أخبار

جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2020 تذهب إلى مكتشفي ألغاز الثقوب السوداء

تَقاسَم الجائزة عالِم الفيزياء الرياضية روجر بنروز مع الباحثَيْن أندريا جيز، وراينهارد جينتزِل، اللذَين اكتشفا ثقبًا ضخمًا أسود في مركز المجرة.

إليزابيث جيبني ودافيديه كاستلفيكي

  • Published online:
حصل روجر بنروز وأندريا جيز وراينهارد جينتزِل (من اليسار إلى اليمين) على جائزة نوبل في الفيزياء عن بحوثهم حول الثقوب السوداء.

حصل روجر بنروز وأندريا جيز وراينهارد جينتزِل (من اليسار إلى اليمين) على جائزة نوبل في الفيزياء عن بحوثهم حول الثقوب السوداء. 

David Levenson/Getty, Christopher Dibble, ESO/M. Zamani

كانت جائزة نوبل للفيزياء هذا العام من نصيب عالِم فيزياء رياضية، وفلكيَّين، عن اكتشافاتٍ تتعلق بالأجرام الأضخم والأكثر غموضًا في كوننا، ألا وهي الثقوب السوداء.

حاز نصف الجائزة الفيزيائي البريطاني روجر بنروز، البالغ من العمر 89 عامًا، وذلك عن أبحاثه النظرية التي أوضحت في عام 1965 كيف يفترض أن تؤدي نظرية النسبية العامة التي وضعها ألبرت أينشتاين إلى تَكَوُّن الثقوب السوداء، وهي مناطق تتمتع بقوة جذب قوية إلى درجةٍ تجعل الإفلات منها مستحيلًا، حتى بالنسبة إلى الضوء.

أما النصف الثاني من الجائزة، التي تبلغ قيمتها 10 ملايين كرونة سويدية (1.1 مليون دولار أمريكي)، فذهب (مناصَفةً) إلى الفلكية الأمريكية أندريا جيز، البالغة من العمر 55 عامًا، والفلكي الألماني راينهارد جينتزِل، البالغ من العمر 68 عامًا، وذلك عن اكتشافهما لما يُعَدُّ أشهر الثقوب السوداء، وهو الجرم فائق الكثافة والضخامة، الواقع في مركز مجرب درب التبانة.

فمنذ تسعينات القرن الماضي، قاد كل من جيز، وجينتزل فِرَقًا وضعت خرائط لمدارات النجوم القريبة من مركز المجرة، وخلصت من هذه الدراسات إلى حتمية وجود جرمٍ خفي بالغ الضخامة يتحكم في الحركة الهوجاء لهذه النجوم. وحسب بيانٍ أصدرته الأكاديمية السويدية الملكية للعلوم، التي تمنح الجائزة، فهذا الجرم المعروف باسم "ساجيتاريوس إيه ستار" *Sagittarius A هو أقوى دليلٍ حتى الآن على وجود ثقبٍ أسود فائق الضخامة في مركز مجرة درب التبانة.

عمالقة في الفيزياء

وتعليقًا على فوز الباحثين الثلاثة، قالت عالمة الفيزياء الفلكية مونيكا كولبي، التي تعمل بجامعة ميلان بيكوكا في إيطاليا، إنَّ العلماء الثلاثة فازوا بالجائزة عن جدارة فائقة. وأضافت قائلة: "بيانات الرصد التي خرج بها كل من جينتزل وجيز رائعة، وفريدة حقًّا من حيث قدرتها على تتبُّع حركات النجوم حول هذا الجرم". وقد أثبتت بياناتهما هذه أنَّ كثافة "ساجيتاريوس إيه ستار" تتسق مع فرضية كونه ثقبًا أسود فائق الضخامة.

ويؤيد هذا الرأي عالِم الفيزياء الفلكية هينو فالكه، الذي يعمل بجامعة رادبود في مدينة نايميخن الهولندية، إذ قال: "لقد قدَّما إسهاماتٍ حيوية فيما يتعلق بإثبات وجود هذه المراكز المعتمة للمجرات".

أما بنروز، فهو "أحد عمالقة الفيزياء النظرية"، وقد ألهمت أبحاثه أجيالًا من العلماء، على حد قول كارول موندِل، عالمة الفيزياء الفلكية بجامعة باث بالمملكة المتحدة، التي تصفه بأنه "مفكر مبدع حقًّا، يتمتع بخيال خصب، وطابع مرح، وولع بالاستكشاف في كل ما يقوم به".

جديرٌ بالذكر أنَّ جيز، التي تعمل بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجيليس، تأتي خلفًا لأربع نساء فقط في الحصول على جائزة نوبل في مجال الفيزياء، التي تُعَد أقل جوائز نوبل من حيث عدد النساء الفائزات بها (انظر الشكل "فجوة بين الجنسين")، إذ غاب العنصر النسائي عن المشهد لمدة 55 عامًا، إلى أن فازت بالجائزة في عام 1918 دونا ستريكلاند، عالمة الفيزياء المتخصصة في مجال الليزر، لتصبح ثالث امرأةٍ في التاريخ تحصل عليها.

كبر الصورة

وقد علَّقت جيز على فوزها -في المؤتمر الصحفي الذي انعقد حول الجائزة- قائلةً: "أنظر بجديةٍ شديدة إلى المسؤولية التي تقع على عاتقي لكوني رابع امرأة تحصل على جائزة نوبل في الفيزياء. وأتمنى أن أستطيع إلهام الفتيات اليافعات للانخراط في هذا المجال، فهو مليء بالمتعة".

من النسبية العامة إلى الهندسة الرياضية

في ورقةٍ بحثية رائدة نُشِرَت في عام 1965، أوضح بنروز كيف يمكن للثقوب السوداء أن تتكون وفقًا لنظرية النسبية العامة، إذا توفرت الظروف المناسبة، التي تتمثل في تكوُّن سطحٍ يحبس الضوء. وفي داخل هذا السطح، تمر الكتلة تحت تأثير جاذبيتها بحالةٍ من الانهيار، لا رجعة فيها، تُعرَف باسم "الانهيار التثاقلي"، مُكوِّنةً منطقةً من الطاقة ذات كثافة غير متناهية، تُعرَف باسم منطقة "التفرُّد". وقد أثبت باحثون سابقون إمكانية حدوث تلك العملية الحتمية فقط في ظل ظروفٍ كانت تُعَد غير واقعيةٍ من الناحية الفيزيائية.

كما قدَّم بنروز إسهاماتٍ في جوانب كثيرة من مجالَي الرياضيات، والفيزياء. وتواصَل مثلًا مع مُصمِّم الرسوم البيانية إم. سي. إشر، وألهمه لتصميم بعضٍ من رسوماته للأشكال الهندسية المستحيلة. وفي السبعينات، طوَّر نظريةً في مجال الهندسة الرياضية، تتعلق بنمطٍ غير متكرر ثنائي الأبعاد، يُعرف الآن باسم نمط "تبليط بنروز". ويوجد هذا النمط في الطبيعة في "أشباه البلورات"، التي كانت عنوان الاكتشاف الحائز على جائزة نوبل للكيمياء في عام 2011.

واستحدث بنروز أيضًا أساليب رياضية متقدمة لتُستَخدم في عدة فروعٍ من علم الفيزياء، حسبما أوضحت ماتيلدي ماركولي، عالمة الفيزياء الرياضية بمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في مدينة باسادينا، التي تتعاون حاليًّا مع بنروز في أبحاثه. وقد أضافت قائلة في وصف هذه الأساليب: "كانت تمثل طريقة تفكيرٍ جديدة تمامًا".

ومن أهم إنجازاته أيضًا أنَّه في أواخر الستينات طوَّر نظرية "فضاءات التويستر"، التي كانت محاولةً للتوفيق بين نظرية النسبية العامة، وميكانيكا الكَمّ، حسبما أوضح أصغر قدير، عالِم الفيزياء الرياضية بجامعة الكلية الحكومية في مدينة لاهور الباكستانية. ومن شأن هذه النظرية أن تغيِّر طبيعة الزمان المكاني نفسها. وقال عنها قدير، الذي أجرى أبحاثه في مرحلة الدكتوراة مع بنروز حول نظرية التويستر: "لقد طوَّر فكرة مفادها أنَّه يمكننا أن نتناول الزمان والمكان، ليس باعتبارهما لبنات أساسية في حد ذاتها، بل كأشياء ناشئة".

كما أجرى بنروز أبحاثًا تأسيسية أخرى على مناطق التفرُّد مع العالِم الراحل ستيفن هوكينج. ومن هنا، يقول أندرياس إيكارت، عالِم الفيزياء الفلكية بجامعة كولون في ألمانيا: "أظن أنَّ مَنْح الجائزة لبنروز يعني أيضًا -بصورة غير مباشرة- منحها لستيفن هوكينج، وهذا يُعَدّ تكريمًا للجهود الهائلة التي بذلها كلاهما وفِرَقهما من أجل طرح تفسيرٍ فيزيائي نظري لظاهرة الثقوب السوداء".

اكتشاف المراكز المعتمة

بينما وضع بنروز الأسس النظرية لوجود الثقوب السوداء، أنتجت الفِرَق التي قادها كل من جيز وجينتزل أدلةً تجريبية قوية على وجود أحد هذه الثقوب في قلب مجرّتنا.

فمنذ الستينات، اشتبه علماء الفلك في احتمالية وجود ثقوبٍ سوداء فائقة الضخامة في مراكز معظم المجرات، وأنَّ كتل تلك الثقوب تزيد على كتلة الشمس بأكثر من مليون مرة. وكانت مجرة درب التبانة من المجرات التي يُرجَّح أن توجد فيها مثل تلك الثقوب، إذ كشفت الأرصاد الراديوية صدور انبعاثاتٍ عالية الطاقة من مركزها، الذي يقع به الجرم المعروف باسم "ساجيتاريوس إيه ستار". وأوضحت أرصادٌ أخرى أنَّ مركز المجرة مكتظٌ بنجومٍ وغازات تتحرك عشوائيًّا بسرعاتٍ عالية.

إنّ تقصِّي تلك النجوم كان تحديًا صعبًا، لأنَّ الغاز والغبار كانا يحجبان انبعاثاتها. ولذا، بدايةً من التسعينات، استعان فريقان متنافسان -تحت قيادة جيز، وجينتزل- باثنين من أكبر تليسكوبات العالم، فاستخدم فريق جيز مرصد كيك الواقع فوق جبل ماونا كيا في هاواي، بينما لجأ فريق جينتزل إلى التليسكوب فائق الضخامة، الواقع فوق جبل سيرو بارانال في تشيلي. واستخدم الفريقان تقنيات رصد مبتكرة؛ للتغلب على هذا التحدي.

وكان من الضروري لأبحاثهما أن تعثر على طرقٍ لتعزيز دقة رصد أشعة الضوء الضعيفة، والحساسية تجاهها، حسبما أوضح إيكارت، الذي كان عضوًا في فريق جينتزل بمعهد ماكس بلانك لفيزياء الفضاء الخارجي في جارشينج بألمانيا. لذا، باستخدام تقنيةٍ تُعرف باسم "التصوير البُقَعي"، جمع الفريقان بياناتٍ في صورة لقطات، لتجنُّب الضبابية الناجمة عن اضطرابات الغلاف الجوي للأرض، ثمَّ استعان كلاهما بتقنية البصريات التكيُّفية، التي تَستخدِم مرآةً لتصحيح الأخطاء الناجمة عن تشويش الغلاف الجوي الأرضي. وهذا سمح لهما أثناء التصوير بالتعرُّض للضوء لوقتٍ أطول، لالتقاط كميةٍ أكبر منه، وتعزيز استشعاره. وأتاح لهما كذلك تتبُّع حركة النجوم تتبُّعًا ثلاثي الأبعاد.

وعلى مدار عقود، أتاحت هذه التقنيات للفريقين أن يدرسا آلافًا من النجوم الواقعة بالقرب من مركز مجرة درب التبانة، وأن يرسما مدارات 30 نجمًا تقريبًا منها. وحدَّد الفريقان في النهاية كتلة الجرم الواقع في مركز المجرة، التي بلغت حوالي 4 ملايين كتلة شمسية، واتفقا على حد أقصى لحجمه.

وقال إيكارت إنَّ استنتاج وجود ثقبٍ أسود فائق الضخامة في مركز مجرة درب التبانة كان المحصلة النهائية لهذه الجهود الجماعية، ولكثيرٍ "من الأوراق البحثية والمشروعات". وأضاف قائلًا عن جينتزل -الذي ما زال يتعاون معه- إنه معروفٌ بكَدِّه، وإنه "عالِم بارع يتسم بالدقة الشديدة في عمله". أمَّا جيز، فهي معروفةٌ بكونها جادةً ومرحة في الوقت ذاته، وبإخلاصها الشديد لعملها، وفقًا لتقريرٍ عنها نشرته دورية Nature في عام 2013. وأضاف إيكارت قائلًا عنها: "إنها تتمتع بتركيزٍ حاد، وتَطْرق المشكلات مباشرةً، دون مواربة".