهِضة لاستخدام الطاقة النووية في حالة وجود السيارة. استنتج ساندز، ودي كاد أن السيارة الفارهة تعمل كعامل تذكير بانعدام المساواة، وهو ما يدفع الأفراد إلى المطالَبة بتحقيق الإنصاف.

يقدّم المؤلفان بيانات داعمة من استبيان حول جودة الحياة5، أُجري خلال عام 2015، في مقاطعة جاوتنج التي تضم بلدة سويتو. كان أحد أسئلة الاستبيان عمّا إذا كان ينبغي رفع الضرائب المفروضة على الأثرياء، أم لا. وأشار الباحثون إلى أن الأشخاص الذين يعيشون في مناطق تعاني من انعدام المساواة (حيث تزداد احتمالية رؤيتهم لمظاهر الثراء في محيط كيلومتر واحد فقط من منزلهم) كانوا أكثر ميلًا لتأييد زيادة الضرائب، مقارنةً بمن يعيشون في أماكن أخرى. هذا، ولم يظهر هذا الأثر على نطاقات أكبر؛ أي في الأماكن التي  وُجدت فيها اللامساواة على امتداد 5 أو 10 كيلومترات، على سبيل المثال.

توضّح دراسة ساندز، ودي كاد أن رسائل التذكير اليومية بانعدام المساواة تدفع الأفراد نحو أفعال المقاوَمة. فتركيزُهما على البيئات المصغّرة لانعدام المساواة له أهميته، ويتماشى مع المقترحات المقدَّمة منّا ومن غيرنا6 حول دور البيئة المصغّرة في الفصل العنصري.

وكما هو الحال مع جميع الأبحاث، هناك بعض التحفظات التي يجب أن تؤخذ في الحسبان. وعلى سبيل المثال، وبسبب تصميم الدراسة، لم يُسأل الأفراد الذين استُوقفوا لتوقيع العريضة عمّا إذا كانوا قد لاحظوا السيارة، أم لا. ربما لم يُطرح هذا السؤال تفاديًا لحدوث انحياز في النتائج، لكن أحد الآثار المترتبة على ذلك هي أننا لا نستطيع الجَزْم بأن السيارة كانت سببًا في تذكير الأفراد بانعدام المساواة.

هناك أيضًا ثلاثة جوانب رئيسة في دراسة ساندز، ودي كاد، تستدعي مزيدًا من البحث، كي تُوضع النتائج في سياقها. يتعلق الجانب الأول بشكل المقاوَمة الذي انتهجه الأفراد اعتراضًا على انعدام المساواة في الدراسة. فقد طلب المؤلفان من الأفراد توقيع عريضة، وهو أحد أشكال المقاوَمة المعيارية، بمعنى أنه إجراء تقبله وتنظّمه السُّلطات. ورغم ذلك، فالمقاومة غير المعيارية، التي تتخذ صورة احتجاجات مجتمعية، والتي قد يغلب عليها العنف في بعض الأحيان، هي أمر شائع في جنوب أفريقيا؛ إذ تشير إحدى الدراسات إلى حدوث أكثر من 1,000 احتجاج في جنوب أفريقيا سنويًّا 7. وعليه، فالفقراء في جنوب أفريقيا على دراية تامة بما هم فيه من انعدام المساواة، ولذا، لا يمكن الجَزْم بأن عوامل التذكير التي تحفز المقاومة المعيارية تُحْدِث أثرًا فارقًا في سلوك الأفراد ومَواقفهم. من ناحية أخرى، فإنه من الصعب أخلاقيًّا دراسة أشكال المقاوَمة غير المعيارية في الدراسات الميدانية. وأحد إنجازات ساندز ودي كاد أنهما توصلا إلى وسيلة لاختبار الطرق المقبولة أخلاقيًّا لتحفيز المقاومة المعيارية.

الجانب الثاني هو أن المؤلفَين ركّزا على انعدام المساواة على مستوى جزئيّ في بلدة سويتو. ولا شك أن هذا هو المستوى الذي يشعر عنده أغلب الأفراد الذين يعيشون في فقر بانعدام المساواة يوميًّا. وعلى الرغم من ذلك، تكاد بلدة سويتو تقتصر على السكّان السود من مواطني جنوب أفريقيا، في حين يظهر تفاوت الدخل بصورة أكبر بين مناطق البيض والسود، التي تشكل وسط جنوب أفريقيا الصناعي والأوسع نطاقًا. ومستقبلًا، سيكون من المفيد وضع نتائج المؤلفين ضمن السياق الأعمّ للتقسيم الطبقي العرقي والاضطهاد في جنوب أفريقيا. وينبغي على الباحثين التفكير فيما إذا كان وعي الأفراد بانعدام المساواة على المستوى الكلّي يؤثر هو الآخر في تحفيز المقاومة ضد انعدام المساواة، أم لا.

يتعلق الجانب الثالث بالمعنى الذي نُقل إلى الناس من استخدام السيارة الفارهة. فالمقارنات الاجتماعية، وانطباعات انعدام المساواة النابعة من مظاهر الثراء على المستوى الجزئي ليست معروفة، وإنْ كان ينبغي النظر إليها بعين الاعتبار إذا أردنا فهْم العمليات النفسية المؤثرة في السلوك الاجتماعي. فهل يمكن لسيارة فارهة أن تحفّز المقارنات بين الأفراد (من الظلم أن يقود الشخص ما سيارة كهذه)، أو المقارنات داخل المجتمع (هذه السيارة مملوكة -على الأرجح- لأحد أثرياء بلدة سويتو)، أو المقارنات العامّة بين الأغنياء والفقراء (الفجوة بين الأغنياء والفقراء في جنوب أفريقيا غير عادلة)، أو حتى المقارنات الأوسع نطاقًا بين الأعراق (كالمقارنات التي تذكّر السود بالفوارق الاقتصادية بين مجتمعات البيض والسود)؟ يمكن فك التشابك بين هذه الاحتمالات مستقبلًا من خلال إجراء مقابلات مع المشاركين في الدراسة مباشرةً، أو من خلال إجراء استبيانات مُحْكَمة الصياغة عقب الدراسة.

تتبنّى دراسة ساند، ودي كاد نهجًا مبتكرًا للإجابة عن سؤال مُهم. فالتفاوت في الثروة أمر شائع في المجتمعات التي تعاني من انعدام المساواة، ومن الصعب أن نحدّد بالتجربة العملية العوامل التي من شأنها أن تثير أفعال المقاومة لدى الفقراء. وتوضح الدراسة الحالية أن الأشخاص الذين يعيشون في فقر يميلون إلى القيام بأحد أشكال المقاومة المعيارية، إذا ما دُفِعوا لذلك, لكنْ ليس واضحًا ما إذا كان بوسع هذا الفعل أن يسهم إسهامًا ملموسًا في إحداث تغيير دائم، أم لا، فضلًا عن دور الفصل الدائم بين مجتمعات الأغنياء والفقراء في عرقلة هذا التغيير. ربما يعمل هذا الفصل على إبقاء وسائل التذكير بانعدام المساواة كما هي؛ مجرّد تذكِرة.

References

  1. Wilkinson, R. & Pickett, K. The Spirit Level (Penguin, 2010).  | article
  2. Iacobucci, G. Br. Med. J. 364, l1492 (2019) | article

  3. Sands, M. & de Kadt, D. Nature 586, 257–261 (2020). | article
  4. World Bank. The World Bank in South Africa https://www.worldbank.org/en/country/southafrica/overview (2020).
  5. Gauteng City-Region Observatory. Quality of Life Survey IV https://gcro.ac.za/research/project/detail/quality-of-life-survey-iv-2015 (2015–16).
  6. Dixon, J., Tredoux, C., Durrheim, K., Finchilescu, G. & Clack, B. Soc. Personal. Psychol. Compass 2, 1547–1569 (2008) | article
  7. Alexander, P. et al. S. Afr. Crime Q. 63, 27–42 (2018).  | article

كولين تريدو يعمل في قسم علم النفس في جامعة كيب تاون، رونديبوش 7701، جنوب أفريقيا.

جون ديكسون يعمل في كلية علم النفس بالجامعة المفتوحة، ميلتون كينز MK76AA، المملكة المتحدة.

البريد الإلكتروني: colin.tredoux@uct.ac.za، john.dixon@open.ac.uk