أنباء وآراء

تأثير النمو في إحساس النبات بالبرد

يعد برد الشتاء الطويل ضروريًا لإزهار كثير من النباتات. ويساعد تحديد آلية الإحساس بالبرد طويل الأمد التي لم تكن معروفة من قبل على الكشف عن الطريقة التي تستطيع بها النباتات ضبط توقيت إزهارها على نحو صحيح.  

هيرويوكي أيدا، وآري بيكا ميهوينن
  • Published online:

عادة ما تزهر النباتات المنتمية إلى النوع نفسه، والتي تنمو في منطقة بعينها، في الوقت نفسه، وهذا الإزهار المتزامن مهم لزيادة فرص التلقيح وإنجاح التكاثر. واستجابة النباتات للتعرّض للبرد تتيح لها طريقة تمكنها من ضبط توقيت إزهارها في فصل الربيع. نظرًا إلى أن درجات الحرارة اليومية تتذبذب، فإن البرودة طويلة الأمد، وليست قصيرة الأمد، هي الإشارة الحاسمة المطلوبة لتحفيز الإزهار، ففترات البرد الطويلة التي يعقبها طقس أدفأ تعد مؤشرًا على انقضاء الشتاء، وإيذانًا بحلول الربيع ووقت الإزهار. لذلك تحتاج النباتات إلى قياس طول الفترة الزمنية التي تعرضت فيها لبرد الشتاء. وفي دراسة نشرتها دورية Nature، يوضّح جاو وزملاؤه1 كيف أن البرد طويل الأمد يدمج في صورة معلومات كمية داخل النباتات.

يحفز التعرض طويل الأمد للبرودة تَسارُع الإزهار في كثير من النباتات عقب انتهاء فترة البرد. وعلى مدار عقود، خضعت هذه العملية التي يكون البرد فيها عاملًا أساسيًا، والتي تسمى "التنشيط بالبرودة"، للدراسة واكتُشِفت بعض الآليات الجزيئية الأساسية التي تقف وراءها. في نبات التجارب النموذجي "رشاد أذن الفأر" Arabidobsis thalana، يشفر جين منطقة الإزهار (FLC) لإنتاج بروتين مثبِّط (شكل 1)، يعمل كزر إغلاق يمنع الإزهار3،2. غير أن معدل تعبير الجين FLC يقل نتيجة التعرض للبرد فترة طويلة، ويستمر الحفاظ على هذه الحالة من انخفاض معدل تعبير هذا الجين عندما يحل الطقس الدافئ3،4، ومن ثمَّ يُحفَّز الإزهار. ويشفر الجين المسمى VIN3 (VERNALIZATION INSENSITIVE3) لإنتاج بروتين يثبط نشاط الجين FLC، ومن ثمَّ فهو يعمل كمنشط لعملية الإزهار5. يزداد تعبير الجين VIN3 تدريجيًا في البرد5،6، وهي الخاصية التي يمكن أن تكون مفيدة كوسيلة للإحساس بالطقس البارد الذي يستمر فترة طويلة. غير أنه لم يكن واضحًا كيف يؤدي التعرض للبرد إلى زيادة بطيئة في تعبير الجين VIN3.

شكل 1. كيف تشعر النباتات بالتعرض للبرد فترة طويلة. لا يزهر كثير من أنواع النبات في الربيع إلا إذا تعرَّض لفترة طويلة من الطقس البارد. يكشف جاو وزملاؤه1 وجود آلية تُمكِّن نبات رشاد أذن الفأر، المعروف علميًا باسم Arabidobsis thaliana، من رصد مروره بفصل الشتاء. يشير الباحثون إلى أن البروتين NTL8 يلعب دورًا مهمًا في هذه العملية، فإذا كان النبات مزروعًا في طقس دافئ، يظل تركيز بروتين NTL8 في الخلايا المنفردة منخفضًا بسبب النمو السريع وتكرار انقسام الخلايا. وهذه النباتات تنتج البروتين المعروف باسم FLC، والذي يمنع الإزهار2،3 . غير أن بطء النمو وانخفاض معدل انقسام الخلايا الذي يحدث في فترة البرد يؤديان إلى تراكم البروتين NTL8 ببطء في الخلايا. وقد وجد الباحثون أن البروتين NTL8 بحفز تعبير البروتين المعروف باسم VIN3، والذي يثبط5بدوره إنتاج البروتين FLC، مما يتيح للنباتات الإزهار عندما تتعرض لاحقًا لارتفاع درجات حرارة في الطقس الدافئ.

شكل 1. كيف تشعر النباتات بالتعرض للبرد فترة طويلة. لا يزهر كثير من أنواع النبات في الربيع إلا إذا تعرَّض لفترة طويلة من الطقس البارد. يكشف جاو وزملاؤه1 وجود آلية تُمكِّن نبات رشاد أذن الفأر، المعروف علميًا باسم Arabidobsis thaliana، من رصد مروره بفصل الشتاء. يشير الباحثون إلى أن البروتين NTL8 يلعب دورًا مهمًا في هذه العملية، فإذا كان النبات مزروعًا في طقس دافئ، يظل تركيز بروتين NTL8 في الخلايا المنفردة منخفضًا بسبب النمو السريع وتكرار انقسام الخلايا. وهذه النباتات تنتج البروتين المعروف باسم FLC، والذي يمنع الإزهار2،3 . غير أن بطء النمو وانخفاض معدل انقسام الخلايا الذي يحدث في فترة البرد يؤديان إلى تراكم البروتين NTL8 ببطء في الخلايا. وقد وجد الباحثون أن البروتين NTL8 بحفز تعبير البروتين المعروف باسم VIN3، والذي يثبط5بدوره إنتاج البروتين FLC، مما يتيح للنباتات الإزهار عندما تتعرض لاحقًا لارتفاع درجات حرارة في الطقس الدافئ.

كبر الصورة

في محاولة لتحديد الجينات التي تلعب دورًا في تنظيم تعبير الجين VIN3، أجرى جاو وزملاؤه فحصًا لنباتات رشاد أذن الفأر التي تحتوي على طفرات جينية. وجد الباحثون نباتات بها تنظيم غير عادي لتعبير الجين VIN3، وارتفاع غير عادي في مستويات تعبير هذا الجين في الأجواء الدافئة. كان بهذه النباتات أيضًا قصور في الجين NTL8، أو الجين NTL14، وهما جينان يشفران لبروتينات ترتبط بالحمض النووي وتتحكم في التعبير الجيني. في هذه النباتات الطافرة، كان الجينان NTL8 وNTL14 أنشط من المعتاد، والنباتات المحتوية على الجين NTL8 الطافر لا تحتاج إلى الدخول في عملية التنشيط بالبرودة من أجل تثبيط تعبير الجين FLC. يشير مؤلّفو الدراسة إلى أن البروتين NTL8 ارتبط بتسَلْسُلٍ تنظيمي للجين VIN3، ينظم تعبير هذا الجين، كما وجدوا أن معدل تعبير الجين VIN3 يقل عندما يُثبَّط الجينان NTL8 وNTL14 معًا في الجينوم، وذلك من خلال إنتاجهم نباتات مهندسة وراثيًا جرى فيها تعطيل هذين الجينين. تشير هذه النتائج إلى أن الجينين NTL8 وNTL14 يشفران لإنتاج بروتينات تنشط عملية الإزهار، ويرجح أن هذا التنشيط يجري بواسطة زيادة معدل تعبير الجين VIN3.

حلل جاو وزملاؤه مستويات الحمض النووي الريبوزي الذي جرى نسخه، والبروتين الذي نتج عن تعبير الجين NTL8 في أثناء التعرض للبرد، ووجدوا أنه رغم عدم تغير مستويات ما نُسِخ من الحمض النووي الريبوزي بمرور الوقت، فإن تركيز البروتين NTL8 كان يزداد تدريجيًا في ظل البرودة. ولاستكشاف هذا التراكم البطيء للبروتين، صمم الباحثون نموذجًا رياضيًا استخدموا فيه معدلات تخليق وانحلال البروتين كعوامل محددة. وقد كشف استخدام هذا النموذج عن أن سرعة انحلال البروتين، وليس سرعة تخليقه، كانت عاملًا أساسيًا في التعرف على ديناميكيات التراكم، إذ أدَّى بطء الانحلال إلى تراكم تدريجي للبروتين NTL8. أجرى جاو وزملاؤه تجارب لفحص معدل انحلال البروتين NTL8، ووجدوا أن هذا المعدل كان ثابتًا في الظروف الدافئة والظروف الباردة على السواء. ومن ثمَّ فإن التغيير المرتبط بدرجة الحرارة في معدل الانحلال قد لا يكون السبب وراء التراكم البطيء للبروتين NTL8.

ركز جاو وزملاؤه، بدلًا من ذلك، على تحديد ما إذا كان تركيز البروتين NTL8 قد يتأثر بتأخر النمو في أثناء التعرض للبرد. ودرسوا فكرة أن تركيز البروتين NTL8 يمكن أن يخففه النمو السريع وتكرار انقسام الخلايا في أثناء الطقس الدافئ، بينما قد ينخفض معدل مثل هذا التخفيف خلال النمو البطيء في الأجواء الباردة. ومن ثمَّ، من المتوقع أن ترتفع مستويات البروتين NTL8 في الخلايا تدريجيًا في أثناء الطقس البارد (شكل 1). وباستخدام نموذج رياضي، تنبأ الباحثون بتركيز NTL8 في النباتات النامية، وأثبتوا أن النمو البطيء يتيح تراكم البروتين NTL8 تدريجيًا في البرد. وقد أشار النموذج إلى أن تأخر النمو ربما يؤدي إلى تراكم البروتين NTL8 حتى دون المعالجة بالبرودة، وقد اختبر الباحثون ذلك بالفعل في النبات الحي. وتوصَّل الباحثون إلى أن معالجة النباتات بالمواد الكيميائية المختلفة التي تقلل النمو أدت إلى تراكم البروتين NTL8 في الأجواء الدافئة. من ثم، كانت اكتشافات الباحثين متوافقة، نظريًا وتجريبيًا، مع فكرتهم بأن النمو البطيء هو مفتاح تفسير تراكم البروتين NTL8.

إضافة إلى ذلك، وضع الباحثون نموذجًا حسابيًا لفحص نمط تراكم البروتين NTL8، زمانيًا ومكانيًا، في جذر النبات في الأجواء الباردة والدافئة. وقد أشارت تنبؤات النموذج إلى أنه بمجرد تكوّن كمية من البروتين NTL8 ف أثناء البرد، يجري الحفاظ على تراكمه في النطاقات التي أُنتِج فيها، حتى بعد نقل النبات إلى أجواء دافئة. وقد تأكدت صحة هذا التنبؤ بالتصوير الحي لنباتات هندسها الباحثون وراثيًا لتنتج نسخة ذات وميض من البروتين NTL8. وتنبأ نموذج جاو وزملائه بدقة بمكان وطريقة تراكم البروتين NTL8 في النباتات في الأجواء الباردة والدافئة.

أوضحت هذه الدراسة أن تأخر النمو يمكن أن يُستخدم كجزء من نظام مؤقِّت لقياس البرد المطول في أثناء الشتاء. وربما تكون هذه الفكرة العامة المتعلقة بانخفاض مستوى تخفيف البروتين خلال النمو البطيء ذات صلة أيضًا بوظيفة بعض البروتينات الأخرى التي تعيش طويلًا، والتي تُنتج بمستويات ثابتة، وربما يمكن استخدام مثل هذه الآلية في الاستجابة للضغوط البيئية الأخرى طويلة الأمد.

وقد رُصدَت أمثلة أخرى لآليات تخفيف البروتين التي يكون فيها النمو عاملًا في أنظمة التحكم بالنباتات. على سبيل المثال، يساعد النمو على تحديد عملية تقسيم الجذور إلى مناطق مميزة7. يجري إنتاج أحد البروتينات الأساسية التي تنظم تطوّر الجذور في منطقة محدودة بأطراف الجذور، ويلعب تخفيف هذا البروتين بفعل النمو دورًا مهمًا في خلق تَدَرُّج لهذا البروتين المنظِّم من أطراف الجذور إلى الأعلى. ويتحدد نمط تقسيم الجذور إلى مناطق بحسب جرعة هذا البروتين المُنظِّم، فالمستويات المرتفعة منه تنشط الخلايا الجذعية، بينما تحفز المستويات المنخفضة منه انقسام الخلايا، أما المستويات شديدة الانخفاض فهي مطلوبة لحدوث التمايز7.

يمكن لعملية تمدّد الخلايا أيضًا أن تعزّز عدم التماثل بين الخلايا من خلال آلية للتخفيف. ففي الانقسام غير المتماثل للخلايا، والذي يحدث في أثناء تطور البني المسامية للنبات والمعروفة باسم الثغور، تتخذ بعض البروتينات التي تنظم تطور الثغور موقعًا يتركز تجاه أحد جانبي الخلية قبل انقسامها8،9. وهذه البروتينات المتركزة في جانب واحد بغشاء الخلية تستقطب مكوناتٍ مؤشرة أخرى وتزيد من عدم التماثل الخلوي9. وأحد البروتينات المُنظِّمة المشتركة في هذه العملية يحفز نمو الخلية، ومن ثم فقد افتُرِض أن النمو المستقطَب يولد انعدام التماثل، عن طريق تخفيف عوامل رئيسية وجزيئات مؤشرة أساسية8،10. تشير هذه الأمثلة مجتمعة إلى أن معدل النمو نفسه يعد عاملًا حاسمًا في تحديد الاستجابات التطورية والفسيولوجية للنبات. وسيكون من المثير للاهتمام حقًا أن نرى ما إذا كان المستقبل سيكشف عن وجود آليات تنظيمية أخرى يتدخل النمو في تشكيلها.

References

  1. Zhao, Y., Antoniou-Kourounioti, R. L., Calder, G., Dean, C. & Howard, M. Nature 583, 825–829 (2020). | article
  2. Michaels, S. D. & Amasino, R. M. Plant Cell 11, 949–956 (1999). | article
  3. Sheldon, C. C., Rouse, D. T., Finnegan, E. J., Peacock, W. J. & Dennis, E. S. Proc. Natl Acad. Sci. USA 97, 3753–3758 (2000). | article
  4. Angel, A., Song, J., Dean, C. & Howard, M. Nature 476, 105–108 (2011). | article
  5. Sung, S. & Amasino, R. M. Nature 427, 159–164 (2004). | article
  6. Bond, D. M., Dennis, E. S., Pogson, B. J. & Finnegan, E. J. Mol. Plant 2, 724–737 (2009). | article
  7. Mähönen, A. P. et al. Nature 515, 125–129 (2014). | article
  8. Dong, J., MacAlister, C. A. & Bergmann, D. C. Cell 137, 1320–1330 (2009). | article
  9. Houbaert, A. et al. Nature 563, 574–578 (2018). | article
  10. Pillitteri, L. J. & Dong, J. Arabidopsis Book 11, e0162 (2013). | article

هيرويوكي أيدا، وآري بيكا ميهوينن، يعملان بمعهد التكنولوجيا الحيوية HiLIFE، بجامعة هلسنكي، هلسنكي 00014، فنلندا.

البريد الإلكتروني:

hiroyuki.iida@helsinki.fi

aripekka.mahonen@helsinki.fi