أنباء وآراء

وصفةٌ لتدارُك ما نخسره من الطبيعة

كيف يمكن تدارُك التراجُع في التنوع البيولوجي العالمي في ظل الحاجة إلى توفير الغذاء؟ للإجابة عن هذا السؤال، تتيح لنا النمذجة الحوسبية وسيلةً لتقييم فعالية الجمع بين التدخلات الرامية إلى الحفاظ على البيئة، وتلك الخاصة بعلاج منظومات توفير الغذاء، لمواجهة هذه الأزمة.  

بريت إيه. برايان، وكارلا إل. أرتشيبالد
  • Published online:

تواجه الطبيعة مأزقًا، من المرجَّح أن تتفاقم خطورته، ما لم نتخذ إجراءً حياله1. وفي بحثٍ نُشِرَ مؤخرًا في دورية Nature، أجراه الباحث ديفيد لوكلير وزملاؤه2، حاول الباحثون حصر ما قد نحتاجه لتدارُك هذا السيناريو المخيف، وتوفير الغذاء في الوقت نفسه؛ بهدف إشباع نهم سكان العالم المتزايد. والحل الذي يطرحونه يتمثل في الجمع بين تدابير طموحة تستهدف الحفاظ على البيئة، وتغيير منظومات توفير الغذاء، أملًا في تدارُك فقدان التنوع البيولوجي على اليابسة في شتى أرجاء العالم.

عندما نتحدث عن الطبيعة، فإنَّنا نقصد بذلك تنوُّع صور الحياة التي تطوَّرت عبر مليارات السنين، لتوجد في حالةٍ من التوازن الديناميكي مع البيئة الفيزيائية البيولوجية لكوكب الأرض، والنظم الإيكولوجية فيه. وتسهم الطبيعة بطرق شتَّى في تحقيق رفاهية البشر، فضلًا عن أن فقدان ما تقدمه لنا من منافع، مثل تخزين النباتات للكربون، أو تلقيح الحشرات لهذه النباتات، يمكن أن يتسبب في خسائر فادحة3. ورغم أنَّ التراجع البطيء طويل المدى في التنوع البيولوجي على كوكب الأرض4 يحظى عادةً باهتمامٍ أقل، مقارنةً بقضايا أخرى، مثل التغير المناخي، أو جائحة "كوفيد-19" التي اندلعت مؤخرًا، فإنَّ فقدان هذا التنوع لا يقلُّ خطورةً عن تلك التحديات الأخرى، بل يرى كثيرون أنَّ آثاره يمكن أن تفوق آثارها مجتمعةً.

وشيئًا فشيئًا، يزداد إدراكنا بأنَّنا كبشر نتاج ما نأكل. كما أنَّ طَلَبنا على الغذاء آخِذٌ في الازدياد مع التزايُد المستمر لتعدادنا حول العالم (الذي يُتوقع أن يصل إلى ما يقرب من 10 مليارات نسمة بحلول عام 2050)، وكلُّ جيلٍ جديد منَّا يكون أكثر ثراءً، ومن ثمَّ يَعتمِد على أنظمةٍ غذائية أكثر استهلاكًا للموارد، مقارنةً بسابقه5. ومحاولة تحقيق التوازن بين هذا التسارع في تزايُد الطلب على الغذاء، وبين الرقعة المحدودة من الأراضي المتاحة للزراعة والرعي ستُفضي في النهاية إلى حالةٍ من التعارض بين الزراعة، والحفاظ على الطبيعة6 (الشكل 1). ولذا، كما يوضِّح لوكلير وزملاؤه، هناك حاجةٌ إلى استراتيجيةٍ جريئة ومتكاملة تُطبَّق على الفور، لتدارُك هذا الوضع.

الشكل 1 | حقل فاصولياء متاخم لإحدى محميات الغابات المطيرة بالقرب من بلدية سوهيسو في البرازيل.

الشكل 1 | حقل فاصولياء متاخم لإحدى محميات الغابات المطيرة بالقرب من بلدية سوهيسو في البرازيل.

Credit: Florian Plaucheur/AFP/Getty

وبإلقاء نظرةٍ بعيدة المدى تمتد حتى عام 2100، يُقدِّم لنا الباحثون دراسةً عالمية قائمة على عملية نمذجة، تُقيِّم كلًّا من التدخلات الطموحة التي تعني بالحفاظ على البيئة، وتغيير منظومات توفير الغذاء، من حيث قدرتها على تدارُك هذا التراجع في التنوع البيولوجي وخسائره، وهي خسائر تنتج عن تغيير الاستخدامات الزراعية للأراضي، وإدارتها، بيد أن توقعات أوجه استخدام الأراضي ووضع التنوع البيولوجي في المستقبل هي توقعاتٌ غير أكيدة، ويزداد عدم اليقين فيها عند الجمع بين نماذج التوقعات المختلفة. لذا، فمن أهم إبداعات لوكلير وزملائه في هذه الدراسة استيعابهم لهذه الحالة من عدم اليقين، وذلك من خلال الجمع بين أربعة نماذج عالمية لاستخدام الأراضي، وثمانية نماذج عالمية للتنوع البيولوجي، ثم تقييم تأثير السيناريوهات المختلفة لاستخدام الأراضي في المستقبل، استنادًا إلى معايير أسمى لا ترتبط بنموذجٍ بعينه، مثل القَدْر الذي أمكن تفاديه من خسائر التنوع البيولوجي.

والأهمُّ من ذلك، أنَّ الدراسة اشتملت أيضًا على سيناريو مرجعي (أُطلق عليه "السيناريو الأساسي")، وهو السيناريو المتوقع للعالَم في حال عدم اللجوء إلى أيِّ تدخلات. وقد استعان لوكلير وزملاؤه بهذا السيناريو لتقييم مدى فعالية سيناريوهات التدخلات المختلفة. ويجدر بنا أن نتوقَّف قليلًا، لنتأمل ما يطرحه ذلك السيناريو من صورةٍ تسترعي الاهتمام الجاد لشكل العالَم في المستقبل، عندما تفنى -إلى حد كبير- أصوات تغريد الطيور، وأصوات الحشرات، بسبب استمرار الوضع القائم، مع أنَّ هذه النقطة لم تكن أحد محاور تركيز الدراسة.

وقد تبيَّن أنَّ التحرك الآن يمكن أن يُسهم في تخفيف حدة المأزق الذي تمر به الطبيعة، إذ كشف أغلب توليفات النماذج التي استخدمها الباحثون (61% منها) أنَّ تطبيق إجراءاتٍ طموحة للحفاظ على البيئة سيُسفر عن حدوث ارتفاعٍ إيجابي في منحنى التنوع البيولوجي بحلول عام 2050. ومن بين هذه الإجراءات: توسعة نطاق الشبكة العالمية للحفاظ على البيئة، من خلال إنشاء محمياتٍ طبيعية، واستصلاح الأرضي المتدهورة، واتخاذ القرارات المتعلقة باستخدام الأراضي في المستقبل، استنادًا إلى خططٍ شاملة للحفاظ على البيئة، موضوعة على مستوى البيئات المتنوعة. وهذه الاستراتيجية الشاملة لحفظ البيئة تجنِّبنا أكثر من نصف خسائر التنوع البيولوجي المتوقعة في حال عدم اللجوء إلى أي تدابير (بنسبة تبلغ في المتوسط 58%)، لكنَّها ستؤدي أيضًا إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية.

وعندما جمع الباحثون بين تدابير الحفاظ على البيئة، وتدخلاتٍ أخرى طموحة بالقدر ذاته تتعلَّق بتغيير منظومات توفير الغذاء، تحسَّنت بدرجة أكبر التوقعات المستقبلية للتنوع البيولوجي في نموذج الباحثين. وتضمنت هذه التدخلات تدابير تتعلق بجانبَي العرض والطلب على الغذاء، منها زيادة غلة المحاصيل الزراعية، وزيادة عولمة تجارة الأغذية بصفة مستمرة، وتقليل هدر الغذاء إلى النصف، وتبنِّي أنظمةٍ غذائية صحية على مستوى العالم، من خلال خفض استهلاك اللحوم إلى النصف. وقد أدى هذا الجمع بين كل من تدابير الحفاظ على البيئة، وتدخلات تغيير منظومة توفير الغذاء إلى تفادي أكثر من ثلثي خسائر التنوع البيولوجي المستقبلية. وترتفع هذه النسبة إلى 90% من تلك الخسائر في المتوسط في حال تطبيق هذه الإجراءات كافة ضمن استراتيجيةٍ متكاملة. وقد توقَّعت جميع النماذج تقريبًا حدوث تغيرٍ تام في اتجاه منحنى التنوع البيولوجي بحلول منتصف القرن. وفضلًا عن ذلك.. أسهمت التدخلات الرامية إلى تغيير منظومة توفير الغذاء في تفادي الآثار السلبية على قدرة البشر على تحمُّل تكاليف الغذاء.

ويُعد بحث لوكلير وزملائه مكملًا لإطار العمل الحالي الخاص بمواجهة السيناريوهات العالمية للتغيُّر المناخي (وهي أدواتٌ للتخطيط المستقبلي، تستخدمها الحكومات وغيرها من الجهات، منها السيناريوهات المعروفة باسم المسارات الاجتماعية الاقتصادية المشتركة، التي تدمج في اعتباراتها بين التوقعات الاجتماعية الاقتصادية المستقبلية، واتجاهات انبعاثات غازات الدفيئة). كما تُمثِّل دراسة الباحثين عملية الدمج الأشمل لعامل التنوع البيولوجي في هذا الإطار7 حتى الآن، بيد أن أحد أوجه القصور الرئيسة في هذه الدراسة هي أنَّها لم تأخذ في اعتبارها الأثر المُحتمل للتغير المناخي على التنوع البيولوجي. وهنا تظهر حالةٌ من عدم الاتساق داخل نماذج الباحثين، لأنَّ السيناريو المرجعي من ناحية يدرس التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والتغيرات التي تطرأ على استخدام الأراضي في ظل ارتفاع متوسط درجة الحرارة العالمية بأربع درجاتٍ مئوية تقريبًا بحلول عام 2100 (المرجع 8)، لكنَّه -من ناحيةٍ أخرى- لا يُراعي الأثر الهائل للاحترار العالمي على النباتات، والحيوانات، والنظم الإيكولوجية التي تكوِّنها9. ولم تتناول هذه النماذج أيضًا التهديدات الأخرى للتنوع البيولوجي، مثل الحصاد، والصيد، والأنواع الغازية10. ومع أنَّ لوكلير وزملاءه أدركوا أوجه القصور المشار إليها، ووضعوها ضمن أهم أولويات البحوث المستقبلية، فإنَّ إغفال تلك التهديدات الرئيسة للأسف يعني أنَّ تقديراتهم لأزمة التنوع البيولوجي، ولفعالية التدخلات العالمية المتكاملة للحفاظ على البيئة وتغيير منظومات توفير الغذاء، هي تقديراتٌ مفرطة في التفاؤل. وكي يُمكن بالفعل تدارُك خسائر التنوع البيولوجي من خلال تلك التدابير المتكاملة التي خرج بها الباحثون، لا بد من توسعة نطاقها بدرجةٍ كبيرة، بحيث تتصدى لجميع التهديدات المختلفة التي تواجه التنوع البيولوجي.

وحسب النماذج، يمكننا بالفعل أن نعيش مستقبلًا أفضل، لكنْ هل من الممكن عمليًّا تطبيق مزيج الإجراءات الطموحة المختلفة التي طرحها لوكلير وزملاؤه للحفاظ على البيئة، وتغيير منظومات توفير الغذاء؟ إنّ كل إجراءٍ منها يحتاج إلى تضافر جهود هائلة تبذلها الدول جميعها. وحتى لو نظَّم المجتمع الدولي جهوده، وأعطى الأولوية للحفاظ على البيئة وتغيير منظومات توفير الغذاء، فهل ستُبذَل هذه الجهود في الوقت المناسب، وهل ستكفي لإنقاذ ما ورثناه من موارد طبيعية على كوكبنا؟ نأمل ذلك بكلِّ تأكيد.         

References

  1. Díaz, S. et al. Science 366, eaax3100 (2019).| article
  2. Leclère, D. et alNature 585, 551–556 (2020). | article
  3. Costanza, R. et al. Glob. Environ. Change Hum. Policy Dimens. 26, 152–158 (2014). | article
  4. Butchart, S. H. M. et al. Science 328, 1164–1168 (2010). | article
  5. Springmann, M. et al. Nature 562, 519–525 (2018). | article
  6. Montesino Pouzols, F. et al. Nature 516, 383–386 (2014). | article
  7. Kok, M. T. J. et al. Biol. Conserv. 221, 137–150 (2018). | article
  8. Leclère, D. et al. Towards Pathways Bending the Curve of Terrestrial Biodiversity Trends Within the 21st Century https://doi.org/10.22022/ESM/04-2018.15241 (Int. Inst. Appl. Syst. Analysis, 2018). | article
  9. Warren, R., Price, J., Graham, E., Forstenhaeusler, N. & VanDerWal, J. Science 360, 791–795 (2018). | article
  10. Driscoll, D. A. et al. Nature Ecol. Evol. 2, 775–781 (2018). | article

بريت إيه. برايان، وكارلا إل. أرتشيبالد يعملان في مركز الإيكولوجيا التكاملية بجامعة ديكن في مدينة ملبورن، فيكتوريا 3125، أستراليا.

البريد الإلكتروني:  b.bryan@deakin.edu.au