أنباء وآراء

كيف يتشكَّل الغزو السرطاني

تتّسم سرطانات الجلد الناتجة عن طفرات محددة بأن لها أشكالًا نسيجية مميزة ونتائج مَرَضية مختلفة. ويكشف تحليل بنية الأورام الحميدة والخبيثة عن الكيفية التي توجّه بها القوى الميكانيكية هذه الأنماط. 

كارولينا بونوفيوري وسارا أيه. ويكستروم

  • Published online:

التفاعل بين الشكل والوظيفة أحد الأركان الأساسية في علم الأحياء، كما أن تفكيك التنظيم الطبيعي للأنسجة يعد سمة مميِّزة لعديد من الأمراض. وثمة تساؤل قديم بخصوص ما إذا كانت التغيرات في بنية الأنسجة ما هي إلا مجرد نتيجة ثانوية للأمراض المدمرة مثل السرطان، أم أنها تؤثر بشكل نشط في تطوّر المرض. تنشأ أنواع محددة من سرطان الجلد بسبب اختلالات جينية معيّنة وتؤدي إلى ظهور أشكال مميزة من الأورام. غير أن كيفية ظهور هذه التكوينات لم تكن واضحة، كما لم يكن من الواضح ما إذا كانت أشكالها المحددة تؤثر في النتائج المختلفة للسرطانات الحميدة والخبيثة. وفي بحث نشرته دورية Nature، أعلن فيورى وزملاؤه1 عن تحليل لسرطان الجلد لدى الفئران يكشف عن بعض المبادئ الأساسية التي ينطوي عليها الأمر.

 

تتكون المنطقة الخارجية من الجلد، والتي تسمَّى البشرة، من طبقات من الخلايا الظهارية. وفي الأسفل عند الطبقة القاعدية بالجزء السفلي من البشرة، تنقسم الخلايا الجذعية لتجديد نفسها ذاتيًا وتوليد خلايا الطبقات فوق القاعدية بالأعلى، إذ تمثّل كل طبقة حالة أكثر تمايزًا. وتُنتِج المرحلة الأخيرة من التمايز طبقة من الخلايا الميتة على سطح الجلد، والتي تتساقط باستمرار. وتؤدّي الحاجة المستمرة إلى استبدال هذه الخلايا الميتة إلى ارتفاع الطلب على الخلايا الجذعية القاعدية من أجل الانقسام وإنتاج خلايا متمايزة. ونظرًا إلى قوة هذه الخلايا الجذعية وطول عمرها، فضلًا عن أنها كثيرًا ما تكتسب طفرات مسببة للسرطان، فإنها تعد خلايا المنشأ لنوعين شائعين من سرطان الجلد؛ الأول سرطان الخلايا القاعدية (BCC) وهو ورم حميد لا ينتشر عادةً إلى الأنسجة الأخرى، والآخر سرطان الخلايا الحرشفية (SCC)، وهو أكثر عدوانية وانتشارًا في الأنسجة الأخرى3،2.

 

أجرى فيورى وزملاؤه تعديلًا وراثيًا على خلايا الجلد الجنينية لأحد الفئران، للتعبير عن طفرات مسببة للسرطان. ونتج عن حدوث طفرة في جين SmoM2 الذي ينشّط مسار الإشارات Sonic Hedgehog تشكُّل تكوينات جلدية "متبرعمة"، والتي تميّز سرطان الخلايا القاعدية (الشكل 1). وعلى النقيض، أدَّى حدوث طفرة في جين HRas التي تسبب فرط نشاط مسار RAS-MAPK إلى تكوّن "طيّات" جلدية مماثلة لتلك التي توجد في سرطان الخلايا الحرشفية. وقد تسبب كلا النوعين من الطفرات في تكاثر الخلايا السرطانية بشكل أسرع من الخلايا الطبيعية المحيطة بها، لكن الخصائص الميكانيكية لبيئة الورم كانت مختلفة اختلافًا جذريًا بين نوعي الورم.

الشكل 1 | بناء البنى الخلوية للسرطان. أ. أجرى فيورى وزملاؤه1تعديلًا وراثيًا على الخلايا الجذعية في الجلد الجنيني لأحد الفئران لإحداث طفرات معزّزة للسرطان في الجينات SmoM2 أوHRas . تقع هذه الخلايا الجذعية الطافرة فوق طبقة من النسيج البيني خارج الخلية تسمى الغشاء القاعدي. ب. تشبه الأورام الموجودة في الأجنة ذات الطفرة في الجين SmoM2 سرطانًا حميدًا غير عدواني يسمّى سرطان الخلايا القاعدية. أنتجت هذه الخلايا الطافرة الغشاء القاعدي وأعادت تشكيله بشكل نشط، مما جعله مرنًا. ولّدت الخلايا السرطانية قوى نتيجة الازدحام الخلوي، مما عمل على التواء الغشاء القاعدي، مما أدّى إلى ظهور ورم على شكل برعم وأنتج توترًا عند الحدود مع الخلايا غير الطافرة. ج. الأورام في الأجنة ذات الطفرة في الجين HRas تشبه سرطانًا خبيثًا غازيًا يسمى سرطان الخلايا الحرشفية. أنتجت هذه الخلايا التي تحمل طفرة في الجين HRas غشاءً قاعديًا أقل من الخلايا التي تحمل طفرة في الجين SmoM2، وكان الغشاء صلبًا. وقد أدّى إنتاج مستويات أعلى من المعتاد من بروتين الكيراتين إلى تصلب الطبقة العليا من الخلايا. ولم يتمكن الورم المحصور بين هاتين الطبقتين غير المرنتين من تبديد قوى الضغط الواقعة عليه بسهولة، مما أدّى إلى تكوين بنية من الطيات الشبيهة بالموجات. ويقترح المؤلفون أن هذه القوى قد تؤدّي إلى تمزق الغشاء القاعدي، مما يسمح بغزو النسيج أسفلها.

الشكل 1 | بناء البنى الخلوية للسرطان. أ. أجرى فيورى وزملاؤه1تعديلًا وراثيًا على الخلايا الجذعية في الجلد الجنيني لأحد الفئران لإحداث طفرات معزّزة للسرطان في الجينات SmoM2 أوHRas . تقع هذه الخلايا الجذعية الطافرة فوق طبقة من النسيج البيني خارج الخلية تسمى الغشاء القاعدي. ب. تشبه الأورام الموجودة في الأجنة ذات الطفرة في الجين SmoM2 سرطانًا حميدًا غير عدواني يسمّى سرطان الخلايا القاعدية. أنتجت هذه الخلايا الطافرة الغشاء القاعدي وأعادت تشكيله بشكل نشط، مما جعله مرنًا. ولّدت الخلايا السرطانية قوى نتيجة الازدحام الخلوي، مما عمل على التواء الغشاء القاعدي، مما أدّى إلى ظهور ورم على شكل برعم وأنتج توترًا عند الحدود مع الخلايا غير الطافرة. ج. الأورام في الأجنة ذات الطفرة في الجين HRas تشبه سرطانًا خبيثًا غازيًا يسمى سرطان الخلايا الحرشفية. أنتجت هذه الخلايا التي تحمل طفرة في الجين HRas غشاءً قاعديًا أقل من الخلايا التي تحمل طفرة في الجين SmoM2، وكان الغشاء صلبًا. وقد أدّى إنتاج مستويات أعلى من المعتاد من بروتين الكيراتين إلى تصلب الطبقة العليا من الخلايا. ولم يتمكن الورم المحصور بين هاتين الطبقتين غير المرنتين من تبديد قوى الضغط الواقعة عليه بسهولة، مما أدّى إلى تكوين بنية من الطيات الشبيهة بالموجات. ويقترح المؤلفون أن هذه القوى قد تؤدّي إلى تمزق الغشاء القاعدي، مما يسمح بغزو النسيج أسفلها. 

كبر الصورة
 

باستخدام مجموعة كبيرة بشكل مذهل من الأساليب مع الجمع بين النُهُج النظرية والتجريبية، أوضح فيورى وزملاؤه أن الطفرتين المعزِّزتين للسرطان كان لهما تأثيرات مختلفة في إنتاج الغشاء القاعدي ومعدل دورانه وصلابته. والغشاء القاعدي طبقة رقيقة من نسيج بيني خارج الخلية متخصص يفصل خلايا البشرة عن باقي الجلد، مثل الحيز المجاور الذي يقع بالأسفل ويسمَّى الأدمة. وقد أفاد الباحثون أن الأورام الشبيهة بسرطان الخلايا القاعدية أنتجت وأعادت تشكيل الغشاء القاعدي بشكل نشط، وأن النسيج البيني خارج الخلية الناتج كانت صلابته منخفضة وكان مرنًا في استجابته للقوى التي تولّدها الخلايا السرطانية. وعلى النقيض من ذلك، أنتجت الخلايا الشبيهة بسرطان الخلايا الحرشفية غشاءً قاعديًا أقل، وأدَّى غياب إعادة التشكيل إلى جعل النسيج البيني خارج الخلية أكثر صلابة نسبيًا.

مع انتشار الورم الشبيه بسرطان الخلايا القاعدية، تسببت قوى الضغط التي تبذلها مجموعة الخلايا السرطانية سريعة الانقسام، ومن ثم كثيرة العدد، في التواء البشرة والغشاء القاعدي، مما أدى إلى نمو براعم الورم. غير أنه في الأورام الشبيهة بسرطان الخلايا الحرشفية فإن نفس نوع القوة الناتجة عن التكاثر والتزاحم الخلوي تجاه الغشاء القاعدي الأكثر صلابة لم ينتج عنه مثل هذا التشوه في الأنسجة، وبدلًا من ذلك شكَّل الورم طيات تشبه الموجة. وجدير بالذكر أن فيورى وزملاءه قد أفادوا أن تغيير الغشاء القاعدي في تجربة لتقليد درجة مرتفعة من إعادة التشكيل قد أحدث تحولًا من تكوين طيات الورم إلى تكوين براعم الورم. 

لاحظ المؤلفون اختلافات محددة بين نوعي الورم في توزيع آلية بروتين الأكتين والميوسين التي تولّد انقباضًا وتوترًا خلويًا؛ فقد أظهرت الخلايا الشبيهة بسرطان الخلايا القاعدية توترًا كبيرًا على الحدود الخلوية بين السرطان والأنسجة السليمة المجاورة، غير أن هذا التوتر الحدودي لم يُلاحَظ في حالة الخلايا الشبيهة بسرطان الخلايا الحرشفية. ومن المثير للدهشة رغم ذلك أن هذه الاختلافات لم تكن عوامل حاسمة في توجيه شكل الورم. أدَّت الطفرة في جين HRas في الأورام الشبيهة بسرطان الخلايا الحرشفية إلى تصلب الطبقة الخلوية الخارجية للجلد عن طريق إنتاج مستويات أعلى من المعتاد من بروتينات الكيراتين، وهي سمة مميزة لهذا النوع من السرطان. وقد كانت هذه الخلايا الغنية بالكيراتين أكثر صلابة من الخلايا الجذعية القاعدية5،4، وحاصرت الخلايا السرطانية سريعة الانقسام الشبيهة بسرطان الخلايا الحرشفية بين هذه الطبقة الصلبة والغشاء القاعدي الصلب. وقد أوضح مؤلفو الدراسة أن كلا النوعين من هذه التكوينات المتجاورة الصلبة ضروري لإنتاج بِنى سرطان الخلايا الحرشفية (الشكل 1). 

سُلِّط الضوء على الدور الحاسم للقوة الميكانيكية في إنتاج التكوينات البيولوجية في عديد من السياقات، بما في ذلك إنتاج طيّات مختلفة من الخلايا الظهارية. وعلى وجه الخصوص، تسبّب الخلايا الظهارية انقباضًا قائمًا على الأكتين والميوسين للانخراط في الشد والجذب ضد الغشاء القاعدي الأساسي. وبحسب الخصائص الميكانيكية للتكوينات المحيطة ومقدار القوة التي تولّدها الخلايا الظهارية، ينتج إما التواء سلبي وإما طيّ نشط للنسيج الظهاري6. وقد حقَّقت دراسة فيورى وزملائه تقدمًا مثيرًا للاهتمام يتمثَّل في دمج هذه النماذج في عملية يمكن وصفها بالالتواء النشط، إذ تمارس الخلايا قوى تقلصية معينة على محيطها ولكنها تؤثر أيضًا بشكل نشط في آليات الغشاء القاعدي لإنتاج نمط ورم محدد. 

وقد ناقشت دراسات أخرى سابقة تأثير القوى الميكانيكية في السرطان. وعلى سبيل المثال، في الأنابيب المكوَّنة من الخلايا الظهارية في البنكرياس، يكون انحناء الأنسجة هو العامل المحدد الرئيسي الذي يؤثر فيما إذا كان السرطان ينمو إلى الداخل أو الخارج من هذه الأنابيب7. وأحد الجوانب المثيرة للاهتمام في عمل فيوري وزملائه اكتشافهم أن طفرة واحدة معزِّزة للسرطان تكفي لتنظيم تكوّن بنية الورم النمطية. 

يظل بعض الأسئلة في حاجة إلى إجابة. ما آليات إرسال الإشارات المسؤولة عن التغييرات في إنتاج الغشاء القاعدي أو توليد تدرُّج صلابة في البشرة متعددة الطبقات؟ إن الأورام التي تصيب البشر لها أشكال طفرية معقدة، لذا سيكون من المثير للاهتمام تقييم تأثير الجينات الأخرى التي تعزز تطور الورم أو تعوقه على العمليات التي تؤثر في شكل الورم. 

توفِّر الدراسات السابقة9،8 للأنظمة الأخرى دلائل عن كيفية تكامل التغيرات الجسدية مع إرسال الإشارات الخلوية. في أثناء تطور بنى بصيلات ريش الدجاج، يؤدي الضغط الميكانيكي إلى تحفيز حركة بروتين بيتا-كاتينين إلى النواة إذ يحفز استجابة نسخية تتيح التمايز الخلوي8. وفي بصيلات شعر الفأر، تؤدّي إعادة تشكيل الغشاء القاعدي إلى تعديل مسارات إشارات دبليو إن تي (Wnt) وعامل النمو المحول بيتا (TGF-β) اللازمة لتنظيم تكاثر الخلايا الجذعية والتكوين اللاحق للورم9. ومن ثمَّ، فعلى الأرجح في السرطانات تكون القوى الميكانيكية جزءًا لا يتجزأ من شبكات الإشارات الكيميائية الحيوية، والتي قد توفر القوى وجزيئات إرسال الإشارات فيها ارتجاعًا ثابتًا ثنائي الاتجاه. وسيكون من المثير للاهتمام معرفة مدى تشابه هذه الحلقات الارتجاعية، إن وُجِدت، في سياق تطور الأنسجة الطبيعية والسرطان. 

يجب أن تكون الآثار الوظيفية الدقيقة لبِنَى الورم المحددة مضمارًا رئيسيًا للأبحاث المستقبلية. ويقترح فيورى وزملاؤه أنّ تمزّق الغشاء القاعدي الناجم عن قوى الأنسجة، والذي ربما يكون مصحوبًا بهضم النسيج البيني خارج الخلية الذي تحفزه إنزيمات البروتياز، هو المسؤول عن انتشار أورام سرطان الخلايا الحرشفية إلى الأنسجة الأخرى. وقد يكون لهذه الفرضية الرائعة نتائج بالغة الأهمية إذا كانت التغييرات في بنية الورم أو صلابة الغشاء القاعدي يمكنها تقديم علامات مبكرة على الانتشار يمكن استخدامها للتنبؤ بنتائج السرطانات التي تصيب البشر.

References

  1. Fiore, V. F. et al. Nature 585, 433–439 (2020). | article
  2. Gonzales, K. A. U. & Fuchs, E. Dev. Cell 43, 387–401 (2017). | article
  3. Sánchez-Danés, A. & Blainpain, C. Nature Rev. Cancer 18, 549–561 (2018). | article
  4. Miroshnikova, Y. A. et al. Nature Cell Biol. 20, 69–80 (2018). | article
  5. Seltmann, K., Fritsch, A. W., Käs, J. A. & Magin. T. M. Proc. Natl Acad. Sci. USA 110, 18507–18512 (2013). | article
  6. Mao, Y. & Baum, B. Dev. Biol. 401, 92–102 (2015). | article
  7. Messal, H. A. et al. Nature 566, 126–132 (2019). | article
  8. Shyer, A. E. et al. Science 357, 811–815 (2017). | article
  9. Morgner, J. et al. Nature Commun. 6, 8198 (2015) | article

تعمل كارولينا بونوفيوري وسارا أيه. ويكستروم في معهد هلسنكي لعلوم الحياة وفي برنامج "أبحاث الخلايا الجذعية والأيض" بكلية الطب بجامعة هلسنكي، هلسنكي 00290، فنلندا، وكذلك في معهد أبحاث ويهوري Wihuri Research Institute في هلسنكي. وتعمل سارا أيه. ويكستروم أيضًا في معهد ماكس بلانك لبيولوجيا الشيخوخة، في كولونيا، ألمانيا.

البريد الإلكتروني: sara.wickstrom@helsinki.fi