رؤية كونية

وضْع أرقام "كوفيد-19" في المنطقة العربية في نصابها الصحيح

أرقام الإصابات في الشرق الأوسط وأفريقيا قد تعكس خصائص منفردة للمنطقة.

غِنى ممتاز
  • Published online:
غنى ممتاز

غنى ممتاز

من الصعب التنبؤ بمسار تطور جائحة مرض "كوفيد-19" COVID-19 في بعض دول منطقتَي الشرق الأوسط، وأفريقيا، حيث لا يزال انتشار الوباء محدودًا على ما يبدو. ومع ذلك، يمكن أن تكون الأرقام الرسمية الحالية في البلدان العربية -التي تقل كثيرًا عن تلك المسجَّلة في الولايات المتحدة، وإسبانيا، وإيطاليا، على سبيل المثال- انعكاسًا لتأخر دخول الفيروس إلى تلك المناطق، نتيجة الاختلافات في حركة السفر وأنماطه على مستوى العالم.

ولعل أحد التفسيرات الأخرى المحتملة لقلة الأعداد في الوقت الراهن، مقارنة بمناطق العالم الأخرى، هو انخفاض معدلات إجراء الاختبارات والإبلاغ عن الحالات في بعض البلدان العربية، إذ لا تمتلك البلدان منخفضة الدخل موارد كافية لزيادة أعداد الاختبارات، كما أن سعة المختبرات لديها محدودة، فضلًا عن نُظُم الرقابة الضعيفة. يشير ذلك إلى أن بعض حالات العدوى قد لا يخضع للتوثيق. ويُلاحَظ وجود فوارق في إجراء الاختبارات، بل حتى في داخل المناطق نفسها، وعادة ما يرتبط ذلك بالموارد المتاحة. وعلى سبيل المثال، يقع العديد من دول الخليج العربي، مثل الإمارات، والبحرين، وقطر، ضمن المراتب العليا على مستوى العالم من حيث عدد الاختبارات لكل مليون نسمة، في حين أن البقية الباقية من دول العالم العربي لم تُجرِ سوى عدد قليل من الاختبارات، بالمقارنة ببعض دول الخليج المذكورة. ومن ثمَّ، فليس من المُستغرَب أن تُسجِّل هذه البلدان الثلاثة أكبر عدد من الحالات المُسجَّلة لكل مليون نسمة في المنطقة.

وثمة تخمينات عديدة بشأن التأثير المحتمل للتغيرات المناخية الموسمية والطقس الحار على انتشار الفيروس، إذا يعزو البعض عدم انتشار الوباء انتشارًا كبيرًا في القارة الأفريقية إلى الطقس الحار. ومع ذلك.. فإن تأثير تلك التغيرات الموسمية لا يزال غير معروف. وحتى إذا كان الطقس الحار سببًا محتملًا في إبطاء معدل انتشار العدوى، فمن المستبعد أن يتمكن ذلك وحده من منع الوباء من الوقوع. ينطبق هذا بشكل خاص على مسألة الإصابة بفيروس "سارس-كوف-2" SARS-CoV-2، المسبب لمرض" كوفيد-19"، نتيجة لارتفاع عدد التكاثر (R0) الخاص بالفيروس، الذي يبلغ حوالي 2.5، مقارنة بعدد التكاثر الخاص بفيروس الإنفلونزا الموسمية الذي يصل إلى 1.3 تقريبًا. ويُعرَّف عدد التكاثر بأنه متوسط ​​عدد الإصابات الثانوية التي يُسبِّبها شخص واحد مصاب بالعدوى في بداية وباء معين. ويقدم هذا العدد مؤشرًا على القدرة الفعلية للعامل المعدي على الانتشار وسط مجموعة سكانية بعينها.

أتاح التأخير كذلك في الإطار الزمني العام لانتشار الوباء على مستوى العالم للبلدان فرصة سانحة لتطبيق إجراءات احترازية في مرحلة مبكرة. فقد فرضت بلدان عربية إجراءات مبكرة لاحتواء الوباء، كردّ فعل للأزمات التي كانت تحدث في دول أكثر تقدمًا، مثل إيطاليا، والولايات المتحدة، وإسبانيا، حيث إن دولًا عربية عديدة تعي محدوديتها في التعامل مع مثل هذا الوباء الذي ينتشر بسرعة. وعلى سبيل المثال، على الرغم من أن لبنان كان يمر بأزمة اقتصادية شديدة الصعوبة في خضم انتفاضة شعبية، أعلنت الحكومة إغلاق المدارس بعد فترة وجيزة من تسجيل أولى حالات الإصابة المعدودة، وفرضت إغلاقًا تامًّا عندما ارتفع عدد الحالات إلى أقل بقليل من مائة حالة. كذلك فرض الأردن ضوابط صارمة على الحدود بعد وقت قصير من تسجيل الحالة الأولى، ثم أتبع ذلك بفرض إغلاق تام على السكان.

النقطة الأخيرة هي أنه في حين تتأثر الوفيات بجودة الرعاية الصحية، فإن انخفاض معدلات الوفيات المُلاحَظ حاليًّا في بعض البلدان العربية قد يمكن تعليله بمسألة التأثير الوقائي للعمر، فاستنادًا إلى الدلائل الوبائية المنشورة، ترتبط حدة الإصابة بمرض "كوفيد-19" ارتباطا وثيقًا بالتقدم في السن، إذ تزداد نسبة الحالات التي تُصاب بأعراض شديدة أو حرجة بشكل مُطَّرد مع تقدم العمر. وفي الوقت ذاته، تختلف الخصائص السكانية في البلدان المتقدمة (من حيث البنية العمرية) اختلافًا كبيرًا عن البلدان النامية، فالبلدان النامية، التي من بينها معظم دول العالم العربي، تتميز بأن سكانها أصغر سنًّا بكثير، وبالتالي قد يُتَوَّقع أن يقل لديها عدد الحالات المرضية الحرجة، وهو ما يترتب عليه انخفاض معدل الوفيات. أما إيطاليا، التي سجلت معدلًا مرتفعًا من الوفيات، فشعبها من أكثر شعوب العالم تقدمًا في العمر. ومع ذلك.. يجب أن نأخذ في الاعتبار أنه قد يستغرق المرضى ثمانية أسابيع بعد ظهور الأعراض الأولية، حتى يُصابوا بمضاعفات حادة تؤدي إلى الوفاة.

ويخبرنا كل ما سبق بأن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لها سمات تجعلها مختلفة عن باقي دول العالم. وبالنظر إلى العوامل التي ذكرناها سابقًا، خاصة مع التباين في تعامل الدول مع الجائحة، فإن القول بأن معدل الوفيات في هذا الجزء من العالم منخفض يحتاج إلى مزيد من التدقيق.

هذا المقال جزء من عدد خاص برعاية مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، وNature هي المسؤولة مسؤولية تامة عن المحتوى التحريري بالكامل.

هذا المقال جزء من عدد خاص برعاية مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، وNature هي المسؤولة مسؤولية تامة عن المحتوى التحريري بالكامل.

عن هذا المحتوى

غِنى ممتاز أستاذ باحث مساعد في قسم علم الوبائيات والصحة السكانية بالجامعة الأمريكية في بيروت. حصلت ممتاز على درجة الدكتوراة في علم وبائيات الأمراض المعدية من كلية لندن للصحة والطب الاستوائي. ويرتكز عملها البحثي الحالي على مشروع مُموَّل من المملكة المتحدة، يُطلق عليه اسم «RECAP». يهدف المشروع إلى تحسين التعامل مع الأزمات الإنسانية، والتصدي للأوبئة. وقد وجهت الأبحاث التي قامت بها ممتاز عملية اتخاذ القرار الخاصة بوضع الخطط والسياسات والبرامج لدى منظمات دولية كبرى، مثل منظمة الصحة العالمية، وبرنامج الأمم المتحدة المشترَك المعنِيّ بفيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز)، والبنك الدولي.