افتتاحيات

لا انفصال بين العِلْم والسياسة 

تعتزم دورية Nature نشر المزيد من الأخبار والتعليقات والبحوث الأولية التي تتعلق بالسياسة في الأسابيع والأشهر المقبلة.

  • Published online:

ننشر منذ صدور الأعداد الأولى من دورية Nature أخبارًا، وتعليقات، وبحوثًا أولية عن العلم والسياسة، لكنْ ما الذي يدفع دورية متخصصة في العلوم إلى أن تغطي موضوعات عن السياسة؟ إنه لسؤال مهم، كثيرًا ما يطرحه القراء.

ويقدم مراسلو دورية Nature، في العدد الصادر بتاريخ 8 أكتوبر 2020، لمحة عامة حول ما قد يجنيه العِلْم في حال فوز جو بايدن بالانتخابات الرئاسية الأمريكية في الثالث من نوفمبر المقبل؛ ويستعرضون في تسلسل زمني ما خلّفه الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب من تركة ثقيلة، وإرث حافل بالمشكلات لمجال العِلْم. ونعتزم زيادة حجم تغطيتنا السياسية في جميع أنحاء العالم، ونشْر المزيد من الأبحاث الأولية في مجال العلوم السياسية، والمجالات ذات الصلة.

ولطالما اعتمد العِلْمُ والسياسةُ على بعضهما البعض، فقرارات الساسة وأفعالهم تؤثر على تمويل الأبحاث، وعلى أولويات سياسات البحث العلمي. وفي الوقت ذاته، يوجِّه العلم والبحث العلمي العديد من السياسات العامة، ويشكلانها، بدءًا من سياسات حماية البيئة، وصولًا إلى الممارسات الأخلاقية المتعلقة بالبيانات. وتؤثر إجراءات الساسة كذلك على مناخ التعليم العالي، فهم قادرون على أن يكفلوا الحماية للحرية الأكاديمية، وأنْ يُلْزِموا المؤسسات بالسعي بمزيد من القوة نحو الدفاع عن المساواة، والتنوع، وتمثيل مختلف الأطياف، وإفساح مساحة أكبر للأصوات من المجتمعات التي تعرضت للتهميش، بيد أن الساسة -من ناحية أخرى- يملكون أيضًا السلطة لسنّ قوانين تؤدي إلى العكس تمامًا.

إن جائحة فيروس كورونا التي حصدت أرواح أكثر من مليون شخص حتى الآن دفعت العلاقة بين العلم والسياسة إلى الاتجاه إلى ساحة الحياة العامة، أكثر من أي وقت مضى، وأبرزت مشكلات جسيمة. وعلى سبيل المثال، تُنجَز البحوث المتعلقة بجائحة "كوفيد-19" بوتيرة لم يسبق لها مثيل بين الأمراض المعدية. وثمة اهتمام عالمي مستَحَق ومكثف بكيفية استرشاد القادة السياسيين بالعلوم في اتخاذ قراراتهم؛ وكيف أن بعضهم يسيء فهمها، أو يسيء استخدامها، أو يقمعها. كذلك يُوَجَّه قَدْر كبير من الاهتمام إلى العلاقة المتذبذبة بين السياسيين والعلماء الذين تستشيرهم الحكومات، أو تقوم بتوظيفهم.

استقلال البحث العلمي يواجه تهديدًا

ولعل من الأمور الأكثر إثارة للقلق، تلك الشواهد الدالة على أن الساسة يقاومون مبدأ حماية استقلال البحث العلمي، أو الحرية الأكاديمية. وهو مبدأ ظل قائمًا لقرون، وبقي كذلك خلال الحضارات السابقة، ويرتكز عليه العلم الحديث. 

واليوم، يُفهم هذا المبدأ على أنه يعني أحقية الباحثين الحاصلين على تمويل حكومي لأبحاثهم في المطالبة بعدم تدَخُّل السياسيين في سير دراساتهم العلمية، أو فيما يخلصون إليه من نتائج، أو أحقيتهم في ألا يتجاوز هذا التدخل صورة محدودة للغاية؛ وأنَّ سعى المسؤولين والسياسيين للحصول على المشورة والمعلومات من الباحثين يقوم على شرط، مفاده عدم أحقيتهم في إملاء الإجابات على الباحثين. وهذا هو أساس العهد القائم اليوم بين العلم والسياسة، وهو ينطبق على العديد من قطاعات البحث العلمي، والتعليم، والسياسة العامة، والمجالات التنظيمية.

وهذا ليس نظامًا يخلو من المشكلات بأي حال من الأحوال، فبعض مجالات البحث العلمي يتمتع باستقلالية أكثر من غيره. ومبدأ الاستقلال لا يمكن أبدًا أن يعني الحرية المطلقة، فالباحثون كذلك يجب أن يُساءلوا عن أفعالهم. كما يجب الحفاظ على معايير الجودة والنزاهة في البحث العلمي، إلا أن حماية مبدأ استقلال البحث العلمي هي قاعدة مرجعية قائمة منذ أمد طويل، وهي المعيار الذهبي الذي يتطلع الخبراء وصناع السياسات إلى استيفائه، فهو يتطلب درجة من الثقة بين الباحث والسياسي في أن كليهما سيفي بوعوده. وعندما يبدأ مستوى هذه الثقة في التراجع، يبدأ الضعف في التسلل إلى كيان الأنظمة.

وهذه الثقة تهددها ضغوط هائلة في جميع أنحاء العالم. وقد تجلَّى الشرخ في العلاقة بين الباحثين والساسة على مدار سنوات في قضية تغيُّر المناخ، مع تجاهل عدد من الساسة للأدلة الدامغة التي تثبت أن الإنسان هو السبب في هذا التغير، أو سعيهم لتقويض هذه الأدلة. كما بوسعنا أن نرى انحسار هذه الثقة حاليًّا في مجالات عامة أخرى، يلزم فيها وجود أبحاث ومعلومات يمكن التثبُّت منها؛ لوضع سياسات فعالة.  

وعلى سبيل المثال، أقال رئيس دولة البرازيل، جايير بولسونارو، خلال العام الماضي رئيسَ المعهد القومي لأبحاث الفضاء في البلاد، لأن الرئيس بولسونارو رفض قبول تقارير المعهد، التي تفيد بأن إزالة الغابات في الأمازون تسارعت خلال فترة ولايته. وفي العام نفسه، أقدم 100 عالم اقتصاد في الهند على خطوة غير مسبوقة بإرسال خطاب إلى ناريندرا مودي، رئيس وزراء الهند، يحثونه فيه على إنهاء استغلال النفوذ السياسي في وضع الإحصاءات الرسمية في البلاد، خاصةً البيانات الاقتصادية.

هذا، بينما لم يقبل رئيس وزراء اليابان الجديد، يوشيهيديه سوجا، خلال الأسبوع قبل الماضي، ترشيح ستة أكاديميين، انتقدوا في السابق السياسة العلمية للحكومة، ورفض انضمامهم إلى مجلس العلوم الياباني، وهو مؤسسة مستقلة تهدف إلى تمثيل أصوات العلماء اليابانيين. وهذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك منذ بدء رؤساء الوزارات في اعتماد ترشيحات الانضمام إلى المجلس في عام 2004.

تكشف الجائحة كذلك النقاب عن أمثلة للتدخل السياسي في العِلْم. فعلى سبيل المثال، وجَّه مراقب الإحصاءات في المملكة المتحدة رسالة إلى حكومة البلاد في يونيو الماضي، مسلطًا الضوء فيها على أخطاء متكررة في بيانات اختبارات "كوفيد-19"، التي يذكُر المراقب أنها تبدو أنها تهدف إلى إظهار "أكبر عدد ممكن من الاختبارات".

وقد كشفت الأبحاث في مجالَي الصحة العامة والأمراض المعدية الكثير عن آثار الجوائح، وكيفية الحد منها. وهذا العام، ألقى عددٌ كبير من الدراسات حول "كوفيد-19" الضوء على سلوك كل من الفيروس، وعدوى هذا المرض. وكما هو متوقَّع، كشفت أبحاث عن أوجه من عدم اليقين، وثغرات وأخطاء في معارفنا، إلا أن هذا لا يبرر السلوك الذي نشهده من الساسة حول العالم، وخير مثال له هو تصرفات ترامب البغيضة التي تتجلى في ردود أفعاله الهوجاء غير المبنية على دراسة، وشنه الهجوم على العلماء، وزعزعته الثقة فيهم.  

إن مبدأ احترام الدولة لاستقلال البحث العلمي هو أحد الأسس التي يرتكز عليها البحث العلمي الحديث، وتقويضه ينطوي على مخاطر جسيمة تهدد معايير جودة البحث العلمي، ووضع السياسات، ونزاهتهما. وعندما ينقض الساسة هذا الميثاق، فهم يعرِّضون صحة الأفراد والبيئة والمجتمعات للخطر.

ولهذا السبب يعتزم مراسلو أخبار دورية Nature تكثيف جهودهم، لمراقبة ما يدور في مجالَي السياسة والبحث العلمي، والإبلاغ عنه. ولهذا السبب أيضًا سوف يواصل كاتبو تعليقات الخبراء تقييم تطورات الأحداث، ونقدها. ولهذا.. تتطلع الدورية إلى نشر المزيد من الأبحاث الأولية في العلوم السياسية.

وفي هذه الصفحات الافتتاحية، سنستمر في حضّ الساسة على تبَنِّي روح العلم والتعاوُن، وتثمين وجهات النظر المختلفة، والوفاء بالالتزامات تجاه تحقيق الاستقلال العلمي والبحثي.

إن الأعراف التي وَجَّهت العلاقة بين العلم والسياسة تتعرض لهجوم. وحيال ذلك، لا تستطيع دورية Nature أن تقف مكتوفة الأيدي.